لا يقتصر دور الأحزاب والقوى السياسية على خوض الانتخابات، وإنما يفترض أن تكون حاضرة في جميع الملفات والقضايا التي تمس المواطن المصري، ومن بينها الملف الاقتصادي، من خلال مناقشة السياسات العامة وطرح رؤى للتعامل مع المشكلات القائمة.
ومع أهمية الملفات الاقتصادية وتأثيرها المباشر على حياة المواطنين، يأتي سؤال حول حجم الدور الذي تلعبه القوى السياسية في هذا المجال، وما إذا كانت مشاركتها تقتصر على إبداء المواقف وطرح الأفكار، أم تمتد إلى المشاركة في وضع الخطط والسياسات الاقتصادية.
فوجود الأحزاب والقوى السياسية على الساحة لا يعني بالضرورة أن تكون جزءًا من عملية إعداد الخطط الاقتصادية أو أن يكون لرؤاها تأثير مباشر في القرارات المتعلقة بها. فلماذا لا تشارك القوى السياسية في الخطط الاقتصادية؟ وهل ترتبط محدودية مشاركتها بطبيعة العمل الحزبي، أم بطريقة إعداد وصنع القرار الاقتصادي؟
يقول السياسي والكاتب، هلال عبدالحميد، إن القوى السياسية لديها برامج تشمل مختلف مناحي الحياة في مصر. وإن الحركة المدنية الديمقراطية لديها كتاب بعنوان “أفق الخروج”، وهو برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي شامل.
ويضيف عبد الحميد، في تصريحات خاصة، أن الكتاب يمثل خطة سياسية واقتصادية واجتماعية شاملة وكافية لإخراج مصر من أزمتها الحالية. موضحًا أنه يأتي نتاجًا لما يقدمه خبراء الحركة المدنية الديمقراطية المصرية خلال مشاركتهم في الحوار الوطني بمحاوره الثلاثة. مشيرا إلى أن النظام وحكومته يدعوان الأحزاب فقط كمظهر، دون أن يكون للأمر تأثير فعلي على أرض الواقع.
غياب الأحزاب وطبيعة صنع القرار
وفي نفس السياق، يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي، سعيد صادق، إن ضعف المشاركة السياسية في الخطط الاقتصادية لا يرتبط بغياب الأحزاب، وإنما بطبيعة صنع القرار الاقتصادي، موضحًا أن التخطيط الاقتصادي في مصر ظل تاريخيًا مركزيًا بدرجة كبيرة خلال معظم العهود الجمهورية، مع اختلاف درجة الانفتاح على الأحزاب وجماعات المصالح من فترة إلى أخرى.
ويشير صادق لـ”القصة” إلى أن القرار الاقتصادي يتركز بدرجة كبيرة في الرئاسة والمؤسسات المرتبطة بها. إلى جانب الهيئات ذات الوضع القانوني الخاص، مثل الصناديق والهيئات الاقتصادية والكيانات العسكرية أو شبه العسكرية، فضلًا عن المؤسسات الدولية والإقليمية، مثل صندوق النقد الدولي.
ويضيف أن الوزارات والبرلمان غالبًا ما ينفذان أكثر مما يصوغان أو ينتقدان السياسات الاقتصادية. وهو ما يصفه باحثون بأنه تحول من “رأسمالية الدولة” السابقة إلى نموذج أكثر مركزية بعد عام 2013.
ويلفت صادق إلى أن الأحزاب تعاني ضعفًا تنظيميًا وسياسيًا. موضحًا أنه بعد حل الحزب الوطني لم يُبنَ حزب حاكم قوي يربط النخب الاقتصادية والاجتماعية بالسلطة، كما كان الحال في أواخر عهد مبارك.
ويوضح أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن معظم الأحزاب إما موالية أو مقيدة، ويقتصر دورها بدرجة أكبر على الدعم أو التعليق بدلًا من صياغة السياسات. مشيرًا إلى أن المبادرات الرسمية، مثل “الحوار الوطني” أو مشاورات “السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية” في 2025، شملت أحزابًا وبرلمانيين. لكن المعارضة المستقلة والجماعات النقدية تعتبرها محدودة التأثير وغير شاملة.
ويضيف صادق إلى أن البرلمان لا يملك أدوات رقابة فعلية قوية على الموازنات الموازية والهيئات المستقلة والإنفاق خارج الموازنة. وهي جوانب تمثل جزءًا كبيرًا من النشاط الاقتصادي. كما يرى أن قانون الانتخابات والقوائم يحدان من تمثيل معارضة مستقلة قادرة على فرض أجندة بديلة.
ويرى صادق، أن السياسات الاقتصادية الكبرى ترتبط ببرامج صندوق النقد والمشروعات الكبرى والأولويات الأمنية والاستثمارية للدولة، أكثر من ارتباطها بتنافس برامج حزبية. لافتًا إلى أن القطاع الخاص أصبح أكثر اعتمادًا على العلاقة بالدولة والجيش مقارنة بما كان عليه في أواخر عهد مبارك، وفقًا لتحليلات كارنيغي وغيرها.
وفي المقابل، يوضح صادق أن الرواية الرسمية تختلف عن ذلك. إذ تقول الحكومة إن هناك مشاورات مع القطاع الخاص والأحزاب والخبراء، وإن وثيقة ملكية الدولة والسردية الوطنية فُتحتا للنقاش، إلى جانب إعلان عشرات الأحزاب تشكيل “اتحاد اقتصادي” لدعم الخطط. موضحًا أن ذلك لا يعادل المشاركة في وضع الأولويات أو المحاسبة على النتائج.
المشاركة سابقا كانت أفضل
وعن الفترات السابقة، يقول سعيد صادق إن المشاركة كانت أكبر جزئيًا، لكن ليس بمعنى وجود ديمقراطية في التخطيط، وإنما من خلال قنوات مختلفة داخل نظام سلطوي.
ويشير إلى أنه في عهد جمال عبد الناصر، لم تكن هناك مشاركة حزبية مستقلة. وكان الاتحاد الاشتراكي العربي هو الإطار الوحيد. بينما كان التخطيط اشتراكيًا مركزيًا، وكانت النخبة البيروقراطية والعسكرية هي التي تصوغ السياسات، مع إقصاء المعارضة الحزبية. كما يرى أن عدم المشاركة في هذه الفترة كان جزءًا من طبيعة النظام، وليس مجرد نتيجة لضعف الأحزاب.
ويضيف أنه في عهد أنور السادات، حدث فتح محدود للتعددية من خلال أحزاب قليلة جاءت من أعلى. بينما أدى الانفتاح الاقتصادي إلى ظهور طبقة من رجال الأعمال المرتبطين بالنظام، وليس أحزابًا قوية تصوغ السياسة. موضحا أن القرار ظل رئاسيًا، مع ظهور جماعات مصالح اقتصادية كانت أقرب إلى النظام من أحزاب المعارضة.
ويشير إلى أن فترة حسني مبارك هي الأقرب لما يمكن وصفه بالمشاركة الأكبر. موضحًا أن الحزب الوطني كان آلة سياسية تربط رجال الأعمال بالبرلمان ولجان السياسات. وأن دور رجال الأعمال في صياغة السياسات الاقتصادية والخصخصة أصبح مباشرًا بشكل أكبر. خاصة في العقد الأخير من حكم مبارك، مع حكومة أحمد نظيف ولجنة السياسات برئاسة جمال مبارك.
ويلفت إلى أن جمعيات رجال الأعمال والنقابات كان لها تأثيرا ملموسا في بعض الملفات. وكان تأثيرها أكبر مما هو عليه بعد عام 2013، وفقًا لدراسات عن جماعات المصالح خلال الفترة من 1991 إلى 2021. لكنه يؤكد أن النظام ظل سلطويًا، وأن الأحزاب المعارضة بقيت هامشية، إلى جانب استمرار الفساد والاحتكار.
وعن الفترة التي أعقبت عام 2011 ثم 2013، يقول إن مصر شهدت فترة قصيرة من التعدد الحقيقي، قبل العودة إلى مركزية أشد. مع ظهور دور أوضح للجيش اقتصاديًا وسياسيًا، بينما لم تستعد الأحزاب دورًا مؤسسيًا في التخطيط.
ويختتم صادق تصريحاته، إلى أن الأحزاب لم تكن في أي من العهود الجمهورية تقريبًا شريكًا متكافئًا في وضع الخطط الاقتصادية. موضحًا أن الاختلاف يتمثل في أن أواخر عهد مبارك أتاح لقناة واحدة، هي الحزب الحاكم ورجال الأعمال المقربين منه، تأثيرًا أكبر داخل النظام. بينما أضعف الوضع الحالي هذه القناة الحزبية وركز القرار في مستويات أعلى، مع دور أكبر لمؤسسات غير برلمانية وغير حزبية. مشيرا إلى أن ذلك لا يعني أن مشاركة الأحزاب كانت ديمقراطية في السابق. كما أن غيابها اليوم ليس السبب الوحيد للأزمة الاقتصادية. موضحًا أن كثيرًا من الاقتصاديين يربطون بين ضعف المحاسبة والشفافية وازدواج الموازنات وتوسع النشاط خارج الرقابة البرلمانية، وبين صعوبة تصحيح السياسات، سواء وُجدت أحزاب قوية أم لا.