على وقع القصف وحظر التجوال ونزوح المدنيين، تعود مدينة حلب إلى واجهة الصراع السوري، لكن هذه المرة بسؤال أكثر خطورة من مجرد اشتباكات عسكرية: من الذي يقاتل فعلاً على الأرض؟ ومن يملك الشرعية؟
قرار ما يعرف بـ”الجيش السوري” تحويل حيي الشيخ مقصود والأشرفية إلى مناطق عسكرية مغلقة، واعتبار مواقع قوات سوريا الديمقراطية أهدافا مشروعة، فتح بابا واسعا للجدل حول طبيعة القوة التي تفرض سيطرتها داخل الجغرافيا السورية، وحدود دورها الحقيقي، وما إذا كانت تمثل دولة أم مجرد تكتلات مسلحة تتقاسم النفوذ باسم الشرعية.
بين رواية رسمية تتحدث عن “عملية عسكرية لإعادة السيطرة”، وشهادات ميدانية تحذر من أزمة إنسانية ونزوح جماعي، يذهب محللون إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن ما يجري في حلب ليس صراع دولة ضد خصومها، بل مواجهة بين قوى أمر واقع، تتحرك وفق مصالح إقليمية، على رأسها النفوذ التركي في الشمال السوري.
في هذه التقرير، نضع رواية الشارع الحلبي إلى جانب تحليل سياسي صادم، لتفكيك مشهد معقد تتداخل فيه الميليشيات والحدود والمصالح الدولية، وسط غياب مفهوم الجيش الوطني، وحضور السلاح كأداة وحيدة لفرض الأمر الواقع.
لا يوجد ما يسمى جيشاً سورياً بالمعنى الوطني أو النظامي
قال عصام سلامة، الكاتب الصحفي المتخصص في الشؤون العربية، إن إعلان ما يسمى بـ”الجيش السوري” عن تعليمات أو قرارات ميدانية أو ترسيم مناطق عسكرية داخل الجغرافيا السورية “لا يحمل أي دلالة حقيقية”، معتبرًا أنه لا يوجد حاليًا كيان يمكن وصفه بجيش سوري وطني أو نظامي.
وأوضح سلامة لـ”القصة” أن ما يطلق عليه اليوم “الجيش السوري” ليس سوى مجموعات من التنظيمات و الميليشيات المسلحة التي تكتلت لاحقًا و أطلقت على نفسها هذا المسمى، بعد اختفاء الجيش العربي السوري الذي كان، بحسب وصفه “الجيش الوطني الوحيد الممثل للدولة السورية”.
اتهامات بتصنيف دولي
وأكد أن هذه المجموعات ليست محل تصنيف شخصي، بل هي منظمات مصنفة دولياً على قوائم الإرهاب وفق قرارات أممية وتقارير من منظمات دولية، مشيرًا إلى أنها تحاول تسويق نفسها كقوة شرعية داخل الدولة السورية وفرض سيطرتها على أجزاء من الجغرافيا السورية تحت هذا الغطاء.
تناقض ميداني أمام إسرائيل
وأضاف سلامة أن ادعاء هذه المجموعات امتلاك القدرة العسكرية يتناقض مع عجزها الكامل عن مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في الجنوب السوري، حيث تتواجد القوات الإسرائيلية بشكل شبه يومي، وتقيم حواجز عسكرية وأمنية، وتنفذ عمليات اعتقال بحق المواطنين السوريين دون أي رد فعلي.
وأشار إلى أن هذه القوات “تتجنب تمامًا أي احتكاك مع إسرائيل”، رغم قدرتها المزعومة على شن عمليات داخلية ضد أطراف سورية أخرى.
البُعد التركي في التصعيد
وتابع أن التحركات العسكرية الأخيرة، خاصة في محيط حلب، ترتبط بشكل مباشر بحماية المصالح التركية، لافتاً إلى أن التصعيد جاء بعد زيارات لمسؤولين أمنيين أتراك إلى مناطق محددة، أعقبتها مباشرة اشتباكات بين هذه المجموعات وقوات سوريا الديمقراطية.
وأكد أن ما يجري ليس حدثا معزولا، بل حلقة متكررة من صراع يدار لخدمة أجندات إقليمية، على رأسها المصالح التركية.
تحركات أحمد الشرع
وأضاف سلامة أن التوغلات العسكرية للمجموعات التابعة لأحمد الشرع “أبو محمد الجولاني” في محافظة حلب تهدف إلى تأمين النفوذ التركي داخل المدينة، مشيرًا إلى أن الخطاب التركي لا يزال ينظر إلى حلب باعتبارها جزءًا من المجال التاريخي للدولة العثمانية.
وأوضح أن الدعم العسكري التركي لهذه المجموعات يتكرر على فترات، سواء عبر عمليات مباشرة أو عبر إسناد ميداني غير معلن.
تطور لافت.. اختفاء أحمد الشرع
وأشار إلى تطور وصفه بـ”اللافت والخطير”، يتمثل في اختفاء أحمد الشرع خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع اجتماع عقد في دمشق كان من المفترض أن يجمعه بقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، إلا أن الأخير حضر بينما غاب الشرع دون تفسير، واستمر غيابه لعدة أيام.
قسد مقابل المجموعات المسلحة
وأوضح سلامة أن الاشتباكات تصاعدت عقب هذا الاجتماع، مؤكدًا أن قوات سوريا الديمقراطية، رغم الجدل حول تسميتها، تعد قوة منظمة و نظامية، وسبق أن شاركت إلى جانب الجيش العربي السوري في محاربة تنظيم “داعش”، ولا تزال تشرف على سجون تضم عناصر من التنظيم.
وفي المقابل، وصف المجموعات الأخرى بأنها تجمعات مسلحة غير منظمة، تفتقر إلى أي بنية عسكرية حقيقية أو تسلسل مؤسسي واضح.
الغلبة للقوة الأكثر تنظيما
وختم سلامة بالقول إن الغلبة الميدانية تميل بطبيعتها للقوة الأكثر تنظيما و انضباطا، معتبرًا أن ما يسمى بـ”الجيش السوري” لا يمثل مؤسسة عسكرية نظامية بأي معيار، مستشهداً بظهور أحد ممثليه في اجتماع عربي سابق “دون أي خلفية عسكرية أو مؤسسية معترف بها”، ما يعكس حسب تعبيره طبيعة هذا الكيان غير النظامية.
قراءة ميدانية من داخل حلب
وفي سياق مختلف، قال عبد الكريم عمر الأكراد، أحد سكان مدينة حلب، إن قرار الجيش السوري اعتبار حيي الشيخ مقصود و الأشرفية مناطق عسكرية مغلقة يعكس تصعيداً كبيرًا ضد قوات سوريا الديمقراطية، ويأتي ضمن محاولة لإعادة فرض السيطرة على مناطق حساسة داخل المدينة.
وأكد الأكراد لـ “القصة” أن فرض حظر التجوال يزيد من الضغط على المدنيين بشكل مباشر، ويحد في الوقت نفسه من قدرة القوى الكردية على التحرك والرد، معتبرًا أن هذه الإجراءات تتجاوز كونها تدابير أمنية مؤقتة.
وأشار إلى أن هذه الخطوة تمثل مؤشراً على عملية عسكرية واسعة داخل حلب، خاصة في ظل وصول تعزيزات عسكرية واستهداف مواقع يشتبه في استخدامها لإطلاق القذائف الصاروخية، لافتاً إلى أن الاشتباكات الجارية ليست محدودة، وقد تتفاقم في حال توسعت رقعة العمليات.
خسائر متزايدة ومخاوف إنسانية
وأضاف أن الخسائر المدنية تتزايد بشكل ملحوظ نتيجة القصف وحركة النزوح، بينما لا تزال الخسائر العسكرية محدودة نسبياً، لكنها تعكس حدة التصعيد وخطورته.
وحذر الأكراد من أن استمرار حظر التجوال وإخلاء آلاف المدنيين قد يقود إلى أزمة إنسانية داخل المدينة، مع احتمالات نزوح جماعي واسع وزيادة الضغط على الأحياء والمناطق المجاورة.
موقف القوى الكردية واحتمالات التصعيد
وأكد أن القوى الكردية تسعى إلى حماية مناطق نفوذها، مع وجود محاولات تفاوضية مع الجيش السوري لتجنب خسائر أكبر، إلا أن الوضع بحسب وصفه “يبقى شديد التعقيد في ظل الضغوط العسكرية المتصاعدة”.
وتوقع أن مستقبل الوجود الكردي في حلب قد يتأثر بشكل مباشر بهذه التطورات، مع إمكانية تغيير التوازن العسكري والسياسي في شمال سوريا إذا نجح الجيش في السيطرة على مواقع استراتيجية.
وختم الأكراد بالقول إن احتمالات توسع الاشتباكات إلى أحياء أخرى لا تزال قائمة، محذراً من أن عدم احتواء الموقف سريعًا قد يدفع المدينة إلى مواجهة شاملة داخل حلب.
القرارات العسكرية أداة لفرض الأمر الواقع
في المحصلة، تكشف تطورات حلب الأخيرة عن مشهد يتجاوز حدود الاشتباكات العسكرية، ليعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة القوى المتحكمة في الميدان، وغياب مفهوم الدولة والجيش الوطني لصالح قوى أمر واقع تتصارع وفق حسابات النفوذ والمصالح الإقليمية.
وبين تحليل سياسي يشكك في شرعية ما يسمى بـ”الجيش السوري”، وشهادات ميدانية تحذر من كارثة إنسانية وشيكة، تبقى حلب مدينة معلقة بين التصعيد و الاحتواء، فيما يدفع المدنيون وحدهم ثمن صراع لا يملكون فيه قرارًا ولا خيارا، ومع اتساع رقعة التوتر، يظل السؤال مفتوحاً: هل تتجه المدينة نحو مواجهة شاملة، أم أن الحسابات الإقليمية ستفرض هدنة مؤقتة فوق ركام أزمة لم تجد بعد طريقها إلى الحل؟