أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

“أستاذ محمود هات المستلزمات من برة”.. عندما يصبح الحق في العلاج فاتورة يدفعها المريض في المستشفيات

كان شقيقه ينزف على سرير الطوارئ، بينما وقف محمود إمام، في مواجهة لحظة لم يكن يتخيل أن يعيشها داخل مستشفى حكومي، فبدلًا من أن ينشغل الأطباء فقط بإنقاذ شقيقه، كان عليه هو أن يخرج بحثًا عن شاش وسرنجات وبعض المستلزمات الطبية التي طُلب منه توفيرها من الخارج.

محمود لم يفكر وقتها في تكلفة ما سيشتريه، وإنما في الدقائق التي تمر، وهو يعلم أن شقيقه ينتظر استكمال علاجه، خرج مسرعًا إلى إحدى الصيدليات، اشترى المطلوب، وعاد إلى المستشفى، لكنه فوجئ بأن هناك مستلزمات أخرى يحتاج إليها الفريق الطبي، فعاد إلى الخارج مرة ثانية، بينما ظل شقيقه مستلقيًا ينتظر.

في لحظة يفترض أن تكون فيها الأولوية لإنقاذ حياة إنسان، وجد محمود نفسه أمام مهمة لا علاقة لها بالمرض: البحث عن مستلزمات يفترض أن تكون متاحة داخل مكان العلاج.

أخبار ذات صلة

FB_IMG_1788597985222
جيل الوسط يطلق وثيقته التأسيسية.. ومؤسس التيار لـ "القصة":لا نريد معارضة تهدم ولا دولة تخشى النقد
المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام
"الأعلى للإعلام" يحذر من تناول الأزمات الشخصية ويدعو وسائل الإعلام لصون الحياة الخاصة
متى يشهد أسعار الذهب انخفاضا في الأسواق بعد الارتفاع التاريخي؟
قفزات سعرية بقيمة 30 جنيه.. تعرف على أسعار الذهب اليوم

لكن تجربة محمود لا تبدو استثنائية بالنسبة إلى بعض المترددين على المستشفيات الحكومية، فالجملة التي يسمعها المرافق: “اذهب واشترِ المستلزمات من الخارج”، قد تتحول من واقعة عابرة إلى جزء من رحلة العلاج نفسها.

خلف هذه الجملة البسيطة تقف حكايات أكثر قسوة، مريض جاء إلى المستشفى لأنه لا يملك تكلفة العلاج في القطاع الخاص، فإذا به يواجه نفقات إضافية لم يكن مستعدًا لها، وأسرة محدودة الدخل تضطر إلى الاختيار بين شراء الدواء أو توفير الغذاء، أو بين الانتظار وتحمل الألم، أو اللجوء إلى مدخرات كانت مخصصة لمستقبل أبنائها.

وهنا لا تعد القضية مجرد نقص في شاش أو دواء أو مستلزم طبي، وإنما تتحول إلى سؤال أكبر: ماذا يحدث عندما يصل المواطن إلى المستشفى العام بحثًا عن حقه في العلاج، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى تحمل جزء من تكلفة هذا الحق من جيبه الخاص؟

عندما يتحول نقص المستلزمات إلى سباق مع الوقت

في حالات الطوارئ، لا يملك المريض أو أسرته رفاهية الانتظار حتى تتوافر المستلزمات.

فالمستلزم الطبي الذي قد يبدو بسيطًا في حد ذاته، يصبح ذا أهمية مختلفة تمامًا عندما يكون مطلوبًا في لحظة حرجة، والمرافق الذي يخرج إلى الصيدلية لا يخرج في رحلة شراء عادية، وإنما يتحرك تحت ضغط الخوف، وهو يعلم أن شخصًا ينتظره داخل المستشفى.

وتتجاوز المشكلة هنا قيمة المستلزم نفسه، فكل دقيقة يقضيها المرافق خارج المستشفى بحثًا عن المطلوب، تعني بالنسبة إلى الأسرة وقتًا إضافيًا من القلق، بينما يبقى السؤال الأصعب: ماذا لو لم يكن المرافق قادرًا على شراء ما طُلب منه؟

عندما يصبح الدواء منافسًا للغذاء

إذا كان نقص المستلزمات يضع المريض أمام نفقات مفاجئة، فإن عدم توافر بعض الأدوية المزمنة يضع أسرًا أخرى أمام معادلة أكثر قسوة، لأن المريض لا يحتاج إلى الدواء مرة واحدة، وإنما يعتمد عليه بصورة مستمرة.

فاطمة عبد المرضي، 62 عامًا، مريضة بالسكري وارتفاع ضغط الدم منذ سنوات، وتعتمد على معاش محدود لتدبير احتياجاتها الأساسية.

تذهب إلى المستشفى لصرف علاجها، فتجد أن بعض الأصناف غير متوفرة، فتخرج للبحث عنها في الصيدليات الخاصة، لكنها قد تصطدم بأسعار تتجاوز قدرتها المالية.

تبدأ فاطمة في إعادة ترتيب ميزانيتها، ويصبح الدواء شريكًا أساسيًا في استنزاف دخلها المحدود، بينما تكون الاحتياجات المنزلية والطعام في الجهة الأخرى من المعادلة.

الأكثر خطورة أن بعض المرضى، عندما يعجزون عن شراء العلاج بصورة منتظمة، قد يلجأون إلى تقليل الجرعة أو تقسيم الأقراص أو تأجيل شراء الدواء، في محاولة لتمديد الكمية الموجودة لديهم لأطول فترة ممكنة.

وهنا تتحول مشكلة توافر الدواء من أزمة في الإمداد إلى خطر صحي مباشر، لأن عدم انتظام العلاج قد يؤثر في السيطرة على المرض، بينما لا يستطيع المريض دائمًا تحمل تكلفة البديل.

تحمل الألم مقابل مدخرات المستقبل

في مستشفى تلا العام، وجد خالد عزت نفسه أمام تجربة مختلفة في تفاصيلها، لكنها أكثر قسوة في نتيجتها.

كان هناك طفل بالغ من العمر عشرة أعوام يحتاج إلى عملية جراحية بعد إصابته بالتهاب الزائدة الدودية، انتظرت الأسرة موعد التدخل، ثم فوجئت بتأجيله؛ بسبب عدم توافر بعض المستلزمات.

بالنسبة إلى الأب، لم يكن التأجيل مجرد تغيير في جدول المستشفى، وإنما كان يعني ألمًا مستمرًا لطفله، وقلقًا متزايدًا من حدوث مضاعفات، وأسرة لا تعرف إلى متى يمكنها الانتظار.

وعندما أصبح الانتظار أكثر صعوبة، لم يجد خالد أمامه سوى اللجوء إلى مستشفى خاص، حيث وجد العلاج متاحًا، لكن بتكلفة لم تكن الأسرة مستعدة لها، و اضطر الأب إلى اللجوء إلى مدخرات كانت مخصصة لمواجهة تحديات المستقبل .

أنقذ ابنه، لكنه خرج من التجربة وهو يحمل سؤالًا أثقل من قيمة الفاتورة: هل يصبح المواطن الذي يلجأ إلى المستشفى الحكومي لأنه لا يستطيع تحمل تكلفة العلاج الخاص، مضطرًا في النهاية إلى استنزاف مدخراته عندما تتعذر الخدمة داخله؟

شعبة الأدوية: لا توجد أزمة دواء

في المقابل، ترفض شعبة الأدوية بالغرفة التجارية توصيف الوضع باعتباره “أزمة دواء” بالمعنى المطلق.

الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية بالغرفة التجارية، في تصريحات خاصة لـ”القصة” يوضح أن نسب النواقص في السوق المصرية تقع ضمن المعدلات التي تشهدها دول مختلفة حول العالم، مرجعًا ذلك إلى عوامل مرتبطة بسلاسل الإمداد والمواد الخام وارتفاع تكاليف الشحن.

ويشير عوف إلى مشكلة أخرى تتعلق بثقافة الاعتماد على الاسم التجاري للدواء، موضحًا أن وجود أكثر من بديل للمادة الفعالة نفسها يمكن أن يخفف من آثار نقص بعض الأصناف.

ووفقا لرؤية “عوف”، تبدو المشكلة قابلة للحل جزئيًا عبر التوسع في استخدام الاسم العلمي وتعريف المرضى والأطباء بالبدائل المتاحة.

لكن المريض داخل المستشفى لا يتعامل مع قوائم البدائل النظرية، وإنما يتعامل مع دواء أو مستلزم محدد مطلوب في لحظة محددة.

وهنا تظهر الفجوة بين الصورة العامة لسوق الدواء وبين التجربة اليومية للمريض: حتى إذا كان البديل موجودًا في السوق، يبقى السؤال: هل هو موجود داخل مخزن المستشفى؟ وهل يستطيع المريض شراءه؟ وهل يمكن استخدامه في حالته في تلك اللحظة؟

البدائل موجودة في السوق.. لكن أين نجدها داخل المستشفى؟

الدكتور محمد حجاج، استشاري الباطنة بمستشفى أشمون العام، يرى أن الحديث عن “وجود بدائل” لا يعكس بالضرورة واقع غرف الطوارئ وأقسام الباطنة.

ويقول حجاج في تصريحات خاصة لـ”القصة”: “عندما نتحدث عن الاسم العلمي كـ حل، فنحن نتحدث من داخل مكتب مكيف، لا من داخل مستشفى يستقبل مئات الحالات يوميًا”.

ويضيف أن المشكلة بالنسبة إلى الطبيب ليست في معرفة المادة الفعالة أو الاسم التجاري، وإنما في مدى توافر الدواء أو المستلزم داخل المستشفى وقائمة التوريد المعتمدة.

ويشرح أن الشعبة تتحدث عن سوق مفتوحة تضم عدة بدائل، وهو أمر قد يكون صحيحًا في الصيدليات الخاصة، لكن الوضع داخل المستشفى الحكومي مختلف، فليس أمام الطبيب رف مفتوح يختار منه، وإنما ما هو متاح بالفعل داخل المخزن.

ويقول: “إذا لم يكن الدواء موجودًا فالحل ليس نظريًا، الحل هو أن أطلب من المرافق النزول لشرائه من الخارج”.

ويرى حجاج أن تحميل المريض مسؤولية فِهم البدائل العلمية أمر غير واقعي في لحظة الأزمة، موضحًا أن المريض الذي يصل إلى الطوارئ في حالة حرجة يحتاج إلى التدخل الفوري، وليس إلى نقاش طويل حول الأسماء التجارية والبدائل.

ويختتم حديثه”للقصة” بسؤال: إذا كانت البدائل متاحة في السوق، فهل يكفي ذلك إذا لم تكن متاحة داخل المستشفى عندما يحتاج إليها المريض؟

طبيب واحد أمام عشرات الحالات

لكن الأزمة لا تقف عند الدواء والمستلزمات، فخلف كل طابور من المرضى طبيب يحاول أداء عمله في ظروف قد لا تسمح له بالوقت الكافي لفحص كل حالة كما ينبغي.

الدكتور أحمد عبد السميع، طبيب استقبال بمستشفى منوف العام، يصف ضغط العمل باعتباره أحد أكثر التحديات اليومية قسوة، موضحًا أن الطبيب قد يتعامل خلال النبطشية الواحدة مع أعداد كبيرة من الحالات، بينما يحتاج كل مريض إلى وقت للفحص والاستماع والشرح والمتابعة.

وحين تتجاوز أعداد المترددين قدرة الفريق الطبي، تصبح الأولوية في كثير من الأحيان للحالات الأكثر خطورة، بينما يحاول الطبيب تقسيم الوقت على باقي المرضى وفقًا لدرجة احتياج كل حالة.

وهنا تنشأ دائرة من التوتر، مريض يشعر بأنه لم يحصل على الوقت الكافي للتشخيص والعلاج، وطبيب يشعر بأنه يعمل تحت ضغط يفوق طاقته، وأسرة تنتظر دورها وهي تخشى أن يكون التأخير مؤثرًا في حالة مريضها.

ومع نقص الكوادر، يزداد الضغط على الأطباء الموجودين، بينما يبحث آخرون عن فرص أفضل سواء في القطاع الخاص أو خارج البلاد، وبذلك لا تخسر المنظومة طبيبًا فقط، وإنما تخسر خبرة تراكمية كان يمكن أن تخفف العبء عن المرضى وزملائه.

الإصلاح يبدأ من الرقابة وإعادة تنظيم المنظومة

من جانبها، تؤكد وزارة الصحة أن مواجهة هذه التحديات لا تقتصر على توفير كميات إضافية من الأدوية والمستلزمات، وإنما تمتد إلى إعادة تنظيم طريقة إدارة المستشفيات والخدمات الصحية.

الدكتور عمرو مصطفى، وكيل وزارة الصحة بالمنوفية، يوضح أن زيادة أعداد المترددين على المستشفيات العامة تمثل أحد مصادر الضغط، خصوصًا مع توجه عدد كبير من المواطنين مباشرة إلى المستشفيات الكبرى بدلًا من الاستفادة بصورة أكبر من خدمات الوحدات الصحية.

وأشار وكيل الوزارة إلى العمل على عدة مسارات، من بينها تكثيف التفتيش والمتابعة، وإعادة تنظيم مخازن الأدوية والمستهلكات بالتنسيق مع الجهات المختصة، إلى جانب تطبيق معايير الجودة والاعتماد بما يرفع مستوى الخدمة ويضع ضوابط أكثر وضوحًا لمتابعة الأداء.

لكن بالنسبة إلى المريض، لا يعرف تفاصيل دورة التوريد أو إجراءات الشراء، ولا يملك القدرة على انتظار حل مشكلة في المخازن، فهو يصل إلى المستشفى لأنه يحتاج إلى العلاج في تلك اللحظة.

 

حين يصبح الفقر عاملًا في فرص العلاج

أخطر ما في الأزمة أن نقص الخدمة لا يضرب الجميع بالقدر نفسه.

القادر ماليًا يستطيع، في كثير من الحالات، البحث عن بديل في القطاع الخاص، أما محدود الدخل فقد لا يملك سوى الانتظار، أو الاستدانة، أو بيع ما يملك، أو قبول مستوى من الخدمة أقل مما يحتاج إليه.

وبذلك، يتحول الوضع الاقتصادي للأسرة بصورة غير مباشرة إلى عامل يؤثر في قدرتها على الحصول على العلاج.

فمحمود كان عليه أن يخرج لشراء المستلزمات بينما شقيقه ينتظر على سرير الطوارىء، وخالد اضطر إلى اللجوء إلى مدخرات كانت مخصصة لمستقبل أبنائه، وفاطمة تعيد ترتيب ميزانية منزلها كلما لم تجد علاجها داخل المستشفى.

وراء كل قصة من هذه القصص أسرة تدفع ثمنًا لا يظهر في فاتورة المستشفى، ثمن الخوف، والانتظار، والبحث، والاستدانة، وتأجيل احتياجات أخرى من أجل استكمال العلاج.

عندما يتحول الإستثناء إلى عادة

قد يبدو شراء قطعة شاش أو سرنجة أو مستلزم طبي أمرًا يسيرا إذا نظرنا إليه منفردًا.

لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتكرر المشهد، ويتحول الاستثناء إلى عادة، ويصبح المواطن معتادًا على شراء ما يفترض أن يجده في مكان العلاج.

المواطن الذي يدخل المستشفى الحكومي لا يطلب رفاهية، يريد طبيبًا يجده عندما يحتاج إليه، ودواءً متاحًا، ومستلزمات أساسية لا يضطر إلى البحث عنها خارج المستشفى، وجهازًا يعمل عندما يحتاج إليه، ومعاملة تحفظ كرامته في أكثر لحظات حياته ضعفًا.

 

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

أسعار الخضروات والفاكهة
استقرار أسعار الخضروات والفاكهة اليوم السبت
من ذاكرة التاريخ
من ذاكرة التاريخ
أخبار الطقس اليوم
استمرار انخفاض درجات الحرارة.. والعظمى بالقاهرة 32
IMG-20260918-WA0008(1)
حين لم يعد الموت خبرًا

أقرأ أيضًا

64e0eedb-9640-4d86-b2c6-9137731de281
أبعد من واقعة محافظ وشجرة ووزير ومدرسة.. هل نحتاج عقدًا اجتماعيًا جديدًا؟
تنزيل
من الشارع إلى المقابر.. حين لا يكون الخوف بعيدًا عن باب البيت
سعر الذهب يسجل ارتفاعا للأسبوع الـ7 على التوالى
رفع الفائدة الأمريكية.. كيف يعيد الفيدرالي حسابات الذهب؟
Screenshot_٢٠٢٦٠٩١٩_١٢٢٤٠٢_Google
"أستاذ محمود هات المستلزمات من برة".. عندما يصبح الحق في العلاج فاتورة يدفعها المريض في المستشفيات