على مر الزمان تم تصنيف جماهير النادي الأهلي بأنها جماهير “النتيجة”، لا تكترث كثيراً بأداء الفريق ولا صوت يعلو لديها فوق صوت البطولات، ولا فلسفة تتجاوز دولاب الألقاب الممتلئ حتى آخره، وعلى الرغم من أن الرياضة كوسيلة ترفيهية شأنها شأن الفن يتذوق متابعها جمال الأداء، “تكيفه” لعبة وتستهويه “ترقيصة” ويصل به “جول” ملعوب إلى النشوة، إلا أن جماهير الأهلي ألقت بكل هذا جانباً ورفعت شعار “الاي تكسب به العب به” وكأنهم سيحصدون مع اللاعبين مكافآت الفوز.
أضف إلى ذلك ما صاحبه من تطور درامي في شخصية المشجع الأحمر الذي صار يجمع النقيضين فيجلس لا ليشاهد المباراة فحسب، بل ليعيش معها دور “الضحية المنتصرة” التي تتلقى الضربات من كل اتجاه من حكام، اتحاد كرة، نوعية طعام، إقامة فندقية، طقس، ضغط جوي، كرة “مفسية” وصولًا إلى حركة الرياح، للتحول على إثره كل مباراة يخوضها إلى عرض سينمائي صاخب مكانه الوحيد سينما الترسو.
فالهزيمة والتعادل من وجهة نظره مجرد مصطلحين عبثيين اخترعهما الرياضيون القدماء ولا يليقان بهم كأبطال وبالفعل قاموا بةستبدالهما بمصطلح آخر أدق ربما من وجهة نظرهم بأنه “سيناريو مكتوب بإحكام لإسقاط البطل” وفي رواية أخرى “البطولة موجهة إلى نادي آخر”.
الغريب أن هذا البطل الذي تحالفت ضده قوى الشر يكون بنهاية نفس الموسم هو نفسه قد فاز بالدوري عن طريق التلاعب في اللوائح المنظمة للبطولة، أو اقتنص بطولة قارية عن طريق “تغفيل” مخرج المباراة لحكم الفيديو المساعد بعرض زوايا تصوير خادعة يحتسب من خلالها حكم المباراة بدوره ضربة جزاء مشكوك في صحتها، أو حصد سوبر هنا أو هناك، غير أن هذا كله لا يمنع شعورا داخليا عميقاً لدى هذا المشجع بأنه “مستهدف” وكأن كل هذه البطولات التي تحصل عليها جاءت “رغماً عن المؤامرة”!
المثير في المشهد أن هذا المشجع اكتفى طواعيةً بدور المتلقي، وأصبح مدافعاً ومتبنياً لجميع الأفكار التي تمرر إليه عبر “اللجان الإلكترونية للكابتن”، فتجده مملوءًا بالحماسة بعد المباراة وهو يردد عبارات من نوعية لماذا كانت الهزيمة “مؤامرة دولية ذات أبعاد كونية” حتى إذا سمعته يتحدث سوف تظن لبرهة أنك أمام خبير استراتيجي في مجلس الأمن لا مشجع كرة ودائماً ما تصب آراءه بعد أي هزيمة نحو الحكم حتى لو احتسب ركلة جزاء صحيحة، أما الخصم فهو دائمًا محظوظ حتى لو لم يسدد فريقه كرة واحدة على المرمى، والفريق ضحية باستمرار و” كل الدنيا ضده” حتى وهو الأكثر فوزاً بالبطولة بنسبة تتجاوز السبعين بالمائة مقارنة بمنافسيه مجتمعين.
المفارقة المدهشة، أن هذا الإحساس بالاضطهاد لا يتناسب إطلاقاً مع الواقع فالفريق الذي يملك الرقم القياسي في عدد الألقاب المحلية تتصرف جماهيره وكأنها تشجع فريقًا يصارع للبقاء في الدوري، بل إن المشهد يصل إلى ذروته حين يتحول الفوز نفسه إلى دليل على المؤامرة!
نعم، قد يفوز الأهلي، لكن الفوز يكون “رغماً عن الجميع”، وكأن الفريق يخوض المباراة ضد الخصم وضد إتحاد الكرة وضد التحكيم وربما ضد “عفاريت عدلي علام” في آن واحد، وعلى الرغم من النهاية المعتادة والتتويج بالدوري يعاد عرض الفيلم بنفس السيناريو كل عام، الأهلي يبدأ كبطل لا يُقهر، يتعرض لظلم درامي مبالغ فيه “من وحي خيال جماهيره”، تتعالى الصافرات من الترسو، ثم ينتصر في النهاية.
وإذا تعرض لهزيمة عابرة، فلابد وأن تقترن حينئذ مع اقتناع كامل بأن الهزيمة كانت بفعل فاعل، وفي الحالتين يخرج الجمهور من المدرجات وهو مقتنع اقتناعا تاما أن ما شاهده لم يكن مباراة كرة قدم بل ملحمة إنسانية عن بطل مظلوم، يحارب العالم وحده بينما خزائنه ممتلئة بالكؤوس التي لا يجد وقتاً لعدها.
والمشكلة لا تكمن حقيقةً في النتائج، ولا في الأداء، ولا حتى في القرارات التحكيمية، بل تكمن وبكل بساطة فيما فعلته “اللجان مدفوعة الأجر” في تلك الجماهير التي صارت تتبع خطواتها بدون إعمال لعقل ولا إدراك لواقع حتى أدمنت تلك الجماهير دور الضحية لأنه أكثر إثارة، وأكثر درامية ويمنحها شعورًا دائمًا بأنها تصنع المستحيل.
ويبقى المشهد الختامي في سيكولوجية مشجع سينما الترسو الأهلاوي ألا وهو الاحتفال بعد أن يضرب البطل الجميع، ويحصل على البطولة التي كانت “محسومة” بالمنطق والميزانية والتحكيم واللوائح “الملعوب في أساسها”، ليخرج ماسحًا دموعه بـ “درع الدوري” ويقول: “كانت بطولة صعبة.. واجهنا فيها إتحاد قوى الشر!” إنها عبقرية تحويل “المسيطر” إلى “مكافح”، و”المدعوم” إلى “مضطهد”.
فالمشجع الأهلاوي لا يريد أن يشعر بمتعة القوة، بل يريد أن يشعر بلذة “الانتصار على الظلم”، حتى لو كان هو “الظلم” نفسه في نظر الجميع، هو البطل الذي يصر على أن يربطوه قبل “العركة”، ليس لأنه الأقوي بل لأنه يعرف أن المخرج لن يتركه يخسر أبداً، ففي نهاية الفيلم لابد أن تصفق القاعة، ويصفر الجمهور، ويخرج البطل وهو يقول للكومبارس الملقى على الأرض: “ماتزعلش يا حبيبي.. ده دورك في السيناريو!”.
ولعل ما حدث في الأيام القليلة الماضية من استنفار إعلامي لتعادل الأهلي مع سيراميكا كليوباترا وعدم إحتساب الحكم لضربة جزاء مشكوك في صحتها للنادي الأهلي، وتغافل نفس القنوات عن عدم احتساب حكم مباراة الأهلي وسموحة لضربة جزاء أكثر وضوحًا من سابقتها يدعونا لمناشدة رابطة الأندية التي أهدت للأهلي بطولة العام الماضي بكل تبجح أن تكتب نهاية هذا العبث الكروي وأن تعلن الأهلي بطلاً للدوري “الحاجة وأربعين” وتقوم بتسليمه الدرع في حفل ضخم وهو “بيعيط”.