يُعد البيض من أكثر الأغذية الغنية بالعناصر الغذائية الأساسية، إذ يحتوي على بروتين عالي الجودة، كما يدعم صحة المخ والجهاز العصبي والعينين، وفقًا لبيانات وزارة الصحة والسكان، ومراجعات صادرة عن كلية الطب بجامعة هارفارد.
وخلال الأيام الماضية، شهد سوق بيض المائدة في مصر زيادة في المعروض، تزامنت مع انخفاض ملحوظ في الأسعار، إلا أن هذا التراجع صاحبه تصاعد شكاوى منتجي البيض، الذين أكدوا تعرضهم لخسائر مالية كبيرة، ما أثار تساؤلات بشأن أسباب الأزمة، وإمكانية انعكاسها على أسعار البيض خلال الفترة المقبلة.
خسائر متزايدة تهدد بخروج المنتجين
وبعد تواصل “القصة” مع 10 من منتجي البيض في محافظات مختلفة، أكدوا أن سعر كرتونة البيض الأبيض داخل المزرعة يتراوح بين 60 و65 جنيهًا، بينما يتراوح سعر البيض الأحمر بين 65 و70 جنيهًا، في الوقت الذي يتحمل فيه المنتج نحو 50 جنيهًا إضافية من ماله الخاص لإنتاج كل طبق بيض.
وأضافوا أن سعر طبق البيض قبل أربعة أشهر بلغ نحو 150 جنيهًا، بينما كان سعر طن الأعلاف يدور حول 16 ألف جنيه، أما الآن فانخفض سعر الطبق إلى نحو 63 جنيهًا، في الوقت الذي تجاوز فيه طن الأعلاف 20 ألف جنيه، موضحين أن الاعتماد شبه الكامل على الأعلاف المستوردة، إلى جانب ارتفاع سعر الدولار والتوترات الإقليمية، أسهم في زيادة تكلفة الإنتاج، فضلًا عن تراجع حركة التصدير.
وأشاروا إلى أن تكلفة إنتاج طبق البيض تتراوح حاليًا بين 100 و105 جنيهات، تشمل الأعلاف والأدوية فقط، فيما تتراوح تكلفة الدجاجة الواحدة بين 350 و400 جنيه، بعد شراء الكتكوت بنحو 90 جنيهًا وتربيته لمدة خمسة أشهر حتى يبدأ في الإنتاج، مؤكدين أن انخفاض الأسعار الحالية ألحق أضرارًا كبيرة بالقطاع.
ولفتوا إلى أن الأزمة بدأت عقب عيد الفطر، مع انخفاض تدريجي في الأسعار حتى وصلت إلى نحو 60 جنيهًا للطبق قبل عيد الأضحى، واستمرت عند هذا المستوى حتى الآن، وهو ما تسبب في خسائر بملايين الجنيهات للمنتجين.
وأوضح المنتجون أن أسباب الأزمة تعود إلى تراجع أو توقف التصدير، واتجاه شريحة من المواطنين إلى أنماط غذائية تقلل استهلاك المنتجات الحيوانية، إلى جانب الارتفاع المستمر في أسعار الأعلاف والأدوية والكتاكيت، وما صاحبه من زيادة في تكلفة الإنتاج.
واختتموا حديثهم بالتأكيد على أنه إذا استمرت الأوضاع الحالية لمدة شهرين إضافيين، فقد يشهد السوق فجوة في الإنتاج، وقد يصل سعر طبق البيض إلى 300 جنيه، مشيرين إلى أن القطاع تعرض لأزمة مشابهة خلال عام 2022 بالتزامن مع الحرب الروسية الأوكرانية.
رئيس شعبة بيض المائدة: خروج المربين يعيد الأزمة
وقال المهندس أحمد نبيل، رئيس شعبة بيض المائدة بالاتحاد العام لمنتجي الدواجن، لـ”القصة”، إن تعرض المنتجين للخسائر ليس أمرًا جديدًا، موضحًا أن القطاع تكبد خسائر كبيرة خلال نهاية عام 2022 وبداية 2023، أدت إلى خروج نحو 60% من المربين، وهو ما تسبب لاحقًا في وصول أسعار البيض إلى مستويات قياسية تجاوز فيها سعر الطبق من المزرعة 150 جنيهًا.
وأضاف نبيل، أن الاتحاد العام لمنتجي الدواجن شجع المنتجين على زيادة الإنتاج مع استقرار سعر الصرف وتوافر الخامات، وهو ما أسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي خلال عام 2025، ثم التوجه إلى التصدير، مؤكدًا أن الهدف هو تحويل صناعة الدواجن إلى مصدر للعملة الأجنبية، في ظل استيراد نحو 95% من خامات الإنتاج.
وأشار إلى أن الاتحاد يسعى لأن يكون شريكًا أساسيًا في دعم الاقتصاد الوطني، موضحًا أن تصدير البيض يوفر عملة صعبة تساعد في تغطية تكلفة استيراد الخامات، لافتًا إلى أن البيض سلعة مرنة تتحدد أسعارها وفقًا لحجم الإنتاج، إذ ترتفع الأسعار مع انخفاض المعروض، وتنخفض مع زيادة الإنتاج.
وأوضح رئيس شعبة البيض، أن فائض الإنتاج الحالي يتراوح بين 40 و45%، وهو ما أدى إلى انهيار الأسعار، مؤكدًا في الوقت نفسه استمرار جهود فتح أسواق جديدة، سواء في الدول الخليجية أو الأفريقية، مشيرًا إلى أن المنتج المصري حظي بقبول في الأسواق التي دخلها، ما دفع تلك الدول إلى طلب شحنات إضافية.
وأضاف أن الاتحاد يعمل حاليًا على التوسع في تصنيع البيض، من خلال إنتاج البيض المبستر والبيض البودر، بما يسمح بتخزينه لفترات أطول، مؤكدًا وجود عقود تصدير جيدة لهذه المنتجات، لافتًا إلى نجاح تصدير البيض البودر إلى الأردن، ومطالبًا المنتجين بالصبر وعدم الانسحاب من منظومة الإنتاج.
وأكد أن خروج المنتجين من السوق سيؤدي حتمًا إلى ارتفاع كبير في الأسعار، موضحًا أن تحديد موعد انتهاء الأزمة أمر صعب، نظرًا لارتباطه بسرعة إنهاء إجراءات وعقود التصدير، التي تختلف مدتها من دولة إلى أخرى.
وأشار إلى أن أزمة عامي 2022 و2023 اختلفت عن الأزمة الحالية، إذ شهدت حينها الأسواق نقصًا في الخامات إلى جانب ارتفاع أسعارها، ما دفع أعدادًا كبيرة من المنتجين إلى الخروج من السوق، بينما ترتبط الأزمة الحالية بشكل رئيسي بأسعار الدولار، متوقعًا انخفاض أسعار الأعلاف والخامات خلال الفترة المقبلة مع تراجع سعر العملة الأمريكية.
أستاذ إنتاج الدواجن: ارتفاع الأسعار متوقع
وقال الدكتور صلاح الصفتي، أستاذ ورئيس قسم إنتاج الدواجن بكلية الزراعة جامعة عين شمس، إن السوق يشهد حاليًا فائضًا في الإنتاج نتيجة زيادة المعروض، وهو ما تسبب في انخفاض أسعار البيض إلى مستويات لا تغطي تكلفة الإنتاج، مؤكدًا أن خسائر المربين تصل إلى نحو 40% في الطبق الواحد.
وأضاف، في حديثه لـ”القصة”، أن فتح أسواق تصديرية جديدة أصبح ضرورة للحفاظ على صناعة البيض، مع أهمية أن يغطي سعر البيع داخل المزرعة تكلفة الإنتاج ويوفر هامش ربح مناسبًا يضمن استمرار المربين، بما يحافظ على حجم المعروض ويمنع حدوث نقص في الأسواق.
وأشار إلى توقعه ارتفاع أسعار البيض خلال الفترة المقبلة، نتيجة خروج عدد من المربين بسبب الخسائر الكبيرة التي تعرضوا لها مؤخرًا.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن التصدير يجب أن يقتصر على الفائض بعد تحقيق الاكتفاء المحلي، مع ضرورة الحفاظ على المربي باعتباره الركيزة الأساسية لاستدامة الإنتاج، إلى جانب إحكام الرقابة على بورصة البيض، وتحقيق التوازن بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع، بما يضمن هامش ربح عادل للمنتج وسعرًا مناسبًا للمستهلك.
وبين بطء إجراءات التصدير، واستمرار خسائر المنتجين، وتزايد المخاوف من خروج المزيد من المربين من السوق، يبقى السؤال مطروحًا: هل يشهد سوق البيض موجة جديدة من الارتفاعات القياسية خلال الأشهر المقبلة؟