يصل المصري إلى الصين محمّلًا بتطبيقات اعتاد استخدامها يوميًا؛ TikTok للتصفح، وTemu وShein للتسوق، لكنه يكتشف عند دخوله الأراضي الصينية أن جزءًا من هذا العالم الرقمي الذي اعتاد عليه خارج البلاد لا يعمل بالطريقة نفسها. والمفارقة أن بعض هذه المنصات تحمل جذورًا صينية، بينما يجد المستخدم داخل الصين بدائل محلية مختلفة.
هذه المفارقة تفتح الباب أمام سؤال أكبر: كيف استطاعت شركات صينية أن تطور منصات رقمية موجهة إلى مئات الملايين من المستخدمين حول العالم، بينما تعتمد السوق الصينية في الوقت نفسه على منظومة رقمية محلية مختلفة؟
ولفهم هذه الظاهرة، يكفي النظر إلى واحدة من أشهر المنصات الرقمية في العالم؛ TikTok، المملوك لشركة ByteDance الصينية، فالمستخدم الذي يدخل الصين لا يجد التطبيق الذي اعتاد عليه في مصر أو أوروبا أو غيرهما، وإنما يجد Douyin، النسخة المخصصة للسوق الصينية.
TikTok خارج الصين.. وDouyin داخلها
رغم الارتباط الوثيق بين التطبيقين، فإن TikTok وDouyin ليسا التطبيق نفسه في السوق الصينية. أُطلق Douyin في الصين عام 2016، بينما أُطلق TikTok في الأسواق الدولية لاحقًا، ويعمل كل منهما في بيئة سوقية مختلفة.
ويعني ذلك أن المستخدم الصيني يعيش تجربة رقمية مختلفة عن تلك التي يعيشها مستخدم TikTok في الخارج؛ فالمحتوى، وآليات التشغيل، والقواعد التنظيمية، وطبيعة السوق، كلها تتشكل وفق البيئة التي يعمل فيها كل تطبيق.
وهنا تظهر إحدى أكثر الظواهر إثارة في تجربة الإنترنت الصينية: شركة واحدة يمكن أن تطور منتجات رقمية مختلفة لجمهورين مختلفين، بدلًا من تقديم منصة عالمية واحدة لجميع المستخدمين.
القصة لا تتوقف عند TikTok، ولا تقتصر الظاهرة على تطبيقات التواصل الاجتماعي، إذ تظهر بصورة أخرى في التجارة الإلكترونية. فمنصتا Temu وShein أصبحتا معروفتين على نطاق واسع خارج الصين، ووصلتا إلى أسواق عديدة حول العالم، ومن بينها السوق المصرية، مستفيدتين من نموذج التجارة الإلكترونية العابرة للحدود، والأسعار التنافسية، وسرعة الوصول إلى المستهلك.
لكن وجود هذه المنصات بقوة في الأسواق العالمية لا يعني أنها تمثل الوجه الأساسي للتجارة الإلكترونية داخل الصين، فالسوق الصينية لديها منظومة ضخمة من منصات التجارة الإلكترونية المحلية، وعلى رأسها Taobao وTmall وJD.com وغيرها، وهي منصات نشأت وتطورت لخدمة المستهلك الصيني.
وبالتالي، فإن السؤال الأدق ليس: لماذا تمنع الصين منصاتها؟ وإنما: لماذا تطور الشركات الصينية منصات ومنتجات مختلفة للأسواق العالمية، بينما تعتمد داخل الصين على منظومة محلية أخرى؟
وهذا التفريق مهم حتى لا تتحول القصة الصحفية إلى مجرد حديث عن «حظر» تطبيقات صينية، بينما الواقع أكثر تعقيدًا ويرتبط أيضًا باختلاف الأسواق والتشريعات واستراتيجيات الشركات.
سوق رقمية لها قواعدها الخاصة
تتميز الصين بوجود منظومة رقمية محلية واسعة تشمل منصات للتجارة الإلكترونية، والتواصل الاجتماعي، والدفع الإلكتروني، ومحركات البحث، وخدمات الخرائط والمحتوى الرقمي.
وبدلًا من الاعتماد على المنصات العالمية نفسها، طورت الشركات الصينية بدائل محلية أصبحت جزءًا من الحياة اليومية للمستخدم الصيني، ويظهر ذلك بوضوح في التطبيقات التي يعتمد عليها المواطن في عمليات الشراء والدفع والتواصل والحصول على الخدمات، بما يجعل الإنترنت داخل الصين أقرب إلى نظام رقمي متكامل له أدواته ومنصاته الخاصة.
ولا يمكن تفسير هذا النظام بعامل واحد؛ فهناك التشريعات الصينية المتعلقة بالإنترنت والبيانات والمحتوى، إلى جانب وجود سوق محلية ضخمة شجعت الشركات على تطوير خدمات مخصصة للمستخدم الصيني.
لماذا يهمنا هذا الأمر في مصر؟
تكتسب هذه التجربة أهمية خاصة بالنسبة للمستخدم المصري؛ لأن العلاقة مع المنصات الصينية لم تعد بعيدة أو نظرية، فالمستهلك المصري أصبح قادرًا على الوصول إلى منتجات وخدمات صينية عبر منصات التجارة الإلكترونية العالمية، كما أصبحت التطبيقات الصينية جزءًا من النقاش العالمي حول مستقبل التكنولوجيا والإعلام والتجارة الرقمية.
وهنا تظهر مفارقة أخرى: المستخدم المصري قد يتعامل يوميًا مع منتجات رقمية صينية صُممت أساسًا للسوق العالمية، بينما يحتاج الصحفي أو الباحث الذي يزور الصين إلى التعرف على منظومة رقمية مختلفة تمامًا يستخدمها المواطن الصيني داخل البلاد.
ومن هنا، فإن فهم هذه الفجوة بين الصين الرقمية للعالم والصين الرقمية من الداخل يصبح مهمًا لفهم تجربة البلاد في التكنولوجيا والاقتصاد والإعلام.