أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

وصاية تنتهي بضم: سردية القانون بين نصوص لاهاي ووقائع القدس

كيف حولت إسرائيل القانون الدولي إلى غطاء للضم الدائم؟

يشهد الواقع في الأراضي الفلسطينية المحتلة تحولاً نوعياً عميقاً ينتقل من مفهوم الاحتلال العسكري المؤقت كما نظّره القانون الدولي إلى نموذج مرعب للاحتلال الدائم، هذا التحول لم يحدث عبر مجرد تجاهل القوانين الدولية، بل عبر آلية معقدة ومنهجية لاستغلال تلك القوانين نفسها وتوظيف لغتها وإجراءاتها وأطرها لإضفاء شرعية زائفة على ممارسات تهدف إلى ضم الأراضي فعلياً وقانونيا، لقد نجحت إسرائيل عبر عقود في تحويل القانون الدولي من أداة مقيدة لسلوك القوة المحتلة إلى أداة تبريرية تسوغ الاستمرار في انتهاك جوهره.

يشكل الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية منذ عام 1967 حالة استثنائية في القانون الدولي المعاصر، حيث تجاوز بكثير مفهوم الاحتلال المؤقت ليتحول إلى واقع دائم ومعقد يعرف في الأدبيات القانونية بالاحتلال الدائم، وهذا المفهوم يعني الاحتفاظ بالسيطرة العسكرية والقانونية على إقليم دولة أخرى لفترة طويلة تتجاوز الإطار الزمني المقبول، مصحوبة بتغييرات ديموغرافية وجيوسياسية تهدف إلى تقويض إمكانية الانسحاب. ومن هنا تنبثق الإشكالية المركزية، وهي تحول القانون الدولي من أداة تنظيمية تحكم سلوك المحتلين وفق أطر واضحة كاتفاقيات جنيف الرابعة ولائحة لاهاي إلى أداة تبريرية توظف لتسويغ انتهاكاته الجوهرية.

أخبار ذات صلة

نتنياهو: ندعو سكان غزة إلى المغادرة بسرعة قصوى
أول خطاب لـ نتنياهو بعد ضرب إيران.. ماذا قال؟
151702
سياسي أمريكي يرفض الحرب على إيران.. ماذا قال؟
نقابة الصحفيين
"الشؤون العربية" تنسق مع الخارجية بشأن الصحفيين المصريين العاملين في الخليج

تقوم فلسفة قانون الاحتلال الحربي على مبادئ أساسية: مؤقتية الاحتلال، وعدم انتقال السيادة، ووجوب عمل القوة المحتلة كوصي مؤقت يحافظ على النظام العام ويحمي السكان المدنيين، وحظر نقل سكانها المدنيين إلى الأرض المحتلة (المادة ٤٩ من اتفاقية جنيف الرابعة)، والحفاظ على الوضع الراهن وعدم إدخال تغييرات دائمة. واستمرار الاحتلال الإسرائيلي لأكثر من خمسة عقود مع تغيير متعمد للواقع على الأرض يخلّ بالغاية الأساسية من المؤقتية ويحولها إلى حالة دائمة تتعارض مع روح القانون الدولي.

ولتحقيق هذا التحول طورت إسرائيل منظومة قانونية معقدة لتبرير الاستيطان.

أولاً، تم توظيف الحجج الأمنية بشكل انتقائي وموسع، حيث استخدم مبدأ الضرورة العسكرية لتبرير مصادرة الأراضي لبناء المستوطنات تحت ذريعة الأمن، رغم أن هذه المستوطنات تعد تغييراً دائماً محظوراً.

ثانياً، أنتجت الأجهزة القانونية الإسرائيلية تفسيرات مبتكرة مثل نظرية الأرض المعلقة التي ادعت أن الضفة الغربية لم تكن خاضعة لسيادة شرعية لدولة عند احتلالها، وبالتالي لا تنطبق عليها اتفاقية جنيف بالكامل، كما حاولت التمييز بين الاستيطان المدني الاختياري وبين النقل القسري المحظور، وهو تمييز رفضته محكمة العدل الدولية.

لعب القضاء الإسرائيلي دوراً محورياً في هذه العملية؛ فالمحكمة العليا الإسرائيلية، رغم صورتها المستقلة، قبلت في كثير من الأحيان حجج الحكومة الأمنية وشرعنت سياسات مثيرة للجدل، كبناء الجدار الفاصل داخل الضفة الغربية رغم قرار محكمة العدل الدولية عام 2004، وسياسة الهدم الجماعي للمنازل.

كما ساعدت في ترسيخ نظام قضائي مزدوج، حيث يتمتع المستوطنون بحماية القانون المدني الإسرائيلي الكامل، بينما يخضع الفلسطينيون للقانون العسكري وقضاء عسكري تصل نسبة الإدانة فيه إلى 99%، مما يخلق تمييزاً قانونياً مؤسسياً.

تتجلى هذه الآلية بوضوح في دراسة حالتي القدس الشرقية ومرتفعات الجولان. ففي القدس استخدمت إسرائيل قوانين محلية مثل قانون أملاك الغائبين عام 1950 لمصادرة الأراضي والمباني الفلسطينية، حيث صودر أكثر من 35% من أراضي القدس الشرقية، كما وسعت حدود البلدية وأقرت القانون الأساسي القدس عاصمة إسرائيل عام 1980 في محاولة لخلق واقع ديموغرافي وقانوني جديد، متحدية بذلك المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة والقرار الدولي 478. وفي الجولان أقر الكنيست قانون مرتفعات الجولان عام 1981 لفرض القانون الإسرائيلي على الأرض السورية المحتلة، وهو ضم أعلن بطلانه في قرار مجلس الأمن 497.

واستكملت هذه الصورة بتشريعات كنيستية تكرس الهيمنة، مثل قانون القومية عام 2018 الذي جعل حق تقرير المصير حصرياً لليهود وخفض مكانة العربية، وقانون التسوية عام 2017 الذي شرعن بصفة استثنائية مستوطنات بنيت على أراض فلسطينية خاصة.

لمواجهة الانتقادات الدولية طورت إسرائيل ترسانة من الاستراتيجيات؛ فهي تستخدم لغة القانون تقنياً لحجب الانتهاكات، فتصور المستوطنات كتطورات مدنية والجدار كسياج أمني، وتتعامل مع النظام الدولي بانتهازية صارخة، فتستميت للدفاع عن عضويتها في الأمم المتحدة بينما ترفض مئات القرارات التي تنتقدها، وتعيد صياغة الإطار النقاشي لتحول النقاش من حقوق الفلسطينيين الأساسية إلى سردية تركز على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، مما يجعل أي نقد عرضة لاتهام معاداة السامية. والأهم أنها تستغل بجرأة الفجوة الهائلة بين إصدار القرارات الدولية وبين انعدام آليات تنفيذها الفعالة.

وهنا تكمن إخفاقات المجتمع الدولي الجسيمة؛ فالنظام يفتقر إلى آلية قوية لمحاسبة الدول المنتهكة، وآليات الأمم المتحدة رهينة للأجندات السياسية للقوى الكبرى، وفتاوى محكمة العدل الدولية استشارية وغير ملزمة، والمحكمة الجنائية الدولية تواجه عقبات سياسية وجدلاً حول ولايتها. كما أن هناك فجوة واسعة بين الخطاب الدولي والإجراءات الفعلية؛ فالدول تتصدر بيانات الإدانة لكنها تمتنع عن إجراءات رادعة كالعقوبات الاقتصادية، وتلعب الولايات المتحدة دوراً محورياً في تعطيل المساءلة باستخدام الفيتو في مجلس الأمن بشكل منهجي لحماية إسرائيل.

الخطر الأعمق لهذا النموذج يتعدى معاناة الفلسطينيين إلى التأثير المدمر على النظام القانوني الدولي برمته؛ فهو يؤدي إلى تآكل مصداقية القانون الدولي عندما تنتهك مبادئه الأساسية لعقود دون محاسبة، فيصبح مجرد كلام على ورق، ويعمل على تطبيع فكرة الاستثناء أو الخصوصية، مما يشكل سابقة خطيرة تسمح لأي دولة قوية بادعاء ظروف خاصة لتبرير انتهاكاتها. والأهم أنه يشكك في المفهوم التقليدي للاحتلال كوضع مؤقت، ويطرح أسئلة جوهرية عجز القانون الدولي عن إجاباتها: متى يتحول الاحتلال إلى ضم فعلي؟ وما هي التزامات القوة المحتلة بعد عقود من السيطرة؟ وما هي حقوق السكان تحت احتلال طويل الأمد؟

يكشف هذا التحليل أن إسرائيل لم تحول القانون إلى أداة تبرير عبر الانتهاك الصريح، بل عبر آليات معقدة كتطوير تفسيرات قانونية موازية، واستغلال الثغرات والمناطق الرمادية، وتوظيف القضاء المحلي لخلق سوابق قانونية تخدم الرواية الإسرائيلية، والاستفادة القصوى من عدم فعالية آليات الإنفاذ الدولية. وهذا يطرح تحدياً وجودياً للنظام القانوني العالمي، حيث يتحول من أداة لحماية الضعفاء إلى وسيلة في يد القوي لشرعنة الاستمرار في انتهاك الحقوق.

إن إعادة القانون إلى دوره التنظيمي الأصلي تتطلب أكثر من التأكيد على الثوابت؛ فهي تتطلب تطوير آليات إنفاذ أكثر فاعلية، ومواجهة الخطاب القانوني التبريري بخطاب بديل يستند إلى المقاصد الأساسية للعدالة الدولية، وإرادة سياسية جماعية لترجمة الإدانات إلى إجراءات فاعلة. والمواجهة الحقيقية اليوم ليست بين إسرائيل والفلسطينيين، بل بين نموذجين للنظام العالمي: أحدهما يقوم على سيادة القانون والمساواة، والآخر يقوم على منطق القوة وخلق الوقائع وإعادة تفسير القانون لتبريرها. استمرار المسار الحالي لا يهدد فلسطين فقط، بل يهدد الأسس التي يقوم عليها السلام والعدالة في عالمنا المعاصر.

غير أن هذه الصورة القاتمة ليست قدراً محتوماً؛ فبموازاة سيناريوهات التمادي تنبثق آليات مقاومة قانونية وسياسية تعيد الاعتبار للقانون، ويمر النضال من أجل استعادة دوره عبر تفعيل آليات المحاسبة الدولية، واستخدام الضغط الدبلوماسي الجماعي، وتجديد الخطاب الحقوقي ليرتبط بقضايا العدالة العالمية. وهنا يبرز دور المجتمع المدني والمقاومة القانونية في توثيق الانتهاكات، ومقاضاة المسؤولين، وكشف تناقضات خطاب التطبيع.

الخلاصة التي نصل إليها هي أن مستقبل الصراع ضد الاحتلال الدائم لا يحدده ميزان القوى المادي فحسب، بل أيضاً ميزان الشرعية الأخلاقية والقانونية. ورغم ضعف الآليات الدولية الحالية، إلا أننا لا بد أن نؤمن بأن الأنظمة القائمة على الظلم والاحتلال تحمل في داخلها بذور فنائها، وخاصة عندما تتمسك الشعوب بحقوقها وتبدع في أساليب نضالها. والقرار النهائي سيكون نتاجاً لتفاعل معقد بين إرادة الاحتلال في البقاء، وإرادة الشعب في التحرر، وقدرة المجتمع الدولي على استعادة ضميره القانوني.

في النهاية تبقى القناعة بأن القانون الدولي، رغم كل ثغراته، يمثل تراكماً لإنجازات البشرية الأخلاقية، وأن انتصار مبادئه ليس مسألة وقت بل مسألة إرادة جماعية وإصرار على أن تكون العدالة، وليس القوة، هي المعيار الحاكم في العلاقات بين الشعوب والأمم.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

حمدين صباحي
ماذا قال حمدين صباحي قبل ساعات من اندلاع الحرب على إيران؟
وزارة_الدولة_للإعلام_(مصر)
طلب عاجل من الحكومة لوسائل الإعلام بشأن الحرب الإيرانية الإسرائيلية.. فما هو؟
c5129bc1-41f0-4fda-8365-ec2e04608f13_16x9_1200x676
بسبب الضربات على إيران.. إسرائيل توقف إمدادات الغاز إلى مصر
5cdbad34-4e8f-4f5c-8ded-f1e3d0550c86
صحاب الأرض.. الأمل يولد مرتين رغم القصف

أقرأ أيضًا

منال لاشين
نص القصة.. التجديد والأخلاق 2
47c211bd-acf9-49bc-bdf2-0d9ee03719f5
بعيون إسرائيلية.. كيف حطمت مصر أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”؟
IMG_9646
وصاية تنتهي بضم: سردية القانون بين نصوص لاهاي ووقائع القدس
محمد المنشاوي
العائق الخفي في التنمية