في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، عاد ملف إعادة انضمام تركيا إلى برنامج مقاتلات F-35 إلى واجهة المشهد السياسي والعسكري، بما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الخطوة تمثل مجرد صفقة تسليح، أم أنها تأتي في إطار استراتيجية أمريكية أوسع لإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية وتعزيز منظومة الأمن في المنطقة.
صفقات السلاح.. أداة لإعادة هندسة التحالفات
وفي هذا السياق، قال السفير محمد حجازي مساعد وزير الخارجية الأسبق، لـ”القصة”، إن إعادة فتح ملف مقاتلات F-35 لا يمكن فصلها عن التحولات الجيوسياسية التي يشهدها الشرق الأوسط، موضحًا أن الولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى صفقات التسليح باعتبارها معاملات دفاعية تقليدية، بل باتت تستخدمها كأداة لإعادة هندسة شبكة التحالفات الإقليمية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
وأضاف أن واشنطن تدرك أهمية الموقع الجيوسياسي لتركيا باعتبارها عضوًا في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك نفوذًا مؤثرًا في البحر الأسود وشرق المتوسط وسوريا والعراق والقوقاز، وهو ما يجعل إعادة دمجها في برنامج المقاتلة الأمريكية جزءًا من تفاهمات سياسية وأمنية أوسع.
واشنطن وأنقرة.. تقارب بشروط جديدة
وأشار مساعد وزير الخارجية الأسبق، إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى تقليص الفجوة التي اتسعت خلال السنوات الماضية بينها وبين تركيا، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن أنقرة لم تعد تقبل العودة إلى صيغة العلاقات التقليدية السابقة.
وأوضح أن السياسة الخارجية التركية باتت تقوم على مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي”، من خلال الموازنة بين علاقاتها مع الولايات المتحدة وروسيا والصين، وهو ما يدفع واشنطن إلى التركيز على ضمان استمرار تركيا داخل الإطار الاستراتيجي الغربي، ومنع توسع شراكاتها الأمنية مع موسكو أو بكين.
تأثير محتمل على موازين القوى الإقليمية
وأكد السفير محمد حجازي أن عودة تركيا إلى برنامج F-35 ستمنحها قدرات عسكرية وجوية متقدمة تعزز من دورها في شرق المتوسط والبحر الأسود والشرق الأوسط، وترفع من مستوى الردع والمناورة العسكرية لديها.
ولفت إلى أن هذه الخطوة لن تؤدي إلى تغيير جذري في ميزان القوى الإقليمي، في ظل استمرار التزام الولايات المتحدة بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، سواء عبر امتلاكها المبكر للمقاتلة أو حصولها على منظومات دعم واستخبارات أكثر تطورًا.
استراتيجية أمريكية لإعادة ترتيب أمن المنطقة
وأوضح حجازي أن واشنطن ستحرص على الفصل بين الخلافات السياسية القائمة بين تركيا وإسرائيل وبين متطلبات التعاون العسكري داخل حلف الناتو، انطلاقًا من حرصها على الحفاظ على توازن دقيق بين اثنين من أبرز حلفائها في شرق المتوسط.
واختتم بالتأكيد على أن ملف F-35 تجاوز كونه قضية تسليح، ليصبح مؤشرًا على إعادة صياغة التوازنات الإقليمية، وأن أي خطوة أمريكية لإعادة دمج تركيا في البرنامج ستكون جزءًا من استراتيجية أشمل لإعادة ترتيب منظومة الأمن في الشرق الأوسط، في ظل تصاعد المنافسة الدولية وتغير أولويات السياسة الأمريكية.
تحول في السياسة الأمريكية تجاه أنقرة
ومن جانبه، قال أبو بكر خلاف الباحث في العلاقات الدولية والشأن التركي، لـ”القصة”، إن إعادة فتح ملف مقاتلات F-35 تمثل تحولًا سياسيًا مهمًا في طريقة تعامل الإدارة الأمريكية مع تركيا، موضحًا أن المؤشرات التي ظهرت خلال قمة حلف الناتو الأخيرة تعكس وجود إرادة سياسية لدى الجانبين لتحسين العلاقات، مع استمرار المفاوضات الفنية والقانونية بشأن مستقبل التعاون الدفاعي.
وأضاف أن واشنطن باتت تنظر إلى تركيا باعتبارها شريكًا محوريًا في ملفات البحر الأسود وأوكرانيا وسوريا والعراق وإيران وشرق المتوسط، وهو ما عزز من أهمية إعادة فتح هذا الملف بعد سنوات من التوتر.
صفقات السلاح.. أداة تفاوض وليست تجارة فقط
وأكد أبو بكر خلاف، أن صفقات التسليح الأمريكية لا تُدار باعتبارها صفقات تجارية فحسب، وإنما تمثل إحدى أهم أدوات السياسة الخارجية الأمريكية، إذ تستخدمها واشنطن للتأثير في خيارات حلفائها العسكرية والأمنية.
وأشار إلى أن استبعاد تركيا من برنامج F-35 وفرض عقوبات عليها بسبب منظومة S-400 الروسية شكلا أدوات ضغط واضحة، فيما يمثل الحديث اليوم عن رفع العقوبات وإعادة فتح الملف حافزًا لدفع أنقرة نحو تعزيز اندماجها داخل المنظومة الدفاعية الغربية، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن تركيا تمتلك أوراقًا تفاوضية مهمة، أبرزها موقعها الجغرافي ودورها داخل الناتو وتنامي صناعاتها الدفاعية.
تركيا في قلب إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية
وأوضح أبو بكر خلاف أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى إنشاء تحالفات جديدة بقدر ما تعمل على إعادة توزيع الأدوار بين حلفائها، بما يخفف عنها الأعباء العسكرية والأمنية في ظل تعدد بؤر الصراع.
وأضاف أن أهمية تركيا تتزايد بفضل موقعها الاستراتيجي بين أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود، فضلًا عن تأثيرها في ملفات سوريا والعراق والعلاقات مع روسيا وإيران، وهو ما يجعلها شريكًا لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات أمنية إقليمية جديدة.
عقبة S-400.. الاختبار الحقيقي للاتفاق
وأشار الباحث أبو بكر خلاف إلى أن العقبة الرئيسية أمام عودة تركيا إلى برنامج F-35 ما تزال تتمثل في استمرار امتلاكها منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400، إذ تربط القوانين الأمريكية وقرارات الكونغرس أي تقدم في هذا الملف بمعالجة هذه القضية بما يضمن عدم تعريض التكنولوجيا الأمريكية للخطر.
واختتم بالتأكيد أن ما يجري حاليًا ليس صفقة بسيطة عنوانها الحصول على مقاتلات F-35، وإنما تفاوض على حزمة استراتيجية متكاملة، تسعى واشنطن من خلالها إلى تعزيز التزام أنقرة بالمنظومة الغربية، بينما تطمح تركيا إلى رفع العقوبات واستعادة مكانتها داخل البرنامج والحصول على التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، مؤكدًا أن مستقبل هذا المسار سيظل مرهونًا بكيفية معالجة ملف S-400 وقدرة الإدارة الأمريكية على تجاوز العقبات القانونية والسياسية.