في مشهد عكس حجم التحول الحاد في موقف المجتمع الدولي تجاه تل أبيب، شهدت قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة انسحاب وفود 77 دولة أثناء أداء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كلمته، وتوزعت الوفود المنسحبة بين 18 دولة عربية من بينها مصر وسوريا وفلسطين والأردن ولبنان والسعودية وقطر، و 20 دولة إفريقية غير عربية تقدمتها جنوب إفريقيا والسنغال، و 17 دولة من أمريكا اللاتينية والكاريبي من بينها البرازيل وكولومبيا وتشيلي، و 14 دولة من آسيا وتركيا، و 6 دول أوروبية بينها إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا، و دولتين من أوقيانوسيا.
يجيء هذا الانسحاب الجماعي ليطرح تساؤلات حاسمة حول الدلالات السياسية لهذه الخطوة، وما إذا كانت إسرائيل تعيش عزلة دولية حقيقية أم أن الأمر يندرج ضمن أشكال الرفض السياسي والمؤقت لإدارة الحرب في غزة ولبنان.
تحول الرأي العام وتمايز الموقفين الرسمي والشعبي
قال السفير يوسف مصطفى، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق لـ”القصة”، إن اعتراف أكثر من 154 دولة بدولة فلسطين على مدار العامين الماضيين جعل صورة إسرائيل أمام العالم مختلفة تماماً عما كانت عليه في السابق، خصوصاً بعد ما شهدته غزة من حرب إبادة و تجويع وهدم كامل للقطاع، مما دفع أغلب هذه الدول للانحياز للحق الفلسطيني.
وأكد مصطفى أنه كان من الطبيعي أن تغادر وفود نحو 77 دولة قاعة الجمعية العامة مع اعتلاء رئيس الوزراء الإسرائيلي المنصة، موضحاً أن الخطاب استند إلى أطروحات لا يعقلها العالم حول “الأرض الموعودة” وحق اليهود التاريخي في الأرض اعتباراً من عهد سيدنا موسى، اعتبار الجولان جزءاً من إسرائيل.
وأضاف مساعد وزير الخارجية الأسبق أن هجوم نتنياهو في مستهل كلمته على من بخلوا في القاعة ووصفهم بـ”الجبناء” يعكس مدى الغضب الذي يعتريه ويعتري حكومته تجاه الموقف الدولي المتضامن مع القضية الفلسطينية.
وأشار مصطفى إلى أهمية التمييز بين الموقفين الرسمي والشعبي في الغرب، لافتاً إلى أنه على الرغم من عدم انسحاب بعض الوفود الغربية رسمياً للتحفظ على علاقاتها القائمة، إلا أن الغضب الشعبي في أوروبا بلغ مستويات غير مسبوقة عبر مظاهرات عارمة في باريس ولندن وبرلين وحراك طلابي واسع، مشيداً بالتحول التاريخي في موقف الحكومة البريطانية التي تحدث رئيس وزرائها أمام مجلس العموم عن “الاحتلال” وفرض قيوداً على منتجات المستوطنات، وهو مصطلح لم يكن وارد الاستخدام سابقاً لدى قادة أوروبا الغربية.
واختتم السفير يوسف مصطفى حديثه بالاستبعاد المتفائل لرحيل نتنياهو عن السلطة قريبًا في ظل الانتخابات المرتقبة، مشيراً إلى أن جزءاً واسعاً من الشارع الإسرائيلي ما زال يراه رمزاً و بطلاً قومياً للدولة.
العزلة الميدانية ومستقبل المفاوضات والداخل الإسرائيلي
من جانبها، قالت إنجي بدوي، خبيرة الشؤون الإسرائيلية، “للقصة”، إن الداخل الإسرائيلي بات يعاني بالفعل من عزلة دولية حادة حتى قبل خطاب نتنياهو الأخير، إذ اتخذ الاتحاد الأوروبي وقوى دولية كبرى، وفي مقدمتها بريطانيا، مواقف حاسمة برفض التعامل التجاري مع منتجات مستوطنات الضفة والجولان وفرض عقوبات على الشركات الموردة، مما جعل إسرائيل تشعر بأنها باتت كياناً منبوذاً.
وأكدت بدوي أن عناوين الصحف العبرية اعترفت صراحة بهذه الحقيقة، مشيرة إلى أن الوفد الوحيد الذي أظهر التصفيق والحماس لنتنياهو كان وفداً أمريكياً يهودياً ومرافقين إسرائيليين وأعضاء من الإدارة الأمريكية، بينما تنأى حتى الدول المشاركة بالقاعة بنفسها عن الخطاب لحسابات ومصالح خاصة.
وأضافت خبيرة الشؤون الإسرائيلية أن جميع المرشحين للانتخابات الإسرائيلية المقبلة يركزون على ملفات أحداث 7 أكتوبر والتحقيقات العسكرية والإخفاقات الاستخباراتية وأحداث الضفة، دون أن يقدم أي منهم برامج عملية لإعادة فتح قنوات التواصل مع العالم وانتشال إسرائيل من حالة العزلة والعداء التي دخلت فيها.
وأوضحت بدوي أن الرغبة الإسرائيلية في تحسين الصورة الذهنية لم تعد موجودة كالسابق، بل أصبحت تل أبيب أكثر تصعيداً وعدائية تجاه أي دولة تنتقد سلوكها، مثلما حدث في التصريحات الهجومية ضد فرنسا وتركيا، مع الاستعداد لفتح جبهات جديدة وتوريط الولايات المتحدة، وهو ما ترفضه واشنطن حالياً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
ولفتت بدوي إلى أن مقاطعة نتنياهو والامتناع عن الاجتماع به من قبل أطراف الإدارة الأمريكية سواء ترامب أو فريق خارجيته أرسلا رسالة قوية للداخل الإسرائيلي مفادها أن العالم بأسره يرى نتنياهو في أواخر تاريخه السياسي لا يرغب في نجاحه.
وشددت خبيرة الشؤون الإسرائيلية في ختام حديثه على أن مفاوضات غزة تقف أمام مفترق طرق حاسم يتحدد مساره عقب 27 أكتوبر، فإما أن تتغير الحكومة الإسرائيلية لتبدأ مفاوضات جادة لإعادة الإعمار، وإما أن تستمر حكومة نتنياهو ليكون ملف “التهجير الطوعي” هو الأول على الطاولة، مؤكدة أن خروج الوفود الأممية وإن كان يعطي انطباعاً داعماً لفلسطين، إلا أنه قد يزيد من العناد الإسرائيلي ويعقد فرص التوصل لخطوات ملموسة لإنهاء معاناة غزة.