حين يعلن التنسيق قبول طالب في كلية الطب، تبدو الصورة بالنسبة لكثير من الأسر المصرية وكأن مرحلة التفوق قد اكتملت، فالمجاميع المرتفعة في الثانوية العامة ارتبطت لسنوات بصورة ذهنية عن مستقبل مهني واعد خاصة في كليات الطب التي تتصدر اختيارات الطلاب.
لكن مع إعلان نتائج الفرقة الأولى، تظهر مفارقة لافتة رصدناها في “القصة” إذ تصطدم درجات القبول المرتفعة بنسب رسوب مرتفعة في عدد من كليات الطب خاصة في عدد من كليات الطب الحكومية لتطرح تساؤلات حول الفجوة بين معايير التفوق في الثانوية العامة ومتطلبات الدراسة الطبية.
كيف يتحول طالب الأمس الحاصل على أعلى المجاميع إلى راسب في سنته الجامعية الأولى؟ وهل تكشف هذه الفجوة اختلافاً بين المهارات التي تقيسها الثانوية العامة وتلك التي تحتاجها دراسة الطب؟
ماذا تقول الأرقام؟
لا تقتصر الظاهرة على كلية واحدة إذ تكشف نتائج الفرقة الأولى في عدد من كليات الطب الحكومية بالصعيد عن نسب نجاح أثارت تساؤلات بين الطلاب والمتابعين للشأن التعليمي.
ففي كلية الطب بجامعة سوهاج بلغت نسبة النجاح هذا العام 48%، بينما سجلت كلية الطب بجامعة أسيوط 41%، ووصلت في كلية الطب بجامعة قنا إلى 30%، كما بلغت نسبة النجاح في كلية طب الأسنان 33%.
ولا تبدو الظاهرة مرتبطة بعام واحد فقط، إذ تشير نتائج السنوات الأخيرة إلى استمرار انخفاض نسب النجاح في بعض الكليات مع اختلاف النسب من عام إلى آخر.
ومن هذا الواقع يتحدث الدكتور قاسم فتحي، استشاري أمراض الباطنة والقلب في تصريحات خاصة لـ “القصة” مؤكداً أن معدلات الرسوب الحالية تمثل تغيراً لافتاً مقارنة بالسنوات السابقة، موضحاً أن نسب الرسوب خلال فترة دراسته والدفعات القريبة منها لم تكن تتجاوز نحو 5%.
ويشير فتحي إلى أن كلية الطب بجامعة سوهاج كانت دائماً من بين كليات الطب الأعلى في درجات القبول، وكانت تستقبل طلاباً من أصحاب المجاميع المرتفعة موضحاً أن ارتفاع نسب الرسوب بهذا الشكل يستدعي البحث عن أسباب هذا التحول، خاصة مع ثبات عدد من عناصر المنظومة التعليمية.
من قمة الثانوية إلى صدمة الطب
ويقول محمد منصور طالب الفرقة الأولى بكلية الطب جامعة المنيا، والحاصل على 96.8% في الثانوية العامة إن الانتقال إلى دراسة الطب كان مختلفاً تماماً عن تجربته السابقة في التعليم.
وأوضح أنه كان الأول على مدرسته لكنه فوجئ منذ بداية الدراسة بكمية المراجع والمصطلحات الطبية، واكتشف أن طريقة الحفظ التي اعتمد عليها في الثانوية لم تعد كافية إذ تتطلب دراسة الطب فهماً وتحليلاً أكثر من مجرد استرجاع المعلومات.
ويرى منصور أن تعثر بعض الطلاب قد لا يرتبط بضعف قدراتهم وإنما بصعوبة الانتقال إلى نمط التعلم الجامعي، مؤكداً أن الطالب يحتاج إلى تغيير طريقة مذاكرته مبكراً حتى يستطيع مواكبة طبيعة الدراسة الطبية.
وفي المقابل، يكشف أحد طلاب الفرقة الأولى بكلية الطب البشري جامعة سوهاج طلب عدم ذكر اسمه، عن تجربة مختلفة موضحاً أن حصوله على 94% في الثانوية العامة لم يكن كافياً للاستعداد لمتطلبات الكلية.
ويقول الطالب إن حصوله على مجموع مرتفع في الثانوية العامة لم يكن انعكاساً كاملاً لقدراته الدراسية، موضحاً أن بعض الطلاب قد يصلون إلى كليات القمة دون امتلاك المهارات التي تتطلبها الدراسة الجامعية وهو ما اكتشفه بعد دخوله كلية الطب.
ويرى أن مجموع الثانوية العامة لا يعكس بالضرورة استعداد الطالب لدراسة الطب، موضحاً أن الكلية تحتاج إلى مهارات مختلفة مثل الفهم والتحليل والقدرة على التعلم الذاتي وليس الاعتماد على الحفظ المؤقت للمعلومات.
بين الطالب والمنظومة.. أين بدأ الخلل؟
وبينما يرى الطلاب أن الصدمة الأساسية كانت في اختلاف طبيعة الدراسة يفسر الدكتور قاسم فتحي أن السؤال الأهم يتعلق بالمتغير الذي أدى إلى هذا التحول.
ويوضح فتحي أن المناهج الدراسية وأعضاء هيئة التدريس لم تشهد تغيراً جوهرياً خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يستدعي البحث في مدى استعداد الطلاب الجدد قبل الالتحاق بالكليات الطبية خاصة أن دراسة الطب لا تعتمد على الحفظ فقط وإنما تحتاج إلى قدرات متنوعة تشمل الفهم والتحليل وربط المعلومات.
ويشير إلى أن الثانوية العامة تقيس جانباً محدداً من قدرات الطالب، بينما تتطلب الدراسة الطبية مهارات أخرى موضحاً أن حصول الطالب على مجموع مرتفع لا يعني بالضرورة امتلاكه جميع الأدوات اللازمة للاستمرار في كلية الطب.
هل طريقة التقييم جزء من الأزمة؟
ويرى فتحي أن أساليب التقييم تحتاج إلى مراجعة، موضحاً أن الاعتماد الكامل على أسئلة الاختيار من متعدد قد لا يكشف جميع قدرات الطالب، إذ قد يتعامل بعض الطلاب مع المادة باعتبارها معلومات مؤقتة للامتحان بينما تحتاج دراسة الطب إلى الاحتفاظ بالمعرفة والقدرة على استخدامها خلال سنوات الدراسة.
ويقترح الدمج بين الأسئلة الموضوعية والمقالية للوصول إلى تقييم أكثر شمولًا لمستوى الطالب.
لماذا لا تظهر الظاهرة بنفس الشكل في كل الكليات؟
وعلى الجانب الآخر، تقدم الدكتورة إنجي حسن طبيبة بشرية حديثة التخرج من كلية الطب بجامعة الزقازيق، صورة مختلفة عن واقع الدراسة في جامعتها موضحة أن نسب الرسوب المرتفعة لم تظهر بالشكل نفسه لديها.
وتقول إن طبيعة الامتحانات في طب الزقازيق تعتمد على مزيج بين أسئلة الاختيار من متعدد والأسئلة المقالية مشيرة إلى أن تعاون أعضاء هيئة التدريس مع الطلاب ووضوح مصادر المذاكرة يساعدان على تقليل الفجوة بين الطالب ومتطلبات الدراسة.
لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن الانتقال من الثانوية العامة إلى كلية الطب يمثل تحديًا لجميع الطلاب بسبب اختلاف طبيعة الدراسة والاعتماد على اللغة الإنجليزية والمصطلحات الطبية وهو ما يجعل الطالب بحاجة إلى التكيف مع أسلوب جديد في التعلم.
وتوضح حسن أن صعوبة الدراسة الطبية ليست ظاهرة مرتبطة بكلية أو إقليم بعينه، مشيرة إلى أن طبيعة الدراسة في كليات الطب المختلفة متقاربة وأن وجود مناهج كثيفة وامتحانات صعبة لا يعني بالضرورة ارتفاع نسب الرسوب إلى هذه المستويات.
وتضيف أن بعض الكليات مثل قصر العيني مجاميع الطلاب بها قد تكون قليلة مقارنة ببعض كليات الطب الأخرى نظراً لصعوبة الإختبارات بها، ورغم ذلك تظل نسب النجاح في الحدود المعتادة وهو ما يشير إلى أن ارتفاع الرسوب بهذا الشكل يحتاج إلى بحث في عوامل أخرى بجانب صعوبة الدراسة نفسها.
هل السنة التمهيدية هي الحل؟
وبينما يقترح فتحي وجود مرحلة تمهيدية قبل الالتحاق بالكليات الطبية لتقييم استعداد الطلاب وقدراتهم، ترى الدكتورة إنجي حسن أن الحل لا يجب أن يقتصر على إضافة سنوات جديدة للدراسة، وإنما يبدأ من تحسين مرحلة الإعداد قبل دخول الجامعة ومساعدة الطلاب على الانتقال بشكل أكثر تدريجياً من نظام الثانوية العامة إلى طبيعة التعليم الطبي.
وبين مجاميع الثانوية العامة ومتطلبات دراسة الطب تكشف التجارب المختلفة أن الفجوة لا يمكن اختزالها في سبب واحد؛ فالطالب يواجه انتقالاً من نظام تعليمي يعتمد بدرجة كبيرة على تحصيل الدرجات إلى بيئة جامعية تتطلب الفهم والتحليل والتعلم الذاتي.