تحظى الطروحات العامة الأولية (IPO) الأكثر ترقباً باهتمام إعلامي واسع، لكنها غالباً ما تكون استثمارات سيئة لمن يشتري الأسهم بمجرد بدء التداول.
تُعد شركة “سبيس إكس” (SpaceX) مثالاً راهناً على ذلك؛ إذ حُدّد سعر طرحها العام في يونيو 2026 عند 135 دولاراً، وسرعان ما قفزت الأسهم لتتجاوز 200 دولار، لكنها تراجعت لتتداول بأقل من سعر الطرح في غضون أقل من شهرين. وبالمثل، طُرحت أسهم شركة “فيرمي أمريكا” (Fermi America) -المتخصصة في تطوير مراكز البيانات- بسعر 21 دولاراً في أكتوبر 2025، وشهدت قفزة تجاوزت 50% في يومها الأول، إلا أنها بحلول يوليو 2026 كانت تتداول عند مستوى يقارب 6 دولارات، رغم كل الضجة المثارة حول قطاع مراكز البيانات.
هذا النمط متكرر وشائع؛ فقد طُرحت شركة “ريفيان” (Rivian) للاكتتاب العام بسعر 78 دولاراً في عام 2021، وتتداول اليوم عند 15.75 دولاراً، أي بانخفاض نسبته 80% عن سعر الطرح. كما حُدّد سعر سهم “ليفت” (Lyft) عند 72 دولاراً في عام 2019، وافتتح التداول بأكثر من 87 دولاراً، لكنه يتداول الآن عند 15 دولاراً للسهم، أي بأقل من سعر الطرح المسجل قبل سبع سنوات بنسبة تتجاوز 79%.
لماذا يحدث هذا؟
تخلق الضجة الإعلامية طلباً هائلاً في ظل توفر عدد محدود نسبياً من الأسهم للتداول العام في البداية. ومع تلاشي الحماس، وظهور نتائج الأرباح، وانقضاء فترات حظر بيع الأسهم للمطلعين (lock-up periods)، غالباً ما تعود التقييمات إلى مستوياتها الواقعية.
ومع ذلك، لا تنتهي جميع الطروحات العامة بخيبة أمل؛ فقد شهد سهم “روبن هود” (Robinhood) هبوطاً حاداً بعد طرحه عام 2021، لكنه تعافى لاحقاً ووصل في النهاية إلى مستويات قياسية. والنقطة المهمة هنا هي أن المستثمرين لم يكونوا مضطرين للشراء وقت الطرح العام للمشاركة في ذلك النجاح.
بالنسبة لمعظم المستثمرين الأفراد، لا يوجد مبرر قوي للاندفاع نحو اكتتاب عام تحيط به ضجة إعلامية كبيرة؛ فالانتظار لمدة ستة أشهر أو عام أو حتى أكثر يتيح للسوق تحديد تقييم أكثر واقعية، ويمنح المستثمرين نتائج تشغيلية فعلية يمكنهم تقييمها.
غالباً ما يكون المستفيدون الأكبر من الطرح العام هم المؤسسون والموظفون وغيرهم من المستثمرين الأوائل الذين اشتروا الأسهم قبل سنوات بتقييمات أقل بكثير؛ فبالنسبة لهم، يمثل الطرح العام لحظة جني الثمار. أما بالنسبة للمستثمر العادي، فإن الشراء بسعر الطرح العام يُعد قراراً سيئاً.
طارق الرفاعي
خبير الاقتصاد الدولي والأسواق العالمية