أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

أماني القصاص

لا حصانة لمتحرش

أماني القصاص

نحن لا نخاف من الغرباء بقدر ما نخاف من أولئك الذين وثقنا فيهم؛ من الذين ظننا أن المعرفة جعلتهم أرقى، وأن الكلمة نقّتهم من الغرائز، وأن الثقافة منحتهم ضميرًا لا يُساوَم.

لكن الحقيقة المؤلمة أن بعضهم لا يكتب لينقذ الإنسان، بل ليُحسن التخفّي، ليس أكثر، ليس أكثر قسوة من أن تخاف في المكان الذي ذهبت إليه بحثًا عن صوتك، أن تدخل قاعة ندوة أو ورشة كتابة محمّلًا بحلم صغير، فتخرج منها محمّلًا بشكٍّ كبير في نفسك وفي العالم.

في الأسابيع الماضية، أعاد القبض على أحد الأسماء التي تحتمي بالمشهد الثقافي فتح جرحٍ قديمٍ تجاهلناه طويلًا.

أخبار ذات صلة

بدر الدين عطية
من ترامب لعبد الناصر.. "طخه بس متعوروش يا أبوي"
هبة ياسين
نقابة الصحفيين تكرّم هبة ياسين كـ"الصحفية المثالية لعام 2026"
مجتبى خامنئي
مجتبى خامنئي: طهران ستفرض واقعًا جديدًا في منطقة الخليج ومضيق هرمز

قضية محمد طاهر لم تكن مجرد واقعة عابرة، بل مرآة حادة لنموذج يتكرر في صمت: رجل يملك الكلمة والنافذة والعلاقات، وامرأة تملك حلمًا صغيرًا يكفي لأن يجعلها عرضة لاختلالٍ قاسٍ في موازين القوة.

هنا لا يكون السقوط فرديًا، بل سقوطًا في صورة كاملة رسمناها للمثقف باعتباره حارسًا للوعي، فإذا بها تتشقق من الداخل.

في المخيلة العامة، يبدو المثقف كائنًا محصّنًا بالأخلاق، صوتًا يواجه القبح لا يصافحه، لذلك، حين تتكشف وقائع تحرش أو استغلال داخل هذا الوسط، لا تهتز الثقة فقط، بل ينهار جزء من يقيننا بأن المعرفة تهذّب أصحابها.

خلال السنوات الأخيرة، خرجت شهادات نسائية متفرقة من قلب المشهد الثقافي في مصر، عبر منصات رقمية ومساحات إعلامية، تكشف عن تجاوزات حدثت في أماكن يُفترض أنها آمنة: ندوات أدبية، ورش كتابة، مؤسسات إعلامية، ودوائر عمل فني.

ورغم غياب إحصاءات دقيقة تخص هذا الوسط تحديدًا، فإن الصورة العامة أكثر إيلامًا حين نعرف أن نحو تسعة وتسعين في المئة من النساء في مصر تعرضن لشكل من أشكال التحرش في الفضاء العام، وفق تقديرات هيئة الأمم المتحدة للمرأة.

وحين نعرف أن بيئات العمل الإبداعية عالميًا تُعد من أكثر البيئات هشاشة أمام الانتهاكات، بسبب غياب الهياكل التنظيمية الصارمة واعتماد الفرص على شبكات العلاقات الشخصية، ندرك أن ما يحدث ليس استثناءً، بل نتيجة.

يمتلك المثقف سلطة لا تُرى، لكنها نافذة: سلطة الاعتراف.

يستطيع أن يفتح باب نشر، أو يمنح شرعية أدبية، أو يرشّح لفرصة أو جائزة، أو يكتب كلمة تقدير تغيّر مسار شابة في بداياتها.

وحين تتحول هذه السلطة إلى وسيلة ضغط أو ابتزاز عاطفي أو مهني، تصبح المعرفة أداة هيمنة لا طريقًا للتحرر.

يتسلل الانتهاك هنا ناعمًا، يبدأ بإطراء مبالغ فيه، برسالة متأخرة، بطلب لقاء خاص لمناقشة مشروع، ثم ينحرف ببطء نحو منطقة رمادية يصعب تسميتها، بينما تبقى الضحية معلّقة بين الشك والخوف من خسارة الفرصة.

في هذا النوع من العلاقات، لا يكون التحرش صاخبًا ولا مباشرًا، بل متخفيًا خلف لغة رقيقة تحمل في داخلها اختلالًا فادحًا في القوة.

قد لا تكون هناك جريمة واضحة يمكن إثباتها بسهولة، لكن هناك مناخًا كاملًا من الضغط النفسي يجعل الفتاة تشعر أن عليها أن تساوم على حدودها كي تبقى في المشهد.

وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية: لا في لحظة الانتهاك، بل فيما بعدها، في تآكل الثقة، وفي إعادة تشكيل العلاقة بين المرأة وحلمها على أساس الخوف.

الصمت في هذه الحالات ليس ضعفًا، بل حسابًا دقيقًا للخسائر.

المجال الثقافي، رغم اتساعه الظاهري، تحكمه دوائر ضيقة، وكلمة واحدة قد تغلق أبوابًا كثيرة.

الخوف من التشويه، من اتهامات المبالغة، من فقدان الفرص، يحوّل المواجهة إلى قرار مكلف.

وفي كثير من الأحيان، تتحول الضحية إلى متهمة تُسأل عن نواياها وطموحها وسلوكها، بينما يحتمي المتحرش بتاريخه ومكانته.

تشير تقارير دولية إلى أن أكثر من خمسة وثلاثين في المئة من النساء عالميًا تعرضن لشكل من أشكال التحرش في بيئات العمل، بينما يظل الإبلاغ الرسمي منخفضًا بسبب الخوف من الانتقام أو فقدان الوظيفة.

وفي البيئات الثقافية، حيث العلاقات غير الرسمية، تصبح الشكوى أكثر صعوبة، ويصبح الصمت أكثر شيوعًا.

ليست الأزمة في الثقافة ذاتها، بل في إساءة استخدام المكانة داخلها.

 

فالمشهد الثقافي المصري لا يخلو من نماذج مضيئة تحترم الإنسان وتصون حدوده، لكن التستر على الانتهاكات بحجة الحفاظ على القيمة الثقافية يضر بالجميع، ويحوّل الاستثناء إلى قاعدة صامتة.

الأمر لم يعد يحتمل مزيدًا من الصمت أو التأجيل.

نحن بحاجة إلى آليات واضحة وحاسمة لمحاسبة كل متحرش، في كل مكان، دون استثناء.

قوانين تُفعَّل لا تُجمَّل، ولوائح داخل المؤسسات لا تكتفي بالشعارات، بل تفرض إجراءات حقيقية.

قنوات شكوى آمنة ومستقلة تحمي الضحايا لا تفضحهم، ودعم قانوني ونفسي يضمن ألا تتحول الشكوى إلى عقاب إضافي.

يجب أن يعلم كل من يملك سلطة، أيًا كان موقعه، أنه ليس فوق المحاسبة، وأن مكانته لن تكون درعًا يحميه، بل مسؤولية تضاعف مساءلته.

فكرامة النساء وأمانهن ليست قضية هامشية، بل مقياس حقيقي لعدالة أي مجتمع.

وحين تصبح المحاسبة يقينًا لا احتمالًا، سيتراجع كل من اعتاد الاختباء خلف الصمت أو النفوذ.

تتغذى هذه الظاهرة على عوامل متشابكة: اختلال موازين القوة بين الأجيال، غياب لوائح واضحة في بعض الفعاليات، تقديس المكانة الرمزية، والخلط بين التحرر الفكري والانفلات الأخلاقي.

وكأن الجرأة في التفكير تمنح صاحبها حق تجاوز الحدود الإنسانية، وهو وهم خطير يدفع ثمنه الأضعف دائمًا.

عالميًا، دفعت حركات نسوية مثل “مي تو” مؤسسات ثقافية وإعلامية كبرى إلى تبني مدونات سلوك واضحة وآليات شكاوى مستقلة.

أما محليًا، فالحاجة ملحّة لبناء بيئة ثقافية آمنة: لوائح معلنة، قنوات شكوى آمنة، دعم نفسي وقانوني للضحايا، وتعزيز ثقافة الحدود المهنية والاحترام المتبادل.

فالثقافة التي لا تحمي الإنسان تفقد معناها.

المثقف الحقيقي ليس من يكتب نصوصًا جميلة، بل من ينسجم سلوكه مع القيم التي يدافع عنها.

فالثقافة ليست خطابًا يُلقى، بل ممارسة تُعاش.

وحين يتناقض النص مع السلوك، يصبح الإبداع قناعًا لغويًا يخفي خللًا أخلاقيًا عميقًا.

إن أخطر ما في هذه الوقائع ليس الانتهاك ذاته، بل ما يليه: الصمت، التبرير، وإعادة إنتاج السلطة نفسها التي سمحت به.

حين يُطلب من الضحية الصمت حفاظًا على “تاريخ كبير”، تصبح الرسالة واضحة: القيمة أهم من الإنسان.

لكن الحقيقة أبسط وأقسى: لا قيمة لأي تاريخ يُبنى فوق كرامة منتهكة.

كم امرأة غادرت المشهد الثقافي بصمت، لا لأنها فشلت، بل لأنها اختارت النجاة بكرامتها؟

كم صوتًا انطفأ قبل أن يصل إلينا، لأن الطريق إلى الضوء كان محفوفًا بالابتزاز؟

حين نعرف الإجابة، سنكتشف أن الخسارة لم تكن فردية، بل كانت خسارة وطن لأصوات كان يمكن أن تنير مستقبله.

أماني القصاص

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

علي أيوب
21 مايو.. النطق بالحكم في قضية سب وزيرة الثقافة
أمير عيد
أمير عيد.. حين تتبخر الإنسانية تحت الأضواء
IMG_20260429_024625
أمريكا vs الصين.. الممرات البحرية في صراع القوى الكبرى
أماني القصاص
لا حصانة لمتحرش

أقرأ أيضًا

الكاتب الصحفي عمرو بدر
عمرو بدر يروي حكايته مع الصحافة: 25 مايو 2005.. اشتباكات وخوف في قلب القاهرة
عصام سلامة
حرب الاستنزاف.. تصدعات أمريكية حادة وطهران في معركة النفس الطويل
إسراء عبد الحافظ
عندما فشلت الاستخبارات.. سيكولوجية الصدمة التي هزت إسرائيل وأمريكا
الصحفيين
بعد شهر من المفاوضات.. اتفاق يحسم أزمة 3 صحفيين مع وكالة الأنباء الإسبانية