في حرب السودان الدامية، لا تكتفي المدافع بتدمير الحجر وبتر الشجر، بل تمتد نيرانها لتبتلع الغد حيث تحول الأطفال من مقاعد الدراسة إلى خنادق الموت بين مطرقة الفقر الخانق وسندان الخوف من الانتهاكات، يجد آلاف الفتية أنفسهم مجرد “وقود” في بنادق الجماعات المسلحة، ليتحول جيل كامل إلى ضحايا لجرائم حرب مكتملة الأركان ترتكب وسط غياب تام للمحاسبة الدولية.
مأساة “س. أ”.. رحلة بلا عودة إلى “نيالا”
تبدأ الحكاية من التفاصيل الصغيرة و القاتلة في مدينة “القطينة” بولاية النيل الأبيض، تبدلت حياة عائلة سودانية بالكامل بعد دخول قوات الدعم السريع إلى المدينة وانقطاع مصادر دخلهم تحت وطأة الفقر الشديد والخوف من السرقات والانتهاكات، اتخذ الطفل “س. أ” 16 عاماً قراراً غير مسار حياته إلى الأبد، بالانضمام إلى قوات الدعم السريع كطريقة لتأمين نفسه وعائلته.
تروي إحدى قريباته لـ “القصة” اللحظات الأخيرة الصادمة قائلة:”بعد اقتراب الجيش من المدينة، تضرعنا إليه وحاولنا بكل السبل إقناعه بتسليم نفسه والتخلي عن القتال في صفوف الدعم السريع لكنه كان غائباً عن الوعي، لم يصغ لنصائحنا، وغادر مع القوات إلى مدينة نيالا بإقليم دارفور منذ ذلك اليوم، انقطعت أخباره تماماً، ولا نعرف إن كان حياً أم تحول إلى جثة في مقبرة جماعية”.
أرقام مرعبة.. 15 ألف بندقية صغيرة
هذه القصة ليست سوى قشرة خارجية لملف يغلي بالانتهاكات يكشف رئيس منظمة “مشاد”، الدكتور أحمد عبدالله، عن توثيق حالات واسعة لتجنيد واستخدام الأطفال من قبل جميع أطراف النزاع في السودان بدرجات متفاوتة.
بقول عبدالله لـ”القصة” بأن هناك أرقاما صادمة تم توثيق تجنيد أو استخدام 14,944 طفلًا في النزاع كإحصائية أولية قابلة للزيادة بسبب صعوبة الوصول لمناطق القتال مضيفاً أنه تتصدر ولايات دارفور، إقليم كردفان، ولاية النيل الأزرق، ومناطق شرق السودان القائمة كأكثر المناطق تأثراً بهذه الظاهرة، وأنه يتم استغلال المراهقين عبر الخطاب التعبوي والدعائي، واستغلال الانتماءات القبلية، مستغلين الفقر والنزوح و انقطاعهم عن التعليم.
ومن الناحية النفسية، يؤكد الاستشاري النفسي، الدكتور يوسف جويلي، أن هؤلاء الأطفال لا يملكون حرية اختيار بل يدفعهم اليتم، أو الفقر، أو الرغبة في الانتقام، أو الترهيب بالمال والطعام إلى الانخراط في القتال.
ويحذر جويلي عبر “القصة” من أن الكارثة ستمتد لسنوات إذ يعاني هؤلاء الصغار من اضطراب ما بعد الصدمة، و الكوابيس، والسلوكيات العدوانية وينتقد جويلي بشدة غياب أي مشروع أو برنامج وطني متكامل لإعادة تأهيل وعلاج هؤلاء الأطفال نفسياً، واصفاً الوضع الحالي بالفوضى التي تترك مستقبلاً معلقاً على حافة العنف.
القانون الدولي: جريمة حرب عقوبتها المؤبد
قانونياً، يصف المحامي مجاهد عثمان من السودان باستغلال الأطفال في النزاعات المسلحة بأنه “انتهاك جسيم” وجريمة حرب وفقاً لنظام روما الأساسي واتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949.
ويوضح عثمان لـ”القصة” أن الأدوار التي يجبر عليها الأطفال في السودان تتنوع بين:
- المشاركة المباشرة وحمل السلاح في الخطوط الأمامية والعمليات الانتحارية.
- الأدوار المساندة كالتجسس، ونقل الإمدادات، والعمل كحمالين ورسل، وتأمين النقاط.
- الاستخدام القذر كدروع بشرية أو أدوات للدعاية الحربية.
وينوه عثمان إلى أن القانون الدولي ينص صراحة على عقوبات تصل إلى السجن المؤبد بحق من يثبت تورطه في استخدام الأطفال بالقوات المسلحة.
تقف الطفولة في السودان اليوم أمام خيارين أحلاهما مر إما الموت بقذيفة عشوائية، أو التحول إلى آلة قتل تحمل بندقية تفوقها وزناً، ليبقى السؤال المعلق في فضاء السودان: من يعيد لهؤلاء الصغار طفولتهم المسروقة بعد أن تضع الحرب أوزارها؟