ليست القضية في صدق خبر منشور عن قيود جديدة ينوي البعض فرضها على الدراما، فحتى لو كان الخبر غير دقيق فإن الواقع يشهد أن بعض “الموظفين” وأنصاف الموهوبين يخشون من الفن.. ومن الحرية.
هؤلاء يريدونها دراما صامتة.. لا تقول شيئًا.
ويريدونه مجتمعًا “كرتونيًا” ليس فيه حكايات.
لا حكايات عن الناس، ملائكة وشياطين، ولا عن الشوارع بنظافتها وتلوثها، ولا عن الوجوه الجميلة والقبيحة على السواء.
بحسابات الإبداع، لم يكن الفن يومًا مرآة صامتة.
كان دائمًا صوتًا مشاغبًا مشاكسًا يحكي ما يتجنبه الآخرون، ويكشف ما يريد له البعض أن يختفي.
تريد اللجان التي تمارس وظيفة “الرقابة” أن تصمت الدراما ويتوارى الفن ويسكت الإبداع.
لا حديث عن الطلاق ولا الفساد ولا البلطجة.
لا حديث عن أخطاء البشر ولا هفوات الإنسان.
يريدونها رسائل معلبة زائفة سطحية ركيكة. ويريدونه مجتمعًا من ورق يمر أمام الكاميرا بسلام، فلا تلمحه ولا تسأله ولا تسائله.
دراما بلا صراع ولا أسئلة، وفن أقرب إلى نشرات الإنجازات!
نفس البلد الذي ضاق به الخيال إلى مساحة مرعبة، وشد خيوط الحصار على رقبة الإبداع، وطالب الفنان أن يرسم الصورة بلا ألوان ولا مشاعر، يمكن أن تقارنه الآن ببلد كان أكثر انغلاقًا، فصار يحتفي بالدراما والسينما والغناء والمسرح.
السعودية تطالب المبدعين بالخروج للنور، بينما بلد الإبداع تناشده أن يسير في حارة سد وأن يصدم رأسه في الجدار.
دولة تستثمر في الخيال وأخرى تحاصره وتراقبه وتدفع به إلى الظلام.
دولة تحتفي بالقوي الناعمة وأخرى تضع لها قائمة محظورات بليدة، وموظفون يقولون: احكوا ما نريد!
يتحججون بعقلية المتفرج كأنه طفل يحتاج إلى وصاية، أو صبي يخشى عليه من الحقيقة.
غضبنا ليس شخصيًا، بل محبة وانتماء.
مصر التي احتضنت الفن والمواهب لا يمكن ولا يجب أن يصمت صوت إبداعها أو يفرض عليه القيود.
مصر كبيرة بتاريخها الفني الذي يلامس السحاب، وبمبدعيها الذين ينيرون العقول.
مصر التي صدرت فنها للعالم، فوقف يحتفي بها العالم.
يا بلد الموهبة والإبداع:
الفن يواجه الواقع.
يكشفه.
يسأله ويسائله ويحاسبه.
يحرض على فهمه وتغييره.
والفنان لا يصنع دعاية.
بل يصنع حياة.
هذا البلد ليس أمامه إلا أن يفتح طريقًا أمام الفن الحقيقي، وأن يستثمر فيه بثقة، وأن يغامر ليصور نفسه للعالم بشكل مختلف وشجاع، وأن ينزع الأقفال عن نوافذ الإبداع، وأن يدع ألف زهرة تتفتح في دروب السينما والدراما والموسيقى والحياة.
مصر التي عرفها العالم بأنها بلد الفن لا يمكن ولا يجب أن تتراجع خطوة وراء خطوة حتى نكاد نطفيء مصباحًا كان يومًا مضيئًا ليتجاوزنا الآخرون.
بلد الفن لا يمكن ولا يجب أن يخاف من الفن، بل عليه أن يفتح الأبواب قائلًا: احك ما تريد.
لا يجب أن نرى الحكايات تكتب هناك.
وتُمسح هنا!