تترقب الدوائر السياسية والإستراتيجية في المنطقة ما ستؤول إليه الأوضاع الميدانية المتفجرة داخل أثيوبيا، خاصة عقب التطور المفصلي المتمثل في إعلان سبع جماعات مسلحة على رأسها جبهة تحرير تيجراي، وحركة “فانو” الأمهرية، وجيش تحرير أورومو عن تشكيل تحالف عسكري وسياق ميداني مشترك يهدف إلى إسقاط نظام رئيس الوزراء آبي أحمد.
هذا التحول، الذي يأتي رغم ما يكتنفه من خلافات داخلية بين أطرافه، يسلط الضوء مجدداً على مستقبل ملف سد النهضة المائي، ومدى أمانه التشغيلي، وحقيقة المخططات الأثيوبية المعلنة لبناء سدود جديدة، فضلاً عن تحديد الخيار الأكثر تلائمًا مع المصالح المصرية في حال تغير بنية الحكم في أديس أبابا.
وفي هذا التحليل الخاص لـ “القصة”، يقدم عدد من الخبراء والمتخصصين قراءة للسيناريوهات المطروحة وتأثيراتها المباشرة على أمن المنطقة المائي والسياسي.
السد انتهى بناءً وتأثر الكهرباء وارد
أكد الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، لـ “القصة”، أن الأحداث الجارية داخل أثيوبيا ليست جديدة على الداخل الأثيوبي المعتاد على هذه التوترات؛ موضحاً أن سد النهضة كان هو العامل الأساسي الذي جمع الشعب الأثيوبي وجعله يتناسى خلافاته الشديدة بين مجموع القبائل المتعددة.
وأوضح شراقي أن الحكومة الأثيوبية استطاعت في السنوات السابقة توحيد الشعب حولها على أساس وجود قضية قومية متمثلة في سد النهضة وفيها طرف خارجي صوته مصر، لافتاً إلى أنه رغم الحرب الأهلية مع التيجراي التي عادت للواجهة مجدداً، إلا أن السد كان قادراً على تهدئة الأجواء الداخلية في الفترات الماضية.
وأشار أستاذ الموارد المائية إلى أنه في الماضي كانت مثل هذه الأحداث تؤثر بالفعل على بناء سد النهضة؛ حيث كانت الطرق تُقطع ولا تصل مواد البناء كالإسمنت والحديد وغيرهما، وهو ما تسبب في تأخير بناء السد ليأخذ من 2011 حتى 2025 (نحو 15 سنة) بعد أن كان مخططاً أن ينتهي في 2017، وذلك لأسباب عديدة منها عدم الاستقرار الداخلي وعوامل اقتصادية.
وشدد شراقي على أن التوتر الحرج الحالي داخل أثيوبيا لن يؤثر على بناء سد النهضة لأن السد انتهى بالفعل من البناء ولا توجد مواد بناء تنقل إليه الآن، ولكن التأثير المحتمل قد يكمن في تعطيل تشغيل التوربينات وتوزيع الكهرباء؛ حيث إنه في حال حدوث اعتداء على أفراد الكهرباء أو شبكة نقل الكهرباء ستتوقف عملية الإنتاج لأن الكهرباء لن تجد مساراً للتوزيع. أما إذا لم يحدث اعتداء، فالأمور في سد النهضة بعيدة نسبياً لكون موقعه بعيداً عن بؤر الصراع الشديدة وعن أديس أبابا وحدود السودان.
وحول خطط بناء السدود الجديدة، أكد شراقي لـ “القصة” أن بناء السدود يرتبط بمدى حماس القيادة والوضع الاقتصادي، مستبعداً تماماً بناء ثلاثة سدود دفعة واحدة على نهر النيل كما أعلن في الإعلام؛ مؤكداً أن ذلك صعب للغاية فنياً وصعب جداً على الاقتصاد الأثيوبي لكون كل سد يتكلف ما لا يقل عن 3 مليارات دولار، وهو ما لا تستطيع أثيوبيا توفيره وهي الدولة الفقيرة التصنيف عالمياً.
ولفت شراقي إلى أن أثيوبيا متعثرة حالياً في استكمال أحد السدود المقام على نهر “أومو” والذي لا علاقة له بالنيل ويحتاج عشرات الملايين من الدولارات فقط ولا تستطيع توفيرها، فكيف تبني مشاريع بمليارات الدولارات؟ واصفاً تصريحات الوزير الأثيوبي بأنها دغدغة لمشاعر وحماس الشعب الأثيوبي الذي لم يرى أي فائدة حقيقية أو رواية تنموية موعودة من سد النهضة رغم انتهائه و افتتاحه رسمياً العام الماضي، مما يدفع الحكومة للبحث عن وسيلة لإشغال المواطن، سواء بالحديث عن منفذ بحري أو خلق مشكلات وتواصل متوتر مع مصر لتوحيد الشعب خلف الحكومة مجدداً كما حدث أثناء مرحلة البناء.
تغير شامل لسياسات الملاحة والتفاوض مع مصر
من جانبه، أكد الدكتور إبراهيم الفيومي، رئيس مشروع تنمية أفريقيا، لـ”القصة”، أن انضمام قوميات متعددة مثل التيجراي والأورومو وبني شنقول إلى التحالف المناهض لنظام آبي أحمد يعكس تحولاً جذرياً في المعادلة الداخلية الأثيوبية، مشيراً إلى أن تركيبة الدولة القائمة على القبائل تتجه نحو إعادة صياغة كاملة لشكل النظام والسياسات العامة.
وأوضح الفيومي أن وصول قيادات معارضة إلى سدة الحكم قد يعيد ترتيب ملف سد النهضة والعلاقات مع القاهرة على أسس مختلفة تماماً؛ لافتاً إلى أن ممثلي بعض هذه الفصائل أكدوا في تواصلات وتفاهمات سابقة التزامهم التام بعدم المساس بحقوق مصر المائية، واعتبروا أن أزمة المياه تم تسييسها من قبل الإدارة الحالية لإطالة عمر النظام.
وأشار رئيس مشروع تنمية أفريقيا إلى أن التدخلات والإملاءات الخارجية التي دعمت بقاء النظام الأثيوبي طوال السنوات الماضية لم تعد قادرة على حسم الميدان في ظل هذا الاتساع في جبهات القتال الداخلي، مؤكداً أن مصر تملك مقومات وإمكانيات تاريخية وجغرافية تجعلها القوة الأهم في إدارة الملف المائي والتأكيد على حقوقها التي لا تقبل التفاوض.
واختتم فيومي حديثه متسألاً عن ما هو الوضع المثالي للمصالح المصرية؟ مشيرا، أنه أمام هذه المعطيات، تجد الدوائر المعنية بصنع القرار نفسها أمام دراسة مجموعة من الحسابات المعقدة في النقاط التالية:
وحدة الدولة أم تفككها: يظل الحفاظ على دولة أثيوبية موحدة ومؤسسية خياراً أكثر أماناً لتجنب حالة الفوضى الشاملة في القرن الأفريقي، والتي قد تؤدي إلى غياب طرف رسمي يمكن توقيع اتفاقيات قانونية ملزمة معه بشأن تشغيل السد وأمانه المائي.
إدارة الملف مع النظام القادم: يمثل وصول إدارة جديدة متفهمة لمتطلبات الأمن المائي لدول المصب فرصة لإبرام اتفاق نهائي وملزم ينهي سنوات الأحاديّة، ويحدد قواعد الملء والتشغيل والتعامل في أوقات الجفاف، بما يضمن صون الأمن القومي المصري والسوداني، وتحويل ملف المياه من ساحة للصراع إلى مساحة للتعاون الإقليمي.