في مشهد لبناني يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، تتداخل الملفات الأمنية مع الضغوط السياسية والاقتصادية في صيغة تجعل من الأزمة الحالية حالة متعددة الأبعاد يصعب فصل عناصرها عن بعضها البعض.
فبين نقاش داخلي حول مستقبل سلاح حزب الله ودور الدولة في احتواء التوازنات العسكرية، وضغوط خارجية ترتبط بالمساعدات الدولية وشروطها السياسية، يجد لبنان نفسه أمام شبكة من التأثيرات المتشابكة التي تعيد رسم ملامح قراره السيادي.
إسرائيل vs حزب الله
بين إصرار إسرائيل على نزع سلاح حزب الله والرفض التام من جانب الحزب، تجد لبنان نفسها عالقة في صراع شديد، إذ تسعى إسرائيل إلى تغيير الواقع الأمني بالقوة العسكرية، وهو ما سيُقابل بمواجهة مباشرة من قبل حزب الله، بما يعرّض المنطقة لمعادلة صفرية.
“إن الجيش اللبناني محدود القدرات العسكرية، ولذلك لا يمتلك القدرة على نزع سلاح حزب الله عسكريًا، وهو أمر معلوم للجميع، هكذا قال اللواء سمير فرج، الخبير الاستراتيجي، في حديثه لـ “القصة”.
ويضيف أن لبنان تحاول إيجاد أي وسيلة أخرى بعيدًا عن استخدام الجيش، نظرًا لعدم تكامل قدراته العسكرية وعدم قدرته على تنفيذ هذا الخيار”.
ويشير فرج إلى مخاطر اندلاع صدام داخلي، مؤكدًا أن لبنان عانت من الحرب الأهلية خلال فترات سابقة، وما خلّفته من أزمات سياسية واقتصادية وعسكرية، فضلًا عن تغيّرات ديموغرافية دفعت أعدادًا كبيرة إلى الهجرة.
ويوضح أن لبنان قد تلجأ إلى دور الولايات المتحدة الأمريكية، في ظل الاتفاقيات التي تُجرى حاليًا بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية، مشيرًا إلى أن الاتحاد الأوروبي، وخاصة فرنسا، يدعم لبنان بشكل كبير، وهو ما قد يساعدها على تجاوز الأزمة ومحاولة احتواء حزب الله.
ويضيف أن إنشاء إسرائيل حزامًا أمنيًا داخل جنوب الليطاني يُعد أمرًا خاطئًا، لأنه بمثابة احتلال لجزء من دولة ذات سيادة. وأوضح أنه في حال تم التوصل إلى صيغة يتم بموجبها إدماج حزب الله ضمن الجيش اللبناني، بحيث لا يبقى قوة عسكرية مستقلة، فقد يكون من الممكن حينها نزع سلاحه. أما وجود إسرائيل في منطقة عازلة داخل جنوب لبنان، فهو أمر غير مقبول لا داخليًا ولا عربيًا ولا دوليًا.
ويؤكد أن الضمانات الدولية التي قد تقبل بها إسرائيل تتضمن إضعاف الجيش اللبناني، إلى جانب تشديد الحصار على حزب الله، وكذلك على إيران لمنعها من دعمه، وبذلك يتم نزع سلاح الحزب عبر ضغوط متعددة وليس من خلال الجيش اللبناني وحده.
حزب الله كمؤسسة عسكرية
يقول الدكتور محمد صادق إسماعيل، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، إن حزب الله يُعد مؤسسة عسكرية، ويُصنّف ضمن الفاعلين من غير الدول، موضحًا أن الحزب، منذ تأسيسه عام 1982، سعى إلى تقديم نفسه كجبهة مقاومة أو إسناد، لكنه في الواقع مارس أدوارًا سياسية وعسكرية في آنٍ واحد، إذ يُعد أيضًا جزءًا من النخبة السياسية اللبنانية.
ويشير في تصريحات خاصة لـ”لقصة”، إلى أن حزب الله يمتلك مقاعد في البرلمان اللبناني، وهو ما يخلق تداخلًا بين العملين السياسي والعسكري. وأضاف أن المسألة تتعلق بمدى قدرة الحزب على الاستمرار في دوره العسكري أو التحول الكامل إلى العمل السياسي.
ويؤكد أن إسرائيل وجّهت ضربات متعددة إلى حزب الله، ورغم ذلك لا يزال قائمًا، ما يطرح تساؤلات حول قدرته على الصمود في حال تجدد المواجهات. كما أشار إلى إشكالية دمج الحزب في الجيش اللبناني، موضحًا أن هذا المسار يظل معقدًا، في ظل التباين بين الطرح الإسرائيلي الداعي إلى نزع السلاح، والرؤية اللبنانية التي قد تميل إلى دمج السلاح ضمن مؤسسات الدولة.
وأوضح كذلك أن الحديث عن صدام مباشر بين الجيش اللبناني وحزب الله غير واقعي، لأننا نتحدث عن جيش نظامي وتنظيم غير نظامي ينتمي أفراده في الأساس إلى المجتمع اللبناني، رغم انتماءاتهم الأيديولوجية المختلفة. وأكد أن الحل يكمن في دمج الحزب داخل الدولة أو عودته لممارسة دوره السياسي بعيدًا عن العمل العسكري.
وأضاف أن رفض نزع سلاح حزب الله يُعد أمرًا واقعيًا، إذ لن يتم ذلك بسهولة أو طواعية. وطرح سيناريوهين: الأول يتمثل في استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، ما قد يؤدي إلى حرب طويلة الأمد وحرب استنزاف، مشيرًا إلى أن إسرائيل لا تفضّل هذا الخيار، رغم قدرتها على توجيه ضربات، في ظل قدرة حزب الله على إلحاق خسائر بها.
القضاء على حزب الله
ويشير إلى أن الهدف الاستراتيجي لإسرائيل يتمثل في إنهاء وجود حزب الله، عبر مسارين: الأول نزع سلاحه، والثاني إنشاء منطقة عازلة في جنوب الليطاني، على غرار ما حدث في قطاع غزة. ولفت إلى أن هذا السيناريو يفاقم الأزمة الإنسانية، إذ إن تلك المناطق مأهولة بالسكان، وقد نزح كثير منهم إلى الشمال والعاصمة بيروت، ما يزيد من الأعباء الاقتصادية، خاصة في ظل تداعيات انفجار مرفأ بيروت.
ويؤكد أنه لا يمكن الجزم بمصير هذا الملف، سواء سيظل مفتوحًا أو يُغلق، مشيرًا إلى أن العديد من الصراعات الدولية لم تكن متوقعة واستمرت لسنوات. واعتبر أن أفضل السيناريوهات يتمثل في بقاء الوضع على ما هو عليه، مع توجيه إسرائيل ضربات محدودة من حين لآخر لإضعاف الحزب، أو تحقيق هدوء نسبي عبر اتفاق محتمل بين إيران والولايات المتحدة، ينعكس على تهدئة دور حزب الله.
السيناريو الأكثر سوءًا
“السيناريو الأسوأ يتمثل في فشل التوصل إلى اتفاق، ما قد يدفع الولايات المتحدة إلى تنفيذ عمليات عسكرية ضد إيران، ويقابله تصعيد من حزب الله ضد إسرائيل، التي قد ترد باستهداف واسع داخل الأراضي اللبنانية، بما يهدد استقرار الدولة بالكامل”، هكذا اختتم صادق حديثه مع “القصة”.
هل يبيع لبنان “سلاح المقاومة” لترميم رصيف بيروت؟
لم يعد الدعم الأمريكي للجيش اللبناني مجرد تعاون أمني، بل تحول إلى “مقايضة سياسية” كبرى تضع الدولة اللبنانية أمام خيارين أحلاهما مر: الانصياع لشروط نزع السلاح والتطبيع، أو مواجهة الانهيار الشامل بلا ظهير دولي.
وفي بداية حديثه لـ “القصة” يستشهد المحلل السياسي حامد جبر بالمأثور الشعبي القائل: “الدين همٌّ بالليل ومذلةٌ بالنهار”، ويرى أن هذا المبدأ ينطبق بحذافيره على مديونية الدول، حيث تستخدم القوى المسيطرة على الجهات المانحة، سواء البنك الدولي أو صندوق النقد، هذه الديون كأداة لتحقيق مآرب سياسية.
ويوضح جبر أن الدول المدينة تفقد الكثير من إرادتها و قرارها، مستذكرًا واقعة رفض البنك الدولي تمويل “السد العالي” في مصر قديماً لرفض الشروط الغربية، ورغم أن جبر يرى أن “فقدان السيادة” تعبير قاسٍ وصعب، إلا أنه يؤكد أن الدول المتعثرة تدخل في حالة من “الإذعان” لوجهة النظر التي تخالف مصلحتها الوطنية أحيانًا، بشرط وحيد لكسر هذه الدائرة: “أن تتوافر الإرادة على مواجهة الضغوط”.
الجيش مقابل الميليشيا
ويرى محمد حامد، مدير منتدى شرق المتوسط للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن قضية ربط دعم الجيش اللبناني بنزع سلاح حزب الله هي “قضية قديمة حديثة”، ويؤكد حامد لـ “القصة” أن أي أموال تخصص لتسليح الجيش كانت وما زالت “معلقة” بمدى قدرة الدولة على تقوية المؤسسة العسكرية على حساب الميليشيات.
ويشير حامد إلى أن ما يشهده لبنان اليوم من ضغوط ليس جديداً، مذكراً بالمنحة السعودية 3 مليارات دولار، التي علقت لنفس الأسباب، ويذهب حامد إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن الطموح الأمريكي لا يتوقف عند الإصلاح العسكري، بل يمتد لجر لبنان نحو “تطبيع كامل” مع إسرائيل، على غرار “اتفاقات أبراهام”، أو إحياء لاتفاق مايو 1986 الذي سقط في عهد أمين الجميل.
انتخاب جوزيف عون وثمن الاستقرار
ويلفت مدير منتدى شرق المتوسط النظر إلى أن المناخ السياسي الحالي، بما فيه انتخاب العماد جوزيف عون رئيسًا للجمهورية، جاء نتيجة حالة من “إضعاف حزب الله” ومباركة غربية، بعد أن كان الحزب هو العائق أمام هذا الاستحقاق ومع ذلك، يضع حامد “جرعة واقعية” محذرًا من أن تسليح الجيش اللبناني قد لا يحدث في المدى القريب، لأن الأولوية الدولية الآن هي لـ “التطبيع وإعادة الإعمار”، وليس لبناء جيش قوي قد يغير موازين القوى.
تطبيع 1986 vs اتفاقات أبراهام.. هل يتكرر التاريخ؟
ثمة مفارقة تاريخية يرصدها المحللين في هذا التقرير، ففي عام 1986 كانت مصر هي الوحيدة التي تقيم علاقات مع إسرائيل، وفشل اتفاق التطبيع مع لبنان حينها أما الآن، فإن واشنطن تعيد الكرة في ظل “زخم تطبيعي” مختلف تماماً اتفاقات أبراهام، مما يجعل أدوات الضغط الحالية أكثر فتكاً، لكونها ترتبط مباشرة بلقمة عيش اللبنانيين وإعادة بناء مدنهم المدمرة.