منال الشين لـ “القصة”: شهادات العنف التوليدي تستوجب جلسات استماع وتحركًا برلمانيًا عاجلًاأثارت قضية الدكتورة أمنية سويدان وما تلاها من شهادات حول وقائع تتعلق بالعنف التوليدي في بعض المستشفيات الحكومية نقاشًا واسعًا حول حقوق المريضات ودور المؤسسات الرقابية في حماية كرامتهن.
وفي حوارها مع “القصة”، توضح الكاتبة الصحفية والخبيرة البرلمانية منال الشين كيف يمكن للبرلمان التعامل مع الأزمة بصورة أكثر فاعلية، وما الأدوات الرقابية والتشريعية المطلوبة لضمان عدم تكرار مثل هذه الوقائع. إلى نص الحوار:
ما تقييمك لدور البرلمان في قضية أمينة سويدان؟
القضية التي أثارتها وطرحتها أمنية سويدان تعامل معها البرلمان، أو بعض البرلمانيين، بشكل فردي بالتأكيد، وأقصد بذلك نوابًا، أي ليس تحركًا برلمانيًا ككل.
ومع كامل احترامي للنواب الذين تقدموا بطلبات إحاطة أو الذين تابعوا ما حدث لأمينة سويدان في الفترة التي حُقق معها فيها وقبل الإفراج عنها، لكن الحقيقة أن القضية أكبر بكثير من بعض طلبات الإحاطة.
فنحن أمام قضية لا تتعلق بمستشفى الشاطبي فقط، خاصة أن الشهادات التي تلت المنشور الخاص بالدكتورة أمنية سويدان تؤكد أننا أمام قضية تتعلق بتعامل بعض المستشفيات الحكومية وبعض الأطقم الطبية، أطباء وتمريض، مع النساء في حالات التوليد.
كما أنه توجد أكواد للتعامل مع المرضى، وهي الأكواد التي لا بد أن تلتزم بها الأطقم الطبية في تعاملها مع المرضى دون أدنى حساسية. ولا علاقة لذلك بكون أطباء مصر أكفاء أو مهذبين، وإنما هي أكواد موجودة في الصحافة والهندسة والتعليم، فالأكواد خاصة بتنظيم العلاقة بين مقدم الخدمة ومتلقيها وتلك قاعدة موجودة في كافة المهن وفي كافة أنحاء العالم المتحضر.
لكن تظل فكرة تقديم بعض طلبات الإحاطة وكأنها مجرد إبراء ذمة برلمانية، أي نتقدم بطلب إحاطة والإعلام يقول إن بعض النواب قدموا طلبات إحاطة، في حين أن بعض القضايا تحتاج إلى إجراءات أقوى وأكثر عمقًا من طلبات الإحاطة، ومنها القضية التي أثارتها أمنية سويدان.
ما الأدوات البرلمانية التي كان يجب استخدامها في هذه القضية؟
هذه القضية تحتاج إلى أداة من أداتين متاحتين للبرلمان: الأولى لجنة تقصي الحقائق، والثانية جلسات الاستماع.
فكان على البرلمان فورًا، وبعد تتابع الشهادات، أن يتخذ قراره بإجراء لجنة يبحث من خلالها مدى صحة ما جاء في الشهادات، وليس شهادة أمنية سويدان فقط.
ولجنة تقصي الحقائق لا تشمل مستشفى الشاطبي فقط، وإنما تشمل عينة عشوائية من المستشفيات الحكومية في كل محافظة في مصر، من خلال زيارة مستشفى أو اثنين من كل محافظة، وجمع كافة الشهادات من الأطقم الطبية ومن المرضى ومن النشطاء في المحافظة، ثم بعد ذلك الاستماع إلى نقابة الأطباء ووزارة الصحة، أي كافة الأطراف الفاعلة في هذه الأزمة.
أو استخدام أداة برلمانية أخرى، وهي جلسات الاستماع، أي استدعاء كافة أطراف القضية بشكل موسع، وهم الأطقم الطبية، والطبيبات والأطباء الذين كتبوا شهادات، ونقابة الأطباء، ووزارة الصحة، وخبراء في المجال الطبي، وإجراء جلسات استماع داخل البرلمان تقودها لجنة الصحة واللجنة التشريعية؛ لأنه بالتأكيد توجد حقوق قانونية وحقوق صحية، وللتأكد من أن الأكواد الخاصة بحقوق المرضى يتم التعامل معها.
ما الدور الذي كان يجب أن تقوم به النائبات في هذه القضية؟
بالتأكيد يوجد في هذه القضية جزء كان لا بد أن تتحرك فيه النائبات، وهو الجزء الخاص بالعنف التوليدي، الذي أثار جانبًا من الانتهاكات الخاصة بانتهاك الأكواد وحقوق المرضى التي أثارتها أمنية سويدان.
وفي رأيي أن الدستور حين نص على أن يكون هناك عدد كبير من النائبات في المجلس، لم يكن هدفه فقط أن يضم المجلس نساءً ورجالًا، وإنما كان يهدف، كما هو الحال في كافة أنحاء العالم، إلى زيادة مشاركة وحضور وتواجد النساء داخل المجالس البرلمانية للاهتمام بقضايا المرأة.
وهذا الملف يتضمن جزءًا من حقوق المرأة وجزءًا من حقوق الإنسان، ونحن نلاحظ وجود نقص حاد في التعامل مع قضايا المرأة، وكأن بعض النائبات أو أغلبهن يعتبرن أن التركيز أو التفاعل بشكل أكبر مع قضايا المرأة أمر غير مرغوب فيه.
وملف العنف التوليدي ملف شامل، يرتبط به عدد من القضايا الأخرى التي، مع الأسف، تعاني منها النساء، خاصة الفقيرات، مثل اكتئاب ما بعد الولادة، وهو أحد الملفات المسكوت عنها.
هل كشف الواقع عن وجود فراغ تشريعي أو قصور رقابي فيما يتعلق بحماية السيدات أثناء الولادة أو حفظ الكرامة الإنسانية في المستشفيات؟
بالتأكيد، ومن الواضح أنه يوجد مفهوم برلماني خاطئ يتم الترويج له داخل مجلس النواب، وهو أن القضية باتت في حوزة النيابة.
وتلك نقطة في غاية الأهمية، لأن أي متابع للبرلمان منذ عدة سنوات، ومنذ عدة برلمانات وليس البرلمان الحالي فقط، سوف يلاحظ أن أي قضية تتعلق بالمواطن أو بالإهمال أو بفساد الإجراءات، بمجرد إحالتها إلى النيابة، لا يتعامل البرلمان معها، وإذا تعامل معها يكون ذلك من خلال طلبات إحاطة تتم غالبًا بعد أن تكون النيابة قد أصدرت قرارها.
وجاء ذلك نتيجة لفهم خاطئ لمبدأ الفصل بين السلطات. فالقائلون به يتجاهلون أن دور النيابة والقضاء هو دور تحقيق وقضاء، أما النيابة الإدارية فدورها توقيع الجزاء الإداري، كما أن هناك دورًا للرقابة الإدارية، لكن كل هذه الأدوار لا صلة لها بالدور الذي يقوم به البرلمان، وهو دور سياسي بالأساس.
وهناك عشرات الوقائع البرلمانية التي أصبحت سابقة، مثل قضية توظيف الأموال، التي كانت تنظر قضائيًا أمام النيابة ثم المحاكم، ومع ذلك قدم النواب استجوابات حول فساد الحكومة، وجرى نقاش سياسي لتعديل القانون.
وأيضا قضية أخرى من أسوأ القضايا التي شهدت اكبر فقد عاشه للمصريون، وهي قضية العبارة “السلام 98″، حيث أحيلت هي الأخرى إلى النيابة والمحاكمة، إلا أن ذلك لم يجعل البرلمان يتخلى عن دوره، بل قدم استجوابات قوية جدًا حول دور الحكومة في زيادة عدد الضحايا، وذلك أيضًا دور سياسي.
في رأيك، هل البرلمان قد يناقش قوانين لتجريم “العنف التوليدي” بشكل خاص أو يضع آليات للمساءلة والرقابة؟
في البداية، وقبل هذه الخطوات، لا بد أن تبحث القضية سياسيًا، أي من خلال الاستماع إلى الأطراف المعنية والخبراء.
هل نحن أمام مشكلة ضعف رقابة أم في حاجة إلى تشريع؟ لأن التسرع أحيانا في مواجهة الأزمات عبر تعديل تشريعي قد يكون مجرد إبراء ذمة تشريعية.
وقد تكون الأزمة في عدم وعي أو قلة خبرة مقدم الخدمة الطبية بأن ما يفعله يُعد انتهاكًا، بغض النظر عن العنف الجسدي لأنه مجرم بالفعل.
ما أبرز توصياتك لمعالجة هذه الأزمة؟
دور البرلمان هو البحث في عدة أمور: هل أدت الحكومة ما عليها في هذا الملف؟ وهل هناك تواطؤ أو استغلال نفوذ سياسي في القضية؟ وهل المجتمع الطبي في حاجة إلى تعديل بعض الأكواد؟ وهل الأطقم الطبية تحتاج إلى تدريبات ودورات؟ وهل يساعد وجود المجتمع المدني في تعزيز الرقابة؟
ويحق للمريض أن يعرف الآثار الجانبية للعلاج الذي يتلقاه، ويحق له أيضًا أن يرفض أو يقبل، وأن يكون على معرفة بنسبة الشفاء، وتلك حقوق يتجاهلها معظم الأطباء اليوم، مع أنهم إذا سافروا إلى الخارج سيكون من الضروري أن يلتزموا بها التزامًا كاملًا.
كما أدعو البرلمان ونواب المعارضة إلى تقديم طلب لتشكيل لجنة تقصي حقائق لمناقشة قضية العنف التوليدي، وتطبيق الأكواد، وحقوق المرأة في كافة المستشفيات المصرية.