في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى حقائب الدبلوماسيين في إسلام آباد، وبحثهم عن خيط رفيع يجمع واشنطن بطهران فوق طاولة التفاوض، ثمة رائحة بارود لا تخطئها الأنوف تفوح من مكان آخر تمامًا. هنا، حيث لا صوت يعلو فوق صراخ الجنوب اللبناني، تبدو الحكاية أكبر من مجرد يورانيوم ومفاعلات؛ إنها لعبة عضّ أصابع كبرى، تتقن فيها واشنطن فن شراء الوقت بالكلمات، بينما تملأ السماء بحاملات الطائرات.
هل نحن أمام مفاوضات حقيقية لإنهاء الصراع، أم أننا بصدد مقايضة كبرى تُعد في الغرف المغلقة، يكون فيها لبنان هو الثمن، ورفع الحصار عن طهران هو الجائزة؟
التفاوض من أجل “التحشيد” لا السلام
يقول المحلل السياسي وخبير الشؤون العربية، طلعت طه، في حديثه لـ “القصة” إن جولات التفاوض الحالية هي “تمهيد لجولة ثالثة ستكون تحت خط النار”.
ويرى طه أن واشنطن تستثمر هذا الوقت ليس للوصول إلى حلول وسط، بل لتعزيز حملات طائراتها وزيادة عديد قواتها في المنطقة.
ويؤكد أن الإدارة الأمريكية لن تقبل بأقل من تجميد شامل للملف النووي أو خروج اليورانيوم الإيراني تمامًا من البلاد، لإرضاء الغرور الأمريكي.
باكستان.. الوسيط “النووي” القلق
دخول باكستان على خط الوساطة ليس محض صدفة؛ فهي دولة تمتلك سلاحًا نوويًا وترتبط بعلاقات متشعبة مع واشنطن وطهران والرياض، فييرى طه أن إسلام آباد تسعى بكل قوتها لإنجاح هذا التفاوض، ليس حبًا في السلام فحسب، بل لأنها تدرك أن فشل المسار وضرب إيران يعني أنها قد تكون “التالية” على قائمة الحصار والقيود الأمريكية الصارمة.
لبنان.. “كبش الفداء” لإرضاء إسرائيل
الزاوية الأكثر خطورة في التحليل تكمن في “المقايضة” المحتملة على الساحة اللبنانية، إذ يشير طه إلى أن إسرائيل تخترق الهدنة والتفاوض بضرب جنوب لبنان، سعيًا منها لإطلاق يد الجيش اللبناني لمواجهة “حزب الله” مباشرة، بينما تكتفي هي بمقعد المتفرج.
ويضيف: “قد تنتصر أمريكا على حساب لبنان إرضاءً لإسرائيل فالتضحية بـ”حزب الله” – ولو مؤقتًا – مقابل اتفاق كبير يوقف الحرب تمامًا، قد يكون هو الثمن الذي تعده واشنطن على الطاولة، في محاولة لفك الارتباط العضوي بين طهران ووكلائها في المنطقة”.
عودة الحرب الشاملة
رغم “الإملاءات” الأمريكية والضربات الإسرائيلية المتقطعة، يخلص طه إلى وصف المشهد القادم بـ”تفاوض بلا تفاوض”، حيث سيستمر وقف إطلاق النار الهش مشوبًا بالمناوشات والقيود، لكن عودة الحرب بشكلها الشامل والمفتوح أصبحت “المستحيل الرابع”، إذ يسعى الجميع إلى إبقاء الملف معلقًا بانتظار لحظة الحسم الكبرى.
ويبقى السؤال المعلق فوق سحب الدخان في المنطقة: هل تنجح “دبلوماسية حافة الهاوية” في لجم الانفجار الكبير، أم أن التفاوض الحالي ليس سوى استراحة محارب قصيرة لالتقاط الأنفاس قبل جولة “المستحيل الرابع”؟