لم تعد أزمة الإعلام المصري مجرد أزمة محتوى أو منافسة على الجمهور، بل أصبحت في جوهرها أزمة اقتصاد يحدد من يبقى ومن يختفي، ففي ظل تراجع عوائد الإعلانات، وارتفاع تكاليف التشغيل، وغياب نماذج تمويل مستدامة، تواجه المؤسسات الصحفية والإعلامية تحديًا وجوديًا يطرح سؤالًا ملحًا: كيف يمكن للصحافة أن تستمر دون اقتصاد قادر على دعمها؟
يأتي هذا في لحظة يتجدد فيها الحديث عن تطوير الإعلام، بالتزامن مع الاستعدادات للمؤتمر المقرر عقده في ديسمبر المقبل، ومن هذا المنطلق، يسعى موقع “القصة” إلى المساهمة في النقاش العام، عبر تقديم قراءة تستند إلى الوقائع والأرقام، ورصد تجارب العاملين في الصناعة، وصياغة مجموعة من المقترحات التي قد تساعد صناع القرار على التعامل مع أزمة الاستثمار والتمويل والإعلانات، بما يفتح الطريق أمام بناء نموذج اقتصادي أكثر استدامة للصحافة والإعلام في مصر.
قال مساعد الليثي، رئيس قسم الاقتصاد بجريدة النبأ، في تصريحات لـ”القصة”، إن المؤسسات الصحفية تواجه أزمة اقتصادية حقيقية بعد فقدان مصادر تمويلها التقليدية، موضحًا أن مقترحه ول إنشاء صندوق لدعم المؤسسات الصحفية ونقابة الصحفيين يرجع إلى فكرة “حقوق المحتوى الصحفي”، باعتبار أن المؤسسات تنفق على الصحفيين والعاملين والمقرات والإمكانات لإنتاج محتوى يصل إلى المواطنين مجانًا عبر الإنترنت، بينما تستفيد شركات التكنولوجيا ومحركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي من هذا المحتوى دون حصول المؤسسات على مقابل لهذا الاستخدام.
وأضاف الليثي أن الصحف كانت تعتمد، قبل سنوات، على عائدات التوزيع والإعلانات، لكن مع تراجع توزيع الصحف الورقية وتحول سوق الإعلانات إلى المنصات الرقمية، فقدت أهم مواردها، وهو ما فرض ضرورة البحث عن آليات تمويل جديدة أكثر مواكبةً للتطور التكنولوجي، وتحافظ على استمرار المؤسسات الصحفية.
وأوضح أن المؤسسات الصحفية تنتج محتوى بتكلفة كبيرة تشمل الصحفيين والعاملين والمقرات والإمكانات، ثم تقدمه للمواطنين مجانًا، متسائلًا: “لا يوجد قطاع ينتج سلعة أو خدمة ويقدمها بالمجان”.
وأضاف أن المواطن كان يشتري الصحيفة يوميًا، ما يجعله مساهمًا في تمويلها، بينما يحصل اليوم على المحتوى نفسه دون مقابل، الأمر الذي يجعل من حق المؤسسات الصحفية الحصول على مقابل عادل عن المحتوى الذي تنتجه.
وأشار إلى أن الصحافة لا تقدم أخبارًا فقط، وإنما تؤدي دورًا خدميًا للمواطن، من خلال تغطية ملفات الصحة والتعليم والطقس والخدمات العامة وغيرها، إلى جانب دورها الإخباري والتحليلي، وهو ما يجعلها خدمة عامة يستفيد منها المجتمع بأكمله.
وأوضح الليثي أن المقترح يقوم على إنشاء صندوق لدعم المؤسسات الصحفية ونقابة الصحفيين، اعتمادًا على موردين رئيسيين؛ أولهما تخصيص رسم بنسبة 5% على باقات الإنترنت، والثاني تحصيل مقابل استخدام المحتوى الصحفي من محركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي وبرامج الذكاء الاصطناعي، باعتبار أن هذه الجهات تحقق استفادة اقتصادية من المحتوى الذي تنتجه المؤسسات الصحفية، وهو ما طبقته بالفعل عدد من دول العالم.
وأضاف أن اختيار باقات الإنترنت جاء باعتبارها الوسيلة التي يصل من خلالها المحتوى الصحفي إلى المواطنين، موضحًا أن المواطن كان في الماضي يدفع ثمن الجريدة، أما الآن فيحصل على الأخبار والخدمات والتحليلات مجانًا عبر الإنترنت، ومن ثم أصبح من الطبيعي أن يرتبط تمويل هذا المحتوى بوسيلة الوصول إليه.
وشدد الليثي على أن المقترح لا يستهدف تحميل المواطنين أعباءً جديدة، مشيرًا إلى أنه طالب بأن يتم اقتطاع نسبة الـ5% من الزيادة الأخيرة التي حصلت عليها شركات الاتصالات، والتي بلغت نحو 15%، وليس إضافتها إلى فاتورة المواطن.
وأضاف أن شركات الاتصالات حققت، خلال العامين الماضيين، قفزات كبيرة في الإيرادات والأرباح، ولذلك لا يرى مبررًا لحصولها على زيادات جديدة في الأسعار، مشيرًا إلى أنه طالب، في رسالته الموجهة إلى وزير الدولة للإعلام، بأن يتم خصم النسبة المقترحة من الزيادة التي حصلت عليها الشركات بالفعل، حتى لا يتحمل المواطن أي تكلفة إضافية.
ولفت إلى أن المواطن، إذا ما قورن الأمر بثمن الصحيفة الورقية، فلن يتحمل سوى ما يعادل ثمن نسخة واحدة تقريبًا طوال الشهر، بينما يحصل، في المقابل، على المحتوى الإخباري والخدمي والتحليلي بصورة يومية.
وأوضح الليثي أن شركات الاتصالات أصبحت من أكبر المستفيدين من المحتوى الصحفي، لأن المواطنين يستخدمون الإنترنت للوصول إلى الأخبار والمعلومات والخدمات التي تنتجها المؤسسات الصحفية، في الوقت الذي تحقق فيه الشركات أرباحًا متزايدة، بينما تعاني المؤسسات الصحفية من خسائر ومديونيات وأزمات تمويل.
وأشار إلى أن اختيار نسبة 5% جاء لأنها تحقق قدرًا من العدالة، إذ تختلف قيمة المساهمة بحسب قيمة الباقة، بحيث يدفع صاحب الباقة الأقل مبلغًا محدودًا، بينما ترتفع القيمة مع الباقات الأكبر، موضحًا أن حصيلة هذه النسبة قد تصل إلى ما بين 9 و10 مليارات جنيه سنويًا، مما يوفر موردًا اقتصاديًا مستدامًا لدعم المؤسسات الصحفية.
وأكد الليثي أن ما يطالب به ليس دعمًا من الدولة، وإنما حق أصيل للمحتوى الصحفي، موضحًا أن تمويل الصندوق من الموازنة العامة سيحوله إلى مجرد دعم أو معونة قد تتوقف في أي وقت، كما أنه سيحمل الدولة أعباءً إضافية في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، بينما يقوم المقترح على استرداد حق المؤسسات في المحتوى الذي تنتجه، بما يوفر موردًا مستدامًا دون تحميل الدولة أعباءً جديدة.
وأضاف أن التجارب الدولية تؤكد إمكانية تطبيق هذا النموذج، مشيرًا إلى أن نحو 30 دولة، من بينها بريطانيا والسويد والنرويج وكندا وأستراليا، أقرت تشريعات مختلفة لدعم الصحافة، سواء عبر رسوم مخصصة أو من خلال إلزام المنصات الرقمية ومحركات البحث بدفع مقابل استخدام المحتوى الصحفي، كما فعلت أستراليا، التي نجحت في تحصيل مبالغ كبيرة من شركات التكنولوجيا.
وأشار إلى أن نقابة الصحفيين تُعد من النقابات القليلة التي لا تمتلك موارد تشريعية مستقرة، على عكس نقابات أخرى تحصل على رسوم بقوانين، مثل نقابتي المهندسين والمهن الطبية، معتبرًا أن إنشاء الصندوق سيوفر موردًا دائمًا للنقابة يسهم في دعم خدماتها وزيادة بدل التدريب والتكنولوجيا، وإنهاء الأزمات المتكررة المرتبطة بمواردها.
وأوضح أن المقترح ينص على توزيع حصيلة الصندوق بالتساوي، بحيث يُخصص ثلثها لنقابة الصحفيين، وثلث للمؤسسات الصحفية القومية، وثلث للمؤسسات الصحفية الخاصة، بما فيها المواقع الصحفية المرخصة من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.
وأكد الليثي أن حق المحتوى الصحفي لا يجوز قصره على المؤسسات القومية، لأن الصحف والمواقع الخاصة تنتج أيضًا محتوى صحفيًا يخدم المجتمع، بل إن كثيرًا منها أصبح أكثر نشاطًا في إنتاج المحتوى، لذا لا بد أن تستفيد جميع المؤسسات الصحفية المرخصة من موارد الصندوق.
وكشف الليثي أنه تقدم بالمقترح، في صورة مشروع قانون، إلى وزير الدولة للإعلام، كما سبق أن قدمه إلى نقابة الصحفيين، معربًا عن رفضه لأي اتجاه لإنشاء صندوق يقتصر على المؤسسات القومية والتلفزيون، مؤكدًا أن حقوق المحتوى الصحفي يجب أن تشمل جميع المؤسسات المنتجة للمحتوى دون تمييز.
وأضاف أن تطبيق المقترح لن يسهم فقط في تحسين أوضاع المؤسسات الصحفية والصحفيين، بل سيوفر كذلك على الدولة مليارات الجنيهات التي تنفقها لدعم هذا القطاع، وسيعيد للمؤسسات قدرتها على التطور، بما يعزز دور الصحافة باعتبارها أحد أدوات حماية الأمن القومي، وحائط صد أمام الشائعات، وصوتًا للمواطن وحقه في المعرفة.
وأكد مساعد الليثي أن الهدف من المقترح هو إيجاد حل جذري للأزمة الاقتصادية التي تواجه الصحافة، بما يتيح تطوير المؤسسات وتحسين أوضاع الصحفيين، وإقرار حد أدنى عادل للأجور، بدلًا من الاعتماد على حلول مؤقتة أو مسكنات، مؤكدًا أن الصحافة لا تطلب معونة، وإنما تطالب بحقها في المحتوى الذي تنتجه وتقدمه للمجتمع.