تشير بيانات وزارة المالية المصرية، بعد تحليلها، إلى أن مخصصات خدمة الدين في مشروع الموازنة الجديدة تبلغ نحو 3.43 تريليون جنيه، بما يعادل نحو 130% من إجمالي الإيرادات العامة للدولة. فماذا تعني هذه الأرقام، وكيف تؤثر على هيكل الموازنة؟
بدأت الحكاية بعد تدوال البيان المالي الصادر عن وزارة المالية المصرية، إذ أشار إلى أن إجمالي الإيرادات العامة للدولة تقدم بنحو 2.62 تريليون جنيه، في المقابل، تلتهم فاتورة “خدمة الدين” وحدها كامل هذه الإيرادات تقريبا، بعد أن بلغت المخصصات الرسمية الموجهة لسداد الفوائد فقط 1.83 تريليون جنيه، يضاف إليها التزامات سداد أقساط القروض المحلية والأجنبية المستحقة خلال نفس العام بقيمة 1.60 تريليون جنيه.
وبجمع هذين البندين، يتبين أن إجمالي أعباء خدمة الديون المباشرة للجهاز الإداري يبلغ 3.43 تريليون جنيه، وهو ما يمثل 130% من دخل الدولة السيادي قبل حساب أي مصروفات حتمية أخرى كالأجور والتعليم والصحة والدعم، الأمر الذي أثار ساؤلات حول هل يعد ذلك مؤشرا على تراجع مرونة المالية العامة؟ أم أننا أمام أزمة هيكلة في الاقتصاد المصري؟
هل يعد ذلك مؤشرا على تراجع مرونة المالية العامة؟
في الموازنة الجديدة، تستحوذ المخصصات الموجهة إلى سداد أقساط وفوائد الديون المحلية والأجنبية وحدها على 63.9% من النفقات الإجمالية المخططة للسنة المالية القادم بقيمة 5.2 تريليون جنيه، وبالتالي تقل المساحة المتاحة للإنفاق على كل شيء يمس حياة المواطنين ويساعد على تطوير الاقتصاد.
إذ لا يتبقى سوى نحو 36.1% فقط من إجمالي المخصصات لتمويل الأجور والدعم والإنفاق على التعليم والصحة والاستثمارات وشراء السلع، هكذا بدأت مي قابيل، الباحثة بوحدة العدالة الاقتصادية والاجتماعية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، حديثها لـ”القصة”.
وتضيف أنه لا توجد مرونة مالية، مع وجود ضيق في الحيز المالي ناتج عن السياسات المالية المتبعة، وارتبطت هذه الزيادة في مخصصات سداد الديون بعدة عوامل، على رأسها التوسع الكبير في الاقتراض الخارجي، ولعب تخفيض سعر صرف العملة المتكرر في الأعوام الماضية دورًا في تزايد عبء الديون الخارجية، لكن سعر الفائدة البنكية كان له الدور الأكبر في ارتفاع تكلفة فوائد الديون بشكل خاص، ﻷن الجزء الأكبر منها فوائد للديون المحلية.
وتؤكد قابيل على أنه يوجه الجزء الأكبر من الديون الجديدة التي تخطط الدولة لاقتراضها في السنة المالية المقبلة إلى سداد أقساط القروض المحلية والأجنبية السابقة، بنسبة 68%، وبالتالي هي حلقة مفرغة وآخذة في الاتساع، وطبعا جزء من هذه المشكلة هو التوسع على مدى السنوات الماضية في الاقتراض قصير الأجل، ويساعد تبني نظام ضريبي أكثر عدالة وكفاءة على تحسين موارد الدولة بشكل يقلل من الحاجة للاستدانة، ويخفف العبء في نفس الوقت على قطاعات واسعة من المواطنين، فمن المفترض أن تكون الضرائب المصدر الرئيسي للتمويل في موازنة الدولة.
وتشير إلى أن يظهر من وثيقة الموازنة، لا تجمع الدولة الضرائب الكافية والمناسبة من الشركات والأفراد الذين يحققون مكاسب وأرباحًا تقتضي دفع الضرائب نظير استفادتهم بالموارد وتحقيقًا لمقتضيات العدالة، ولا من أصحاب الثروة العقارية التي صارت أكبر مخزن للقيمة في مصر، بينما تلجأ الحكومة إلى التوسع في جمع الضرائب من جيوب الأفراد الذين لا يحققون الأرباح (ضرائب على المرتبات وقيمة مضافة)، العمل على إخراج موازنة الدولة من أسر الديون، ضرورةً ملحة لإنقاذ الاقتصاد وضمان حقوق المواطنين، من خلال خطة واضحة لتقليص الاعتماد على الاقتراض موردًا أساسيًا لتمويل الدولة، مما يتطلب منها توجهًا جادًا لتشجيع القطاعات الإنتاجية والخدمية المولدة للدخل والقيمة المضافة.
وتختتم حديثها بالتأكيد على أن وضع قيود فعلية للاقتراض كوسيلة لتمويل مشروعات لا تساهم في توليد الدخل ولا في تقليص النفقات المستقبلية ولا في تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان كتطوير التعليم والصحة وتوفير المسكن وفرص العمل اللائق، كما أن هناك ضرورة لوضع حد لنمو فوائد الديون التي صارت تلتهم كل زيادة في الموارد، ويقتضى ذلك مراجعة سياسة رفع سعر الفائدة كوسيلة أساسية لكبح التضخم، ﻷنها أثبتت، عبر السنوات الماضية، محدودية أثرها في كبح التضخم مقابل أثرها الفادح على تكلفة الديون الحكومية.
هل هذا أزمة هيكلة في السياسات الاقتصادية المصرية؟
ومن جانبه يقول الدكتور إلهامي الميرغني، الخبير الاقتصادي، في حديثه مع”القصة”، إن مشروع موازنة مصر 2026/2027 تضمنت 4054.8 مليار جنيه إيرادات عامة و5227.7 مليار جنيه أقساط وفوائد قروض وبما يعني اننا نعيش ازمة تمويل كبري بل والأخطر من ذلك ان مشروع الموازنة يتحدث عن 4010.5 مليار جنيه قروض جديدة، وهي كارثة تعكس الوقوع في فخ الديون والمزيد من الديون لسداد الفوائد والاقساط.
ويؤكد أن هذه المؤشرات تعكس أزمة هيكلية نتيجة الإفراط في القروض وغياب الرقابة البرلمانية والشعبية والاقتراض لتمويل مشروعات لن تحقق إيرادات وعوائد قصيرة الأجل، ولذلك تلجأ الحكومة للحصول علي قروض جديدة بشروط اكثر اجحافا لتمويل سداد الفوائد الأقساط، وبذلك ندور في دوامة الديون ولا نستطيع الخروج منها ونتوقف عن الاستثمار الإنتاجي وتمويل التعليم والصحة لأن كل الموارد موجه للديون.
ويشير إلى أن الخديوي إسماعيل مات ومصر استمرت اكثر من 50 سنة تسدد القروض اللي حصل عليها، ولذلك الكارثة لا تخص الجيل الحالي فقط، ولكنها تمتد للأجيال القادمة وتعرقل تمويل التنمية التي تحتاجها مصر لأن القروض الجديدة تذهب لسداد الفوائد والاقساط.
ويوضح أن الإصلاحات الهيكلية الأكثر إلحاحًا التي ينبغي للحكومة البدء فيها لتقليل عبء الدين، هي: الا يتم اللجوء للقروض إلا بشروط مشددة يتفق عليها وتخضع كل القروض لرقابة البرلمان والبنك المركزي والجهاز المركزي للمحاسبات، بحيث لا نقترض إلا لضرورة ملحة، مؤكدا ضرورة تنفيذ إصلاح ضريبي يوفر موارد حقيقية ويعزز معدلات الادخار المحلي، على أن يعتمد على تعديل ضرائب الدخل وفرض ضرائب على الثروة، بدلًا من زيادة الأعباء على الفقراء ومحدودي الدخل عبر الضرائب غير المباشرة.
ويختتم الميرغني حديثه بالتأكيد على أن حاليا الانفاق علي فوائد وأقساط الديون يستنزف 65% من موارد الموازنة العامة ولا يتبقي لكل أوجه الانفاق الأخرى سوي 35% فقط من الموارد، وهو ما يؤدي لتقليص الإنفاق على التعليم والصحة وانسحاب الدولة والمزيد من سيطرة القطاع الخاص وتسليع الخدمات التعليمية والصحية، بحيث لا يحصل عليها إلا من يملك ثمنها.
ما العوامل التي أدت إلى تضخم بند خدمة الدين؟
ومن وجهة نظر اقتصادية أخري، تقول الدكتورة حنان رمسيس، الخبيرة الاقتصادية ومحللة الأسواق المالية، إن الدولة في الفترة الحالية مهتمة جدًا بالاقتراض لتمويل مشروعات التي تراها ضرورية، رغم اختلاف وجهة نظرها بشأن أولويات هذه المشروعات، مشيرة إلى أن فوائد وأقساط وخدمة الدين تستحوذ على معظم إيرادات الموازنة العامة للدولة.
وتضيف في حديثها لـ”القصة”، أن الدولة تسعى لزيادة الإيرادات عبر الضرائب والرسوم، لكنها تظل غير كافية بسبب ارتفاع وتيرة الاقتراض وأسعار الفائدة، ما يفاقم عجز الموازنة. وتوضح أن الفائض الأولي لا يشمل أقساط القروض وفوائدها، وعند احتسابها يتضح استمرار العجز عامًا بعد عام.
وتشير الخبيرة الاقتصادية إلى أن هذا يعتبر تكتلا وتكوما للعجز، كما أنه يتسبب فيما بعد لعدم قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، وتضطر الدولة للاستمرار في بيع أصولها، ويأتي موضوع القروض وفوائد القروض على حساب مصروفات أخرى في الموازنة، منها الصحة والتعليم والعديد من البنود اللي مهتم بيها المواطن، مؤكدا أنه عندما تتحدث الدولة عن إصلاح اقتصادي أو تطوير أو تنمية أو مشاريع جديدة، يصاب المواطن بالحسرة وخيبة الأمل، مرجعة ذلك أن المواطن “شايف أن كل المشروعات السابقة التي أنشأتها الدولة مردودها الاقتصادي ضئيل للغاية، لا يتكافأ مع المصاريف التي انفقتها عليها وكان يفضل أن تتوجه هذه الإيرادات إلى دعم التعليم الذي أصبح غير مجاني بالمرة، ودعم الصحة ومنظومة الصحة والدواء والعلاج، بسبب الارتفاع المستمر في أسعار الأدوية.”
وتختتم رمسيس تصريحاتها بالتأكيد على أن الدولة ترى أنه من الضروري أن يكون سعر الدواء حرا حتى يستخدم في الاستثمارات الجديدة، ولكن هذا على حساب صحة المواطنين أصحاب الدخل الذي لا يكفي أكلا أو إيجارا أو علاجا، مما يشير إلى أننا في أزمة حقيقية، وتحاول الدولة أن تخرج من هذه الأزمة بتصريحات عن تحسين في حياة المواطن، بينما التحسين الوحيد الذي قد يراه المواطن يكون في توجيه لإيرادات الدولة لخدمته كمواطن، وليس لخدمة الدين وأدوات وأقساط وفوائد الدين.
وبعد تصريحات الباحثة مي قابيل التي أكدت على أن المخصصات الموجهة لخدمة الدين وحدها تعادل 63.9% من النفقات الإجمالية للموازنة العامة للدولة، وحديث دكتور إلهامي الميرغني الذي يدل على وجود أزمة هيكلة في السياسات الاقتصادية المصرية، وتصريحات دكتورة حنان رمسيس التي تلفت إلى أن المواطن أصبح يصاب بالزعل عند سماع كلمة إصلاح اقتصادي من قِبل الحكومة، فهل نري حلولا من قبل الحكومة بسياسات اقتصادية أخرى غير الدين؟