لم يعد الخلاف داخل واشنطن يدور فقط حول كيفية التعامل مع إيران بل حول من يملك حق اتخاذ قرار الحرب في الولايات المتحدة فمع تصاعد التوترات الإقليمية وعودة الحديث عن الخيارات العسكرية بدأت أصوات داخل الحزب الجمهوري تخرج عن الاصطفاف التقليدي خلف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رافضة منح البيت الأبيض صلاحيات مفتوحة قد تقود إلى مواجهة طويلة ومكلفة.
انقسام داخل الحزب الجمهوري حول صلاحيات الحرب
وفي هذا السياق يقول الدكتور ميسرة مصطفى بكور مدير المركز العربي الأوروبي للدراسات في حديثه لـ “القصة”: “إن اعتراض بعض الجمهوريين على توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ملف إيران لا يرتبط بالدفاع عن طهران بل بالخوف من منح البيت الأبيض صلاحيات مفتوحة لقيادة حرب جديدة دون تفويض واضح من الكونغرس”، موضحًا أن عددًا من الجمهوريين رأوا أن أي تحرك عسكري واسع يجب أن يستند إلى تفويض قانوني واضح مع إعلان الكلفة المتوقعة وخطة نهاية محددة محذرين من أن أي تصعيد محدود قد يتحول تدريجيًّا إلى مواجهة طويلة يصعب التحكم بمسارها.
إيران تتحول إلى أزمة سياسية داخل واشنطن
ويضيف الدكتور ميسرة أن ملف إيران لم يعد مجرد أزمة خارجية بين واشنطن وطهران بل أصبح ساحة صراع داخلي أمريكي حول الجهة التي تملك قرار الحرب، مشيرًا إلى أن البيت الأبيض يسعى إلى هامش واسع للتحرك العسكري والسياسي بينما يطالب أعضاء في الكونغرس بوضع قيود دستورية وسياسية على أي قرار قد يقود الولايات المتحدة إلى مواجهة مفتوحة في الشرق الأوسط.
خلافات قديمة تعود إلى الواجهة
ويبين بكور أن الخلاف بين ترامب والسيناتور الجمهوري بيل كاسيدي ليس وليد التصويت الأخير بل يعود إلى تصويت كاسيدي لإدانة ترامب خلال محاكمة العزل الثانية عام 2021، مؤكدًا أن كاسيدي بعد تراجع حضوره داخل التيار الترامبي لم يعد ملزمًا بالدفاع عن جميع سياسات ترامب لذلك جاء موقفه من ملف إيران كرسالة سياسية واضحة ترفض الطاعة الحزبية المطلقة عندما يتعلق الأمر بالحرب وصلاحيات الكونغرس.
شبح العراق وأفغانستان يطارد الجمهوريين
ويتابع بكور أن المخاوف الحقيقية داخل الحزب الجمهوري لا تتعلق بالضربة العسكرية الأولى بل بما قد يليها من استنزاف طويل ومكلف، موضحًا أن تجربتي العراق وأفغانستان ما تزالان حاضرتين بقوة في العقل السياسي الأمريكي حيث بدأت الحروب بأهداف محددة ثم تحولت إلى أعباء مالية وعسكرية وسياسية طويلة الأمد لذلك يتساءل المعترضون اليوم عن الهدف النهائي من أي تصعيد محتمل مع إيران وما إذا كان يمكن أن ينزلق إلى حرب بلا مخرج واضح.
الرسالة السياسية خلف التصويت
ويلفت مدير المركز العربي الأوروبي للدراسات إلى أن التصويت لا يعني تمردًا جمهوريًّا واسعًا ضد ترامب لكنه يكشف بداية رسم حدود لنفوذه عندما ترتبط القرارات بالحرب والكلفة الانتخابية، مضيفًا أن الرسالة الأساسية الموجهة إلى البيت الأبيض تتمثل في رفض منح شيك على بياض لأي إدارة قد تدخل البلاد في مواجهة عسكرية طويلة دون توافق سياسي كامل لاسيما وأن بعض الجمهوريين يخشون أيضًا أن يتحمل الحزب كلفة قرارات ترامب الاقتصادية والعسكرية أمام الناخب الأمريكي.
ويختتم الدكتور ميسرة بكور حديثه بالتأكيد على أن التصويت المرتبط بملف إيران كشف وجود توازن حساس داخل الحزب الجمهوري بين دعم ترامب والحفاظ على المصالح السياسية والانتخابية للحزب، موضحًا أن واشنطن تمتلك أدوات القوة العسكرية لكنها ما تزال تفتقر إلى إجماع سياسي كامل حول كيفية استخدام هذه القوة وحدودها.