أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

“نصب وتشهير وابتزاز”.. “القصة” يقتحم “الثالوث المحرم” لشركات التمويل الاستهلاكي في مصر

التمويل الاستهلااكي

بضغطة زر واحدة على شاشة هاتف ذكي، يبدأ الأمر، من خلال إعلان براق يرتدي ثوب الإنسانية، وشعارات مليئة بوعود بـ “تسهيل الحياة”، وصفر كبير يقع مكان الفوائد ليغري القلوب المنهكة تحت وطأة الملاحقات المعيشية اليومية، لكن خلف هذا البريق الرقمي، وفي الدفاتر السرية لقطاع التمويل الاستهلاكي الذي سجل قفزة نمو مرعبة بلغت 189.3%، تتحول شاشات الهواتف إلى مشانق معلقة في صمت، وتتحول التطبيقات من طوق نجاة مؤقت إلى مظلات لابتزاز منظم يستبيح بيوت المصريين.

 

في هذا التحقيق، يدخل “القصة” في أعماق “الثالوث المحرم” لشركات التمويل الاستهلاكي، عبر استبيان حصري شارك فيه 100 من المتضررين، ونوثق شهادات حية لضحايا واجهوا النصب والتشهير والابتزاز الإلكتروني.

أخبار ذات صلة

التمويل الاستهلااكي
"نصب وتشهير وابتزاز".. "القصة" يقتحم "الثالوث المحرم" لشركات التمويل الاستهلاكي في مصر
IMG_20260526_112840
خامنئي واثقًا .. لن يكون للولايات المتحدة ملاذ آمن في المنطقة
FB_IMG_1779799849732
راحة بالي تطلق خاصية تتبع الحمل ونمو الطفل والتطعيمات على تطبيقها

 

بين فخ الفوائد والتهديد بالاغتصاب.. “أميرة” في دوامة التمويل الاستهلاكي

 

لم تكن أميرة محمد _اسم مستعار_ تبحث عن رفاهية حين طرقت أبواب شركات التمويل الاستهلاكي، بل دفعتها غريزة الأمومة لتجهيز ابنتها المقبلة على الزواج، فدخلت أميرة المنظومة وهي تظن أن الأقساط ستكون طوق نجاة، لكنها سرعان ما اكتشفت أنها تخطو نحو دوامة تبتلع أموالها دون توقف.

 

بدأت تسدد بانتظام، لكنها فوجئت بمتاهة وحسابات تتغير بشكل جنوني دون أي تفسير، فتقول: “في البداية الإعلانات بتقول مفيش فوائد بس لقيت الدنيا عمالة بتوسع مني ومش فاهمة إيه اللي بيحصل، القسط الشهر ده يكون 3 آلاف جنيه، والشهر اللي بعده يتغير ويبقى 6 آلاف، وكانوا بيسحبوا من الكارت مصاريف إدارية غير طبيعية، ولو تأخرت يوم واحد ألاقي غرامات تأخير بتوصل لـ 3% في اليوم الواحد”.

 

وتضيف: ” دة غير الفوائد، بقيت أدفع قسط قيمته 3 آلاف جنيه كاش، ولما أدخل أشوف الحساب على الأبلكيشن ألاقيه سمع 200 جنيه بس والباقي معرفش راح فين، وعشان أقدر أسدد ومقصرش، بقيت أسحب وأستلف من شركة تمويل تانية عشان أسدد الشركة الأولى، لحد ما لقيت نفسي في دوامة مرعبة”.

 

حاولت أميرة تدارك الكارثة عندما تعثرت في أحد الشهور، فتواصلت مع الشركة بطلب رسمي لجدولة الأقساط المتراكمة حتى تستقر ظروفها، لكن طلبها قوبل برفض قاطع، لتبدأ  “مرحلة من الملاحقة عبر شركات تحصيل خارجية تم تسريب بياناتها إليها بالكامل.

 

فتقول: “جالي كم كبير من المكالمات والرسائل المليانة شتيمة وتهديدات قذرة، لدرجة إن أحد المندوبين قالي نصًا في التليفون: “أنا هاجي اغتصبك انتي واللي يتشددلك” مش بس كدة، دول مسربين كل بياناتي لشركات التحصيل، ولقيتهم بيبعتوا لي صورة بطاقتي الشخصية على الواتساب وبيقولوا لي: “هننزل صورتك وبطاقتك على النت ونقول عليكي نصابة ونفضحك قدام الناس”.. وأنا مسكتش ورفعت عليهم محاضر رسمية”

 

وكغيرها من آلاف الضحايا، واجهت أميرة تعنتًا شديدًا وحرمانًا من حقها في الحصول على نسخة من عقد التمويل الخاص بها لإثبات التلاعب بالأرقام، ولم تجد حلًا سوى اللجوء للجهة الرقابية للدولة، فتقول: “رفضو تمامًا يدوني عقود، والجهة الوحيدة اللي نصفتني وخلتني أقدر أشوف عقدي وأعرف شروطه هي الهيئة العامة للرقابة المالية بعد ما قدمت شكوى ليهم”.

 

ما هو التمويل الاستهلاكي؟

 

التمويل الاستهلاكي هو خدمة مالية تتيح للأفراد شراء السلع والخدمات—مثل الأجهزة الإلكترونية، والسيارات، والتشطيبات، والخدمات الطبية والتعليمية—وسداد قيمتها لاحقاً بنظام التقسيط أو المرابحة عبر شبكة من الشركات والمتاجر المعتمدة. 

 

يتم تنظيم هذا القطاع وفقًا للقانون رقم 18 لسنة 2020، والذي صدر يوم 18 مارس 2020 لتنظيم خدمات التمويل غير المصرفية، ويشمل الأقساط الخاصة بالسلع والخدمات المعمرة.

 

تطبيقات التمويل كادت أن تنهي حياة “سارة” الزوجية 

 

لم تكن سارة أحمد تتخيل أن لجوءها لأحد تطبيقات التمويل الاستهلاكي للحصول على مبلغ 70 ألف جنيه، سيكون الثمن الحقيقي له هو هدم بيتها وضياع استقرارها الأسري، إكانت سارة تسدد أقساطها بانتظام دون علم زوجها، لتدير أمورها في صمت، حتى داهمتها أزمة صحية طارئة اضطرتها لإنفاق أموال القسط على الكشف والعلاج.

 

حاولت سارة اتخاذ مسار قانوني وتواصلت مع الشركة لطلب تأجيل القسط، فظنت أن طلبها قوبل بالقبول بعد أن التزمت الشركة الصمت لأسبوعين، لكن الصمت كان مجرد الهدوء الذي يسبق عاصفة مكاتب التحصيل.

 

وتقول سارة: “بعد 15 يوم كلمتني واحدة بتسألني عن القسط، قولت لها أنا بلغت الشركة بظروفي الصحية وطلبت تأجيل، ردت عليا بنبرة جافة: “لا إحنا بنقفل ميزانية ومفيش تأجيل” وتحت الضغط، طلبت من أخويا يسد مكاني، وأعطيتها رقمه عشان تتفاهم معاه وتتأكد، لكنها رفضت تصدقني ورفضت تصدق أخويا”.

 

لم تقف موظفة التحصيل عند حد الرفض، بل لجأت إلى أسلوب إجرامي ينتهك قانون حماية البيانات الشخصية وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، إذ قامت بسحب الأرقام المسجلة على هاتف سارة دون إذنها للوصول إلى رقم زوجها.

 

وتكمل سارة حديثها: “أنا ما عطيتهومش رقم جوزي نهائي، هما سحبوا رقمه وتجسسوا على تليفوني، اتصلت بيه، وجوزي اتفاجئ وقاله لها: “تمام هشوف الموضوع ده بس أنا مكنتش أعرف إنها مشتركة معاكم”، وقفل الموبايل، الموظفة مصدقتش، وراحت بعتت له رسائل على الواتساب فيها كلام وحش جدًا وتشهير بيا، وطبعًا حصلت خناقة كبيرة بيني وبين جوزي بسبب الفضيحة دي، وانتهت بطلاقنا وخربوا بيتي”.

 

 

لحسن الحظ، لم تكن هذه النهاية المأساوية محطتهم الأخيرة، فبعد فترة من الانفصال والصدمة، أدرك الزوج أن زوجته وقعت ضحية لشبكة ابتزاز وقرصنة إلكترونية تلاعبت ببياناتها الشخصية وليست “نصابة” كما ادعت الموظفة، وعادت سارة لبيتها، لكن المعركة المالية لم تنتهِ بعد، فالقرض الذي قيمته 70 ألف جنيه، تطالبها الشركة بسداد 200 ألف جنيه تحت مسمى الفوائد والغرامات، وسط رفض تام من الشركة لتسليمها العقد.

امضاء سارة على عقد وديعة بالمخالفة للقانون
امضاء سارة على عقد وديعة بالمخالفة للقانون

تختتم سارة حديثها لـ “القصة”، بقولها: “حاولت بكل الطرق أوصل للعقد أو أخد نسخة منه، والشركة رفضت تمامًا تديني أي ورق، لجأت لمحامي وقالي إن المبالغ دي والشروط دي غير قانونية تمامًا، ومفيش أي عقد بيثبتها، أنا مارضيتش أسكت وعملت محضر رسمي بالواقعة دي وبتسريب بياناتي والتشهير بيا، وحاليًا مستنية حقي القانوني”.

 

لم تكن مأساة “سارة” مع سحب أرقام هاتفها وتدمير حياتها الزوجية مجرد حالة عابرة، بل هي واقع وثّقته “القصة” بالأرقام، حيث أجرينّا استبيانًا شارك فيه 100 من المتضررين، وصدمتنا النتيجة بأن 88% من المشاركين أكدوا أن شركات التمويل والتحصيل اخترقت خصوصية هواتفهم، وسربت بياناتهم الشخصية لعائلاتهم وأصدقائهم كوسيلة للضغط النفسي والابتزاز الإداري.

 

 

 

عقد سري وإهانة على الهاتف.. حكاية “حمادة” في كواليس التمويل الاستهلاكي

 

بدأت رحلة حمادة العاوي مع المعاناة من حاجة شخصية ملحة، اضطرته للاقتراض من شركة شهيرة للتمويل الاستهلاكي، وكانت قيمة القرض 10 آلاف جنيه، مبلغ بسيط، لكنه كان كافيًا ليدخله في دوامة لم يتوقع نهايتها.

 

منذ الخطوة الأولى، بدت الإجراءات غامضة، فحين طلب نسخة من العقد، رفضت الشركة تسليمه إياها، وهنا يقول حمادة: “كنت مستغرب من رفضهم، بس عرفت بعدين إن الشركات دي بتخاف تسلم العملاء العقود عشان يفضل الباب مفتوح قدامهم للتلاعب بالفوائد والغرامات من غير ما يسيبوا وراهم أي مستند ورق يتدانوا بيه”.

جزء من حديث حمادة مع أحد مندوبي التحصيل
جزء من حديث حمادة مع أحد مندوبي التحصيل

مضت الأيام وكان حمادة ملتزمًا بالدفع، سدد أكثر من نصف المبلغ، ولم يتبقَّ من أصل دينه سوى 3 آلاف جنيه، حتى باغتته عثرة مالية طارئة، فتأخر عن سداد القسط ليومين اثنين فقط. يومان كانا كفيلين بفتح أبواب الجحيم.

 

وبسبب خطأ تقني، أرسل حمادة مبلغًا يقل عن القسط المطلوب بمائتي جنيه، وحين تواصل مع خدمة العملاء لاستيضاح الأمر وتصحيحه، أنكرت الشركة استلام أي أموال ورفضت تقديم أي إجابة. 

 

ويسترجع حمادة تلك اللحظات قائلًا: “فجأة لقيت نفسي في حلقة مفرغة، مفيش حد عايز يرد عليا، لحد ما رن موبايلي بعد كام يوم ولقيت شخص بيقولي إنه من الإدارة القانونية للشركة وبيسألني بحدة: “ليه مدفعتش يا حمادة؟”، ولما قولتله إني مقدم شكوى وعايز أعرف فلوسي راحت فين، اتفاجئت بيه بيشتمني وبيقولي: “هو في مديون بجح ونصاب كدة؟””.

 

تواصل حمادة مع الشركة شاكيًا من التجاوز والإهانة، فلم يجد منهم سوى اعتذار شفهي، ثم قاموا بإغلاق الشكوى دون رد اعتبار، تحولت الحكاية من مطاردة مالية إلى ملاحقة شخصية وانتهاك للخصوصية، حيث بدأت تصله رسائل تهديد بالتحصيل الميداني والنزول لمنزله من أرقام مجهولة، وعند مواجهة الشركة كان ردها الجاهز: “هذا الشخص ليس تابعًا لنا”.

 

المطاردة وصلت حتى لمراقبة نشاطه الرقمي، حين تواصلت معه لاحقًا مندوبة تحصيل، وبدأت تعنفه بسبب كتابته عن مشكلته على منصات التواصل، فيقول: “لقيتها بتقولي نصًا: “فين الفلوس؟ أنت شاطر بس تكتبلي بوستات على النت!”، ولما جادلتها وقولتلها إن قسطي 1900 جنيه والساب جواه بيخصم 700 جنيه بس والباقي كله بيروح فوايد، لقيتها قفلت السكة في وشي وهي بتقولي: “أنا مش هرد عليك علشان اللي رباني غير اللي رباك””.

 

يختتم حمادة شهادته مؤكدًا أن ما حدث معه ليس حالة فردية، بل هو سيستم منظم، فيقول: “شركات التمويل الاستهلاكي بتتبع سياسة موحدة مع الكل، بتسرب بياناتنا الائتمانية والشخصية لمكاتب تحصيل خارجية، والمكاتب دي شغلتها الأساسية ترهيب الناس والضغط عليهم نفسيًا، وخصوصًا الستات وكبار السن، ودلوقتي أنا لسه تحت التهديد”.

 

“نصب وتشهير وابتزاز”.. قصة “محمد سعيد” مع كابوس التشهير الإلكتروني

 

يختصر محمد سعيد أحد المتضررين تجربته مع شركات التمويل الاستهلاكي في ثلاث كلمات حاسمة تُلخص حجم المأساة: “نصب، تشهير، وابتزاز”، إذ بدأت فصول الأزمة عندما اضطر محمد للاقتراض تحت وطأة الحاجة، ليدخل اللعبة بشروط مجحفة وغامضة، حيث جردته الشركة من حقه الأساسي في الحصول على نسخة من عقده، ليفاجأ بحجم الفوائد المرعبة التي طوقت عنقه.

 

 ويقول محمد لـ “القصة”: “كنت واخد قرض بـ 50 ألف جنيه، وفوجئت إن المطلوب مني أسدده وصل لـ 80 ألف جنيه، ده غير الغرامات اللي بتنزل عليا باستمرار بدون أي وجه حق”.

 

التزم محمد بالسداد ما أسعفته الظروف، حتى داهمه ظرف طارئ تسبب في تأخره عن الدفع لمدة 15 يومًا فقط. لم تكن هذه الأيام الخمسة عشر مهلة لالتقاط الأنفاس، بل كانت الضوء الأخضر لتبدأ الملاحقة العنيفة بعد أن سربت الشركة بياناته الشخصية والعائلية لمكاتب تحصيل خارجية.

 

ابتزاز محمد إلكترونيًا
ابتزاز محمد إلكترونيًا

تجاوزت مكاتب التحصيل كل الخطوط الحمراء والأعراف المجتمعية، وامتدت يدها لتنال من علاقة محمد بوالده ومحاولة الوقيعة بينهما بالافتراء والكذب، فيقول محمد:  “فوجئت بمندوبة تحصيل بتتصل بوالدي، ومش بس ضغطت عليه، دي افترت عليه بكلام ملقالهوش اصلًا، ورجعت تكلمني وتقولي إن أبويا قال عليا إني (نصاب).. وأبويا عمره في حياته ما يقول عليا كدة”.

 

لم يتوقف الترهيب عند الاتصالات الهاتفية والوقيعة العائلية، بل تحول إلى اغتيال معنوي وتشهير إلكتروني علني على منصات التواصل الاجتماعي، في انتهاك صارخ لحرمة الحياة الخاصة التي يحميها القانون.

 

يكشف محمد لـ “القصة” عن الأسلوب الصادم الذي اتبعته شركة التحصيل لابتزازه علنًا: “الموضوع وصل لمهزلة مرعبة.. دخلوا على أكونت الفيسبوك الشخصي بتاعي، وخدوا صورتي، وكتبوا عليها بخط عريض “نصاب وحرامي”، ونشروها وحطوا معاها رقم تليفوني، وفضلوا يكتبولي كومنتات مسيئة كتير عشان يفضحوني قدام معارفي وأهلي”.

 

فخ “التسييل” والقرصنة الرقمية

 

بدأت فصول المعاناة في حياة تميم شريف من دائرة علاقات محدودة، وسيرة شاب ملتزم لم يكن يملك سوى سيارة اشتراها بالتقسيط، ليعمل عليها عبر تطبيقات النقل الذكي لتأمين قشرة عيش أسرته، وكان حريصًا على سداد أقساطه بانتظام شديد، حتى داهمه عطل ميكانيكي مفاجئ في سيارته، توقفت العجلات، فتوقف الدخل، وبات التعثر يهدد أمانه.

 

في تلك اللحظة الحرجة وبحثًا عن طوق نجاة لإصلاح السيارة، قاد الحظ العاثر تميم إلى إعلان على منصات التواصل الاجتماعي يرتدي ثوب الإنسانية تحت لافتة “قرض حسن”، لم يكن يعلم أن خلف هذا الشعار يكمن فخ.

 

يقول تميم: “”توجهت إليهم، فاتضح إنهم مكتب (تسييل)؛ وظيفتهم يعملوا كونكت بيني وبين برامج التمويل الاستهلاكي. بيشتروا منتج باسمي وياخدوا نسبة من اللمت الظاهر ليا (الحد الائتماني) تصل لـ 14%، ويدفعلوا لي كاش أقل من ثمن المنتج الحقيقي بـ 28% وربما أكتر”.

 

شعر تميم بالاستغلال المالي فقرر التراجع ورفض إتمام المعاملة، ولكن هنا تحول الأمر من استغلال إلى قرصنة رقمية مكتملة الأركان، حيث قام موظفو المكتب بإتمام عملية الشراء دون علمه وبالمخالفة لرغبته، ثم حذفوا البرنامج تمامًا من هاتفه لكي لا يعلم بالعملية.

 

استسلم تميم للواقع وتحت ضغط الحاجة قام بسداد 5 أقساط بانتظام، لكن العطل باغت سيارتهمصدر رزقه الوحيد مرة أخرى، فعجز عن السداد لتفتح مكاتب التحصيل أبواب الجحيم بالسب والقذف والترهيب.

 

ويوضح تميم: “يقول: “لما اتفاجئت بتسريب بياناتي لمكاتب التحصيل والشتيمة، عملت شكوى، فقالوا لي: “الشخص ده مش تابع للشركة”، واجهتهم وقولت لهم:  أبلغني بمعلومات لا يعرفها إلا موظف داخل الشركة، كيف تقولون إنه ليس من الشركة؟ هذا يسمى تسريب بيانات ولا ينص ذلك في عقدنا معًا”.

 

أمام أدلته المادية، تبدل موقف الشركة من الإنكار إلى الاهتمام المفاجئ بالشكوى، ليأتيه الرد الصادم في نهاية المطاف باعتراف رسمي واعتذار باهت أغلقت الشركة بناءً عليه الشكوى قسرياً قائلة: “هذا يكفي”.

 

يختتم تميم مأساته بقوله: “أنا قولت لهم الاعتذار ده مش كفاية، وعلى الأقل عايز رد اعتبار من الموظف واعتذار واضح، لكنهم رفضوا وقفلوا الشكوى خلاص.. العربية هي دخلي الوحيد، والآن يتم تهديدي وبيتي مهدد بالخراب”.

 

الأبواب المغلقة لشركات التمويل التي ترفض تسليم العملاء عقودهم _كما حدث مع تميم شريف ومحمد سعيد_ فتحتها أرقام الاستبيان الذي أطلقته “القصة”، حيث تبين أن جميع من أجابوا على الاستبيان من المقترضين تم حرمانهم تمامًا من الحصول على نسخة ورقية أو إلكترونية من عقودهم، مما جعلهم فريسة سهلة لفوائد وغرامات تلتهم أكثر من ضعفقيمة قسطهم الشهري دون رقابة واضحة.

 

التكييف القانوني للقصة 

يؤكد مسؤول شركة “الزهيري” للمحاماة، والمسؤول عن الدفاع عن متضرري شركات التمويل، في تصريحات خاصة لـ”للقصة”، أن الأزمة القائمة بين شركات التمويل والعملاء يتحمل مسؤوليتها الطرفان، موضحًا أن “العملاء والشركات سواء أمام القانون، لكن كلا الطرفين لديه أخطاء”.

ويقول إن العديد من شركات التمويل لا تلتزم بالضوابط التي تنص عليها الهيئة العامة للرقابة المالية، مشيرًا إلى أن قانون التمويل الاستهلاكي يُلزم الشركات بإبرام عقود واضحة مع العملاء، بحيث يحتفظ كل طرف بنسخة من العقد، إلا أن بعض الشركات لا تُسلّم العملاء نسخًا من العقود، معتبرًا أن ذلك يمثل “أول جريمة ترتكبها الشركات”، لما يتضمنه من غياب للإفصاح والشفافية ومخالفة صريحة للقانون.

ويضيف أن بعض العقود تُترك فيها خانة الفوائد فارغة، دون توضيح حجم الفوائد المستحقة، موضحًا أن العميل يُفاجأ لاحقًا عند السداد بمبالغ إضافية ضخمة تحت بند الفوائد، رغم عدم الإفصاح عنها مسبقًا.

ويشير إلى أن بعض الشركات تُدرج داخل العقود ما يصفه بـ”العقود الآمنة”، مثل عقود الوديعة أو الإيجار أو الوكالة أو الرهن وإعادة الاستعمال، مؤكدًا أن هذه الممارسات “مجرّمة في قانون العقوبات”، كما أن الهيئة العامة للرقابة المالية تحظر استخدامها، لأنها تُستغل ضد العميل حال تأخره في السداد، من خلال تحرير جنح تبديد أو خيانة أمانة ضده.

ويوضح أن الأزمة تتفاقم عندما لا يكون العميل على دراية كاملة بحقوقه أو التزاماته المالية، لتبدأ بعض الشركات – بحسب قوله – في التعاقد مع شركات تحصيل تمارس ضغوطًا على العملاء.

ويتهم مسؤول “الزهيري للمحاماة” بعض شركات التحصيل باختراق أجهزة العملاء، وممارسة الابتزاز والتشهير بهم، والتواصل مع أقارب المقترضين، بل والذهاب إلى منازل العملاء والتعدي عليهم بالسب والقذف، معتبرًا أن هذه الوقائع “تأخذ تكييفًا قانونيًا يتعلق بالتهديد والابتزاز”.

في يناير المادي، أصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية قرارًا بإنشاء سجل خاص لقيد الشركات الراغبة في مزاولة نشاط تحصيل المستحقات المالية الناتجة عن التمويلات التي تمنحها الشركات والجهات العاملة في أنشطة التمويل غير المصرفي لعملائها، وذلك في إطار جهود الهيئة لتعزيز حوكمة عمليات التحصيل، وحماية حقوق العملاء، وضمان التزام الشركات بالمعايير والممارسات المهنية المنظمة للنشاط.

ونص القرار على حظر استعانة الشركات والجهات العاملة في مجال التمويل غير المصرفي بأي شركة لتحصيل مستحقاتها المالية، ما لم تكن تلك الشركة مقيدة رسميًا بالسجل المعتمد لدى الهيئة، بما يسهم في تنظيم نشاط التحصيل والحد من الممارسات غير المنضبطة.

 

خبير اقتصادي يوضح سبب ازدياد نشاط هذه الشركات

يقول سمير رؤوف إن نشاط التمويل الاستهلاكي يزيد عن حده خلال الفترة الأخيرة، موضحًا أنه يمنح فرصة لفئات لم تكن قادرة في السابق على الحصول على تمويلات من البنوك.

ويضيف، في تصريحات خاصة لـ”القصة”، أن المواطنين لم يكون قادرين سابقًا على الحصول على تمويل لشراء الملابس أو الطعام أو الاحتياجات الأساسية، لكن التمويل الاستهلاكي يغير هذا الواقع ويوسّع قاعدة المستفيدين من التمويلات.

ويشير إلى أن التمويل الاستهلاكي يؤثر بشكل متباين على الاقتصاد، إذ يؤدي إلى زيادة معدلات الاستهلاك، وهو ما قد يتسبب في نفاد بعض السلع نتيجة ارتفاع الطلب، لكنه في الوقت نفسه ينشط الحركة الاقتصادية والأسواق.

ويؤكد أن التوسع في هذا النشاط قد يؤثر سلبًا على بعض القطاعات، وعلى رأسها البنوك، موضحًا أن جزءًا من العملاء يتجه إلى شركات التمويل الاستهلاكي بدلًا من البنوك التقليدية.

ويحذر سمير رؤوف من أن التوسع غير المنضبط في التمويل الاستهلاكي قد يقود إلى أزمات مالية مشابهة لما حدث في أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة عام 2008، مؤكدًا أن ذلك قد يؤدي إلى تكوين “فقاعة مالية”.

وعن تساؤل البعض حول جدوى حصول الشخص على قرض ثم سداد مبلغ أكبر منه، يوضح الخبير الاقتصادي أن الأمر يرتبط بما يُعرف اقتصاديًا بـ”القيمة الزمنية للنقود”، وهي فكرة تقوم على أن قيمة المال تتغير بمرور الوقت، وهو ما يبرر وجود فوائد أو تكلفة إضافية على التمويل.

 

قانوني:

 

في تعليقه العام على القضية، يقول عادل عامر، أستاذ القانون العام، ورئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والاقتصادية والقانونية في حديثه لـ “القصة” إن التكييف القانوني لهذه الوقائع يختلف بحسب كل ممارسة، موضحًا أن بعض الأفعال قد تدخل في نطاق المخالفة المدنية أو التنظيمية، بينما قد ترتقي أخرى إلى جريمة جنائية وفقًا للقانون المصري.

ويؤكد أن تحميل العميل مبالغ كبيرة مقارنة بقيمة التمويل، مثل الحصول على 50 ألف جنيه وسداد 80 ألفًا، لا يُعد جريمة في حد ذاته طالما يكون العقد واضحًا، ويوقع عليه العميل بعلمه، وتكون الشركة مرخصة من الهيئة العامة للرقابة المالية.

ويضيف أن المخالفة تظهر إذا لا تفصح الشركة بوضوح عن سعر العائد والتكلفة الفعلية للتمويل، أو تستخدم إعلانات مضللة، أو تُخفي المصروفات والعمولات، وهو ما يُعد مخالفة لقانون التمويل الاستهلاكي رقم 18 لسنة 2020.

ويشير إلى أن بعض العقود قد تتضمن شروطًا تعسفية، مثل فوائد مبالغ فيها أو غرامات غير متناسبة أو شروط مرهقة تُخل بالتوازن العقدي، وهو ما يفتح الباب أمام الطعن المدني ببطلان بعض البنود أو تخفيضها.

ويوضح أن ممارسات التحصيل قد تتحول إلى أفعال مجرمة إذا يقوم القائمون عليها بتهديد العميل أو إهانته أو إزعاجه باتصالات متكررة له أو لأقاربه، أو تهديده دون سند قانوني، وهو ما قد يندرج تحت جرائم التهديد والابتزاز أو إساءة استخدام وسائل الاتصالات أو انتهاك حرمة الحياة الخاصة.

ويحذر من قيام بعض الشركات بمشاركة أو بيع بيانات العملاء لشركات التحصيل دون موافقة صريحة، مشيرًا إلى أن ذلك قد يُعد مخالفة لقانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 إذا يتم تداول البيانات دون سند قانوني أو موافقة واضحة.

ويضيف أن بعض شركات التحصيل قد تلجأ إلى التشهير بالعملاء أو نشر معلومات عنهم أو الإساءة لسمعتهم، وهو ما قد يندرج تحت جرائم السب والقذف وانتهاك الخصوصية، مع إمكانية المطالبة بتعويضات مدنية عن الضرر.

ويختتم بأن الإشكالية الأساسية لا تكمن في ارتفاع تكلفة التمويل فقط، بل في غياب الشفافية، والشروط التعسفية، وإساءة التحصيل، وتداول البيانات الشخصية، والتشهير بالعملاء، مؤكدًا أن هذه الممارسات تخضع لتداخل عدة قوانين، من بينها قانون التمويل الاستهلاكي، وقانون حماية البيانات الشخصية، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وقانون العقوبات، إلى جانب دور الجهات الرقابية المختصة.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

FB_IMG_1779750050883
"الماكينة غير متاحة للسحب".. ماكينات الـATM تتحول إلى كابوس قبل العيد
images (40)
دبلوماسية حافة الهاوية .. ماذا تجني واشنطن وطهران من مذكرة التفاهم الأخيرة؟
مشغولات ذهبية
ارتفاع جديد بأسعار الذهب اليوم
IMG-20260526-WA0018
«الدواء في الخفاء».. حملة تكشف مصانع ومخزنًا خارج القانون

أقرأ أيضًا

أحمد طنطاوي
أحمد الطنطاوي: أبو الديار أكبر من جدران السجن
2dc836dd-734d-4e17-93af-97c83f00b2bf_16x9_1200x676
هدنة طويلة الأمد.. هل أغلق ترامب ملف نتنياهو أخيرًا؟
l
صدور الطبعة الثانية من "ملحمة المطاريد" لـ عمار علي حسن
المصري وأبو الديار وطنطاوي
خالد علي: بدء التحقيقات مع وفاء المصري وحنان طنطاوي ومحمد أبو الديار