لم يعد يمرُّ يوم دون أن تعكر أسماعَنا أصواتٌ نشاز، رأى أصحابها أنَّ فرس الرهان لتحقيق الشهرة والذيوع، هو هدم الثوابت والتجرؤ على الدين.
فبنظرة سريعة لما أُثير من قضايا لاكتها الألسنة مُؤخرا، نلحظ تنامي خطر أعداء الدين، الذين جعلوا جُلّ همهم اجتثاث الدين من شأفته، بهدم ثوابت، توارثها النّاسُ جيلا تلو جيل، والتشكيك في القيم، التي تربّى عليها سلفُنا الصالح، وأسهمت في تخريج كوكبة من العلماء والمفكرين سادوا الدنيا ونشروا العلم في شتى ربوع الأرض.
إنّ ما جرى ويجري من لغط وبلبلة جراء الدعوات المغرضة، التي يؤججها ذوو المآرب الخبيثة، أكبرُ دليل على عدم فهمنا لمعنى حرية الرأي، التي يُطالب بها النخبة في كلّ محفل، والتي دوّى صداها عقب ثورات الربيع العربي، التي ظننا ـ وبعض الظن إثم ـ أن وراءها أمنا ورخاء، فأتت الرياح بما لا تشتهي السفن، وخرجت تلك الثورات عن إطارها الصحيح، وصارت ثورات على القيم، وتجرُّءا على الأخلاق والفضائل!
فلم تخمد عواصفُ المشككين في التراث أمثال البحيرى، والشاتمين للصحابة أمثال ميزو، والمبيحين للزواج العرفى، والمُوالين للشيعة، حتى دوّى رعدُ الشوباشى داعيا إلى خلع الحجاب عبر تظاهرة تخرج فيها النساء الرافضات للعفّة، ويحميها الرجال الذين يقرّون الدياثة، ويروّجون للسفور.
ومن بعد هؤلاء خرج علينا مؤخرا الإعلاميان إبراهيم عيسى ومحمد الباز، وشكّكا في كثيرٍ من السنّة النبوية، والأحداث التاريخية تشكيكا يفتقد للمنهج، ويفتقر إلى الدليل.
إنّ وسطية الإسلام، التي وصف الله بها أمة حبيبه ومصطفاه محمد، كما أنّها تعني عدم «الإفراط» أي المبالغة والتشدد، فإنّها تعني أيضا عدم «التفريط»، أي تضييع الدين وفكّ عراه.
فرفقا بنا أصحاب هذه الدعاوى، فمصرُ التي شرّفها الله كمكان في كتابه العزيز، فقال سبحانه: {اهبطوا مصرا فإنّ لكم ما سألتم}، وقال سبحانه: {ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين}، ومدح النّبىُّ أهلها فى سنته، فقال صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بأهل مصر خيرا، فإنّ لنا فيهم نسبا وصهرا)، لن تقبل التطرف الفكري بنوعيه: (الإفراط والتفريط)، فكما أنّها تُحارب الإرهاب وتتصدى للفكر الداعشي، الذي لا يعبأ بالدم، ويُثمّن القتل والحرق والتعذيب، فإنّها ترفض أيضا وبشدة التفريط في الشّرف والعفة، ومحاربة الحجاب، الذي هو من أصول الدين، وارتدته أمهاتُنا الأوليات المشهود لهن بالعفة والطهر.
إنّ غضّ الطرف عما نعانيه من مشاكل اقتصادية تتطلب تضافر كلّ القوى الاقتصادية لحلها، ومشاكل أمنية في مقدمتها الإرهاب الأسود، والانشغال بقضايا فكرية تُثير اللغط وتنشر البلبلة، نوعٌ من الخلل الفكري، الذي نربأ بمفكرينا أن يتّصفوا به.
وحسنا فعل ويفعل الإمامُ الطيب شيخُ الأزهر بجهاده المستميت، ووقوفه ضدّ كلّ صور الخلل الفكري، وكذلك علماء الأزهر الأثبات، الذين تصدوا لذلك الخطر الفكري، وأوقفوا مدّه، بما عقدوه من مناظرات كالتي كانت بين البحيرى والدكتور أسامة الأزهرى، بمصاحبة الحبيب بن علي الجفري، حيث كشفا سويا ضلالات البحيرى، الذي بدا مُضطربا خائرا ضعيف الحجة عاجزا عن الرد. كما رفض الأزهر وبشدة دعوة الشوباشي لخلع الحجاب؛ إيمانا بأنّ الحجاب دليلٌ على الحياء والعفة اللذين يعدّان من ثوابت الدين.
وحسنا كذلك ما يفعله المفكر د. حسام عقل، خلال بثّه الأسبوعي، وبرنامجيه المميزين على قناة الندى الفضائية «حائط صد»، و«تنويريون»، اللذين يناقش فيهما الفكر المغلوط لهؤلاء التنويريين والعلمانيين والملحدين، ويقرع الحجّة بالحجة، والرأي بالرأي.
وهنا أؤكد أنّه إنْ لم تُجابَه تلك الآراء الهدّامة، والأباطيل السّمجة وبشدة، ليس في مصر وحدها، بل في كلّ البلاد العربية والإسلامية، فسيكون هذا مُسوّغا لظهور آراء أشدّ قبحا، تأباها الفِطرُ، وتُحرّمها الأديان، ولله درُّ شيخ المعرّة:
هل صحَّ قولٌ من الحاكي فنقبَله / أم كلُّ ذاك أباطيلٌ وأسمار ؟!