أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

حسام مؤنس يكتب: “صباحي” مرشحًا للرئاسة في 2014.. لماذا وكيف؟ (2-2)

(1)

قبل أيام من الاستفتاء على التعديلات الدستورية، دعا وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي في إحدى الندوات التثقيفية للقوات المسلحة إلى ضرورة المشاركة في الاستفتاء على الدستور، وألمح بشكل مباشر للمرة الأولى أنه على استعداد للترشح إذا طلب منه الشعب ذلك. وقرب نهاية يناير 2014، وبعد أيام قليلة من إعلان الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور تعديل خارطة الطريق بإجراء الانتخابات الرئاسية أولاً، أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة بيانه الذي أعلن فيه قراره أن يترك للسيسي (أن يتصرف وفق ضميره الوطني ويتحمل مسؤولية الواجب الذي نودي إليه).

قبل ذلك وأثنائه وبعده، كانت النقاشات الداخلية في التيار الشعبي تتواصل بشكل جاد وأحياناً حاد، بين وجهة نظر ترى ضرورة ترشح صباحي، ووجهة نظر تخشى التعجل في ذلك القرار مع تزايد احتمالات ترشح السيسي، وكان كل طرف يطرح وجهة نظره، ويضغط من أجلها، وشهدت تلك المرحلة قبل الاستفتاء على الدستور وبعده عدة جلسات بين شباب التيار وبين صباحي شخصياً، كما سبقها لقاءات له مع مؤسسي حملة مرشح الثورة، التي كانت قد حسمت موقفها تقريباً أن يكون صباحي هو مرشحها، وفي كل مرة خلال تلك المرحلة كان الشباب يطرحون وجهة نظر مؤداها أن صباحي هو المرشح الأقرب للتعبير عن قوى الثورة بحكم تاريخه النضالي وبحكم تجربته الانتخابية في 2012 وما حققه فيها من معدلات تصويت اقتربت من الخمسة ملايين وتوجته زعيماً للمعارضة المدنية، وكذلك بحكم أنه لا يوجد غيره من أعلن طوال الفترة السابقة عن نيته أو تفكيره جديّاً في الترشح، وأنه حتى لو استجاب السيسي بالفعل للدعوات لترشيحه، والتي بدأت مؤشراتها تتصاعد وتتزايد وتبدو أقرب للحسم، فإنه لا يليق بمصر بعد ثورتين أن يعود مشهد الانتخابات الرئاسية فيها لمرشح وحيد بما يعيدها لأجواء الاستفتاء، كما أن مؤشرات الشهور السابقة في عدة مواقف وأحداث لا تبشر بأننا سنكون أمام ما نطمح إليه في تجربة انتقال للدولة المدنية الحديثة ولحكم ديمقراطي كما نتصور وأن الحريات السياسية والعامة قد تشهد تقييداً وتضييقاً بحكم العقلية الأمنية والعسكرية لذا فإننا نحتاج لرئيس سياسي مدني، ثم أنه حتى وإن كانت فرص الفوز بالانتخابات محدودة فإن الرسالة التي يقدمها ترشح صباحي هي أن قوى الثورة لم تتقاعس عن تقديم بديل سياسي للمصريين ببرنامج ومشروع يسعى لتحقيق أهداف الثورة، كما أنها تفتح الباب للحفاظ على مساحة لبناء كتلة معارضة ديمقراطية واستكمال بناء أو تأسيس تنظيمات سياسية تحافظ على مساحات العمل السياسي والحريات العامة وتستعد للانتخابات البرلمانية التالية على الانتخابات الرئاسية.

أخبار ذات صلة

السيسي في مجلس النواب
تفاصيل رفض السيسي 3 قوانين وإعادتها للبرلمان.. تعرف عليها
عمرو دياب
أحمد الدماطي يكتب: عمرو دياب.. القدرة على إسعاد الناس
2bd89ad9-e367-478e-9604-f5d7c29abe89
حسام مؤنس يكتب: "صباحي" مرشحًا للرئاسة في 2014.. لماذا وكيف؟ (2-2)

بعض هذه الاجتماعات واللقاءات شهدت مشاهد عديدة مؤثرة للغاية، تدل على مدى نبل وصدق وحلم الساعين من أجل أن يكون لهم مرشح وصوت وموقف في هذه الانتخابات، وكذلك مدى مصداقية وحرص وقلق صباحي من الآثار السلبية التي قد تنعكس على هؤلاء الحالمين إذا انكسر حلمهم، ومن بينها بكاء أحد الشباب وهو يؤكد أنه إذا لم يجد مرشحاً يعبر عن الثورة وبرنامجها في تلك الانتخابات فلن يفكر سوى في السفر والهجرة، وشابة أخرى كانت تذكر صباحي بأغنية (الشارع لنا) وهي تردد (كان وعد منك.. كان حلم منا)، فضلاً عن أصوات تذكر صباحي بتضحيات شهداء لا رهان على تحقيق أحلامهم إلا عبر أن تحكم الثورة وتحقق برنامجها، وقول أحدهم إنه لو كان محمد الجندي – أحد شهداء التيار الشعبي وقت سلطة الإخوان – بيننا في أحد تلك الاجتماعات لكان مؤيداً وداعماً لقرار الترشح.

ومع مرور الوقت، والخشية من أن يظل الخلاف قائماً دون حسم، وحالة التردد والارتباك مستمرة دون قرار، وبما قد يمثله ذلك من تأثير على بنية التيار الشعبي وتماسكه، فقد انتهى مجلس أمناء التيار الشعبي في أحد اجتماعاته خلال تلك الفترة، وفي ظل قراره السابق بتأجيل البت في موقفه من الانتخابات الرئاسية لحين الانتهاء من الاستفتاء على الدستور، وبعد تصويت مبدئي انحاز فيه الأغلبية لقرار ترشيح صباحي، أن يؤجل تصويته النهائي لاجتماع آخر لحضور عدد أوسع من أعضاء المجلس، وأن يكلف المكتب التنفيذي للتيار الذي كان أغلب قوامه من الشباب أن يستطلع رأي وحدات التيار التنظيمية، وأن يقدم تقريراً بها لمجلس الأمناء ليسترشد بها قبل تصويته النهائي، خاصة أن الملامح كانت قد اتضحت من مختلف الجوانب تقريباً، فقد تقرر رسمياً إجراء الانتخابات الرئاسية أولاً، وكان ترشح السيسي أصبح مرجحاً في ضوء الإشارات التي جرت خلال الفترة الأخيرة، وكان واضحاً انقسام النخب والأحزاب والقوى السياسية بشكل كبير في الموقف من الانتخابات الرئاسية وبما في ذلك أطراف جبهة الإنقاذ التي كان التوافق العام داخلها على إعلان حلها بعد إعلان نتائج الاستفتاء على الدستور، والوقت يضيق ويقترب، وبالتالي فلم يعد من مبررات للتأجيل.

(2)

حتى ذلك الحين لم يكن القرار قد حسم، ولم يكن صباحي قد انتهى لموقف نهائي، وكانت الكفة داخل صفوف التيار راجحة لصالح ترشحه، مع بعض وجهات النظر المعارضة لذلك، وكانت المشاورات مع أطراف وشخصيات وممثلي قوى شبابية أخرى أكثر ميلاً وجهة النظر التي يطرحها شباب التيار الشعبي، مع وجود وجهة نظر حاضرة أيضاً تتبنى خيار المقاطعة، وهو ما كنا نختلف معه بوضوح لا رهاناً على الفوز بالانتخابات وإنما إيماناً بأن هناك فرصة في حدها الأدنى لطرح خطاب الثورة وأفكارها وبناء كتل سياسية وتنظيمية متماسكة، ورفضاً لفكرة أن تترك الساحة خالية لمرشح واحد بما يعيد مصر لمشاهد الاستفتاء.. بالإضافة إلى ذلك فقد كان حاضراً في خلفيات النقاش خاصة داخل التيار الشعبي الذي تشكل كإطار تنظيمي يجمع أفراداً من قوى سياسية متنوعة ومستقلين ومواطنين من مختلف أنحاء الجمهورية، وغلب على تركيبته الشباب، ولعب دوراً أساسياً كرأس حربة في مواجهة سلطة الإخوان، وكان يبشر بفرص بناء تنظيمي واعدة قابلة للنمو، طبيعة مستقبل هذا الإطار، في حال عدم خوض مؤسسه ورمزه الانتخابات الرئاسية في ظل حماس قطاع واسع من شبابه لذلك الاختيار، وكذلك مستقبله كإطار تنظيمي ووضعه القانوني، وهي مسائل كانت النقاشات حولها قد بدأت في مراحل سابقة أثناء الحديث عن الإعداد لانتخابات برلمانية وقت حكم الإخوان قبل بدء الدعوات لـ30 يونيو.

ومن هنا فقد كان هناك بعد آخر ليس غائباً عن أذهان بعض قيادات وشباب التيار حول مستقبل هذا التنظيم الذي مثل تجربة مهمة في تجمع قطاع واسع من المنتمين لثورة يناير ويونيو.

كما كشفت النقاشات والمداولات والمشاورات في تلك المرحلة عن اختلافات حقيقية وجادة في طرق التفكير والتفاعل، بعضها بحكم فروق السن والجيل، وبعضها بحكم فروق التجارب وطرق التفكير، فقد كان الشباب ومع كونه أكثر حماساً وربما اندفاعاً في رأي البعض، إلا أن مساحات ما يجمع شباباً من خلفيات سياسية وتنظيمية متنوعة ومختلفة بدا في كثير من المواقف وطرق التفكير أنهم أقرب لبعضهم البعض من التقارب بينهم وبين المنتمين لخلفياتهم الفكرية والسياسية. وكان الانحياز للديمقراطية والحريات كأولوية مثالاً على بعض تلك الاختلافات، كما كانت طرق وأساليب الحسابات والتوازنات السياسية في تلك المرحلة مثالاً آخر.

كما كان نوع الخطاب الذي يرى الشباب أهمية طرحه وتبنيه، والقطاعات التي نحتاج للتوجه لها والتركيز عليها، أيضاً من بين المساحات الأخرى التي كانت محلاً للاختلاف.

لذلك لم يكن الموضوع اختلافاً في وجهات النظر حول الموقف من الترشح لانتخابات في ظرف معين مليء بالحسابات المعقدة فحسب، بل كان تعبيراً عن مساحات اختلاف أوسع وأعمق، كانت قد بدأت تتضح مع ثورة 25 يناير.

والغرض من طرح ذلك ليس لوماً أو إبرازاً لخلاف مع قيادات كانت ولا تزال محل تقدير واحترام وثقة ويقين في إخلاصها وإيمانها بما تطرحه وتتبناه من أفكار ومواقف ووجهات نظر، ولا تعبيراً عن نظرية تقليدية تفسر تلك الاختلافات فقط بمسألة الأجيال، خاصة أن بعض الرؤى والمواقف التقت وتطابقت فيها مواقف أطراف من أجيال مختلفة، وإنما تعبير عن حقيقة تجسدت في تفاصيل عديدة كانت تعبر بشكل أكبر وبإيجاز قد يكون مخلاً عن أن التجارب والخبرات المختلفة والمتنوعة قد أثرت دون شك في وعي ورؤية ومواقف أصحابها، وقد كان لمن شاركوا في يناير كتجربتهم السياسية الحقيقية الأولى مساحة واسعة من ذلك بما جعل كثيرين منهم يجمعهم كما ذكرت ما يمكن تسميته بـ(طرق تفكير متقاربة) و(أولويات وانحيازات متماثلة) بشكل يختلف عن غيرهم.

(3)

بالتزامن مع استطلاع رأي وحدات التيار الشعبي، التي كان عددها قد بلغ 291 وحدة لها تشكيل تنظيمي في 26 محافظة على مستوى الجمهورية، ومع تصاعد ما يمكن تسميته بوضوح ضغوط على صباحي ليحسم قراره سواء من خلال اجتماعات وجلسات، أو تشبيك مع مجموعات وشخصيات سياسية وشبابية تتبنى نفس وجهة النظر الداعمة لترشحه، أو بيانات مفتوحة للتوقيع الجماعي شهدت توقيع آلاف المصريين وفي قلبهم شباب القوى السياسية والذي صدر بعنوان (بأمر الشباب: احسم قرارك) وحمل صيغة خطاب موجه لصباحي يطرح أسباب التمسك بدعوته للترشح، أو وقفات أمام مقر التيار الشعبي تدعو صباحي لإعلان ترشيحه مثل الوقفة التي نظمتها حملة مرشح الثورة، أو مؤتمر تكريم الشهداء الذي انعقد بمركز إعداد القادة في فبراير 2014 وققبل أيام قليلة من اجتماع مجلس الأمناء المقرر أن يتخذ قراره النهائي، والذي تحول – بمنتهى الشفافية والصراحة – عن عمد وتخطيط وتنسيق مسبق لتجمع شبابي واسع من شباب التيار الشعبي وطلابه الذين حضروا من معسكرهم التثقيفي الصيفي مباشرة لحضور ذلك المؤتمر، وغيرهم من شباب القوى السياسية والثورية لمطالبة صباحي بإعلان ترشحه، ولم يكن الغرض بالتأكيد إحراجاً لصباحي أو لأصحاب وجهة النظر الأخرى، وإنما كان بالأساس لإظهار حجم الدعم فكرة ترشح صباحي ومدى حماس قطاعات واسعة من الشباب لخوض تلك الانتخابات رغم كل الحسابات والتعقيدات.

وربما من أبلغ ما قيل في تلك المرحلة من أحد الشباب أننا في انتخابات 2012 وقفنا مع صباحي عندما ترشح، أما في انتخابات 2014 فإننا نطالبه بالوقوف معنا بترشحه. كانت المقولة تعبيراً واضحاً عن أن خوض صباحي لتلك الانتخابات لم يكن فقط تعبيراً عن نفسه كمرشح، وإنما عن رؤية أوسع تخص شباباً من قوى متعددة ومختلفة في القلب منها التيار الشعبي.

بعد أيام قليلة من ذلك المؤتمر، انعقد اجتماع مجلس أمناء التيار الشعبي، وكانت وجهات النظر فيه واضحة وصريحة وأمينة وموضوعية، ورغم كل الاختلافات بينها فقد كان الاتفاق واضحاً بين الجميع على أن الجميع بمن فيهم صباحي سوف يحترمون قرار الأغلبية ويلتزمون به، وقد كان صباحي في ذلك الاجتماع نفسه نموذجاً إنسانياً وسياسياً نبيلاً بما طرحه بمنتهى الصدق والأمانة من تخوفات سواء في حال ترشحه أو حال عدم ترشحه، وهي تخوفات لم يكن أي منها يخصه كشخص أو يخص مستقبله كرمز سياسي وشخصية بارزة، وإنما كانت كلها تتعلق بالشباب الذين يطالبونه بالترشح، ورفاقه الذين يخشون من ترشحه، وقلقه مما قد تجر إليه المنافسة الانتخابية في الظروف السائدة وقتها من صدامات قد تجلب مخاطر على الشباب وعلى الوطن كله.

وانتهى الاجتماع لقراره الذي أعلنه مساء 10 فبراير وليلة ذكرى تنحي مبارك في 11 فبراير، بترشيح حمدين صباحي بأغلبية 54 صوتاً من أعضاء مجلس أمناء التيار الشعبي بنسبة تجاوزت 88% من حضور الاجتماع، وأغلبية 73% من وحدات التيار التي تم استطلاع رأيها.

(4)

فور الانتهاء من القرار التنظيمي للتيار الشعبي، وتمسكاً بفكرة أن يكون صباحي مرشحاً لأوسع مساحة من قوى الثورة فقد بدأت على الفور سلسلة من الاجتماعات والزيارات الرسمية لعدد من الأحزاب والشخصيات، كما بدأت قيادات التيار الشعبي في الإعداد والتشاور مع أطراف مختلفة لتشكيل هيئة قيادية للحملة تضم تنوعاً سياسياً من المؤيدين والداعمين لقرار الترشح، وخلالها التقى صباحي بمبادرة من الأستاذ عبد الغفار شكر – رحمه الله – مع الأستاذ خالد علي في مقر حزب التحالف الشعبى الاشتراكي الذي كان يرأسه شكر وقتها للتشاور حول خوض قوى الثورة تلك الانتخابات بمرشح واحد بعد أن كان صباحي قد أعلن موقفه بناءً على قرار مجلس أمناء التيار، ولم يكن الأستاذ خالد علي قد أعلن حتى تاريخ ذلك الاجتماع في 20 فبراير موقفه بشكل نهائي من الانتخابات، كما شهدت تلك المرحلة زيارات لأحزاب التحالف الشعبي والدستور ومصر الحرية والعدل، والتي انضمت على مراحل متتالية للتيار الشعبي وحزب الكرامة في قرار دعم صباحي، وشكلت معاً فيما بعد الانتخابات الرئاسية تحالف التيار الديمقراطي، كما شملت تلك الجولات عدداً آخر من الأحزاب السياسية المدنية وقوى الثورة، بما في ذلك الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي الذي ترك الحرية لأعضائه ولم يقرر تأييد مرشح محدد فقد أعلن عدد من قياداته وكذلك منظمة شبابه دعمهم لصباحي، فضلاً عن عديد من الشخصيات السياسية والعامة والمثقفين والفنانين والأدباء وغيرهم الذين أعلنوا دعمهم لصباحي منذ وقت ترشحه وخلال فترتي جمع التوكيلات والدعاية الانتخابية. وفي 7 مارس تم الإعلان عن تشكيل الهيئة العليا لحملة صباحي وبدأ تشكيل الحملة على مستوى الجمهورية من القوى المختلفة الداعمة لصباحي، ثم جاء إعلان السيسي قراره الرسمي بالترشح في 26 مارس، ثم أعلنت لجنة الانتخابات الرئاسية في نهاية مارس عن فتح باب الترشح لمدة 3 أسابيع وإجراء الانتخابات يومي 26 و27 مايو.

بدأت معركة جمع التوكيلات اللازمة لترشيح صباحي رسمياً، وبالتزامن مع وجود دعوات لمقاطعة الانتخابات، وأوصاف لها بأنها مسرحية، وإشارات لأن صباحي يخوض الانتخابات باتفاق لإسباغ شكل من الشرعية عليها، وهو كله ما لم يحدث بأي درجة وبأي شكل، فكما هو واضح من سياق كل ما ذكرته، وأشهد الله على كل كلمة كتبتها، ويشهد كثير ممن عاصروا تلك التجربة على ذلك، أن الرجل بالأساس كان أميل لعدم الترشح واستجاب لرأي الشباب وقرار الإطار التنظيمي الذي أسسه، وأنه طوال تلك الفترة لم يحدث أي تواصل مع أي طرف ينتمى للدولة أو أجهزتها لا لترغيبه أو ترهيبه من الترشح، وإنما كان الأمر كله خاضعاً لآراء وحسابات ووجهات نظر شركائه ورفاقه وداعميه سواء كانت إيجاباً أو سلباً. وربما لو كان هناك اتهام لأحد بأنه عقد اتفاقاً لخوض الانتخابات فيفترض توجيهه للشباب الذي كان داعماً ومتبنياً وضاغضاً لترشيح صباحي، وهو ما لم يحدث بالتأكيد. فضلاً عن أنه لا يعقل تصور أنه كان هناك اتفاق من هذا النوع يكون محل كل هذا التوافق السياسي من أطراف وأحزاب منتمية لقوى الثورة مثل تلك القوى والشخصيات التي أيدت صباحي. كما أن حجة (إسباغ الشرعية) تبدو بالغة النظرية في سياق تلك الانتخابات ولم يكن غياب صباحي أو غيره عنها سيفقدها تلك الشرعية، وإنما كان المنطق الرئيسي لخوض تلك الانتخابات هو كما سبق شرحه أن يكون هناك ممثل لقوى الثورة يطرح رؤيتها وخطابها وبرنامجها، ويؤسس على الأقل لكتلة مدنية ديمقراطية تستطيع الاستعداد للمرحلة التالية.

وخلال محاولات جمع التوكيلات بدأت ملامح المشهد الانتخابي تتضح، من محاولات التضييق على مؤيدي صباحي، أو تعنت الموظفين في تحرير التوكيلات في بعض الأماكن، أو احتشاد وجوه منتمية للنظام السابق لمنع راغبي تحرير توكيلات تأييد صباحي، وبقدر ما شهدت تلك الأسابيع من محاولات تعويق وتعطيل ومنع أحياناً فقد شهدت بنفس القدر وأكثر جهداً ملهماً ومثابرة تستحق الاحترام من شباب الحملة بما دفع كثير من رفاقهم من قوى أخرى وبما في ذلك بعض من كانوا يدعون للمقاطعة لدعمهم ومساندتهم وتحرير توكيلات لترشيح صباحي. وكانت تلك الجولة الأولى التي تكاتفت فيها القوى والشخصيات الداعمة لصباحي في بناء كتلة يمكن الرهان عليها فيما بعد.

بعد التقديم الرسمي للتوكيلات وإعلان صباحي مرشحاً رسمياً، بدأت حملة الدعاية الرسمية، وطرح البرنامج الانتخابي والرؤية السياسية، والظهور في لقاءات تليفزيونية وإعلامية، حرصنا فيها لا على تقديم المرشح فحسب، بل تقديم فريقه الانتخابي، من قيادات وأعضاء حملته، وخبراء لجنة برنامجه الانتخابي، ومؤيديه وداعميه من الشخصيات العامة، وهو كله مما أسهم بدرجة كبيرة في كسب احترام واسع لدى قطاعات من المتابعين بعضهم غير وجهة نظره خلال مرحلة الحملة الانتخابية، لا فقط دعماً لصباحي كمرشح، وإنما كذلك دعماً للنموذج الذي قدمته الحملة وشبابها، والجولات بعدد من المحافظات وعقد المؤتمرات، ومع ذلك فقد واجهت الحملة بالتأكيد عقبات منها الظروف الأمنية التي منعت تنظيم مؤتمرات في ساحات مفتوحة، وقد كان ذلك متفهماً، ربما باستثناء مؤتمرها الختامي في ميدان عابدين والذي كان قد شهد من قبل المؤتمر التأسيسي للتيار الشعبي، فضلاً عن حملات التشويه المتعمدة التي لم تنقطع سواء من وقت حكم الإخوان، أو استمرار حملاتهم ضد صباحي وقت تلك الانتخابات مضافاً لهم مؤيدو نظام مبارك الذين انحازوا للمرشح المنافس، وكذلك ضعف الموارد المالية، والتي عوضها مثابرة وجهد الشباب والمتطوعين.

ثم جاءت أيام إجراء التصويت الانتخابي.

(5)

رغم أن الحسابات العقلية والمنطقية كانت تشير لفوز مريح للسيسي في تلك الانتخابات، إلا أن الزخم المصاحب للحملة الانتخابية ظل يداعب شباب الحملة بالأمل وإن كان ضعيفاً، لكن لم يكن أحد يتوقع حجم العوائق والتضييقات التي شهدها يوما الانتخابات في 26 و27 مايو، ورغم أن ترك الانتخابات تجرى بشكل طبيعي ربما كان يؤدي لنفس النتيجة إلا أن حجم ما جرى لم يكن منطقياً فضلاً عن أنه لم يكن مقبولاً. ومع ذلك فقد استمرت الروح المعنوية المرتفعة لدى شباب الحملة ومندوبيها في مختلف أنحاء الجمهورية بعد انتهاء اليوم الأول، ثم انطلق الشعار الشهير (التلات بتاع حمدين) كنوع من التحفيز والدعم، لكن الأمر في اليوم الثاني لم يختلف كثيراً عما جرى في اليوم الأول.

تصاعد الغضب بين شباب الحملة وفي نفوسهم بسبب ما تعرض له الكثيرون منهم خلال يوما الانتخابات، ثم جاء الإعلان عن مد الانتخابات ليوم ثالث دون مبرر منطقي ومفهوم، رغم الحديث عن مشاركة واسعة في يوما الانتخابات، وفور الإعلان عن القرار تضاعف الغضب، وبدأت الاتصالات بمقر الحملة المركزي للسؤال عن موقفها وموقف صباحي، كما بدأت نداءات من أطراف مختلفة بالانسحاب من الانتخابات بعد قرار المد لليوم الثالث، ومتأثراً بما سبقه من تضييقات وقيود وانتهاكات ضد أعضاء ومندوبي الحملة سواء في وقت التوكيلات ثم في يوما الانتخابات، ورغم أن وجهة نظر الانسحاب في ذلك الوقت كانت بالفعل نابعة من غضب مشروع ومن أطراف متعددة بعضها من الحملة نفسها وبعضها من أطراف مؤيدة لها، وبعضها أيضاً من أصوات كانت تدعو منذ البداية للمقاطعة ووجدت فيما جرى فرصة لتؤكد صحة موقفها وخطابها بالدعوة للانسحاب، إلا أنه كان على الخط في ذلك الوقت أطراف أخرى دون شك تسعى للاستفادة من هذا المشهد.

تسارعت الاتصالات وتم عقد اجتماع عاجل في مكتب صباحي مساء اليوم الثاني للانتخابات، ولم يحكمنا وقتاً ونحن نناقش الأمر اعتبارات الحفاظ على الشكل الذي وصفه البعض بالمسرحية، ورغم أنه كان هناك مزاج بين عدد غير قليل من حضور ذلك الاجتماع يميل بالفعل للانسحاب، إلا أن الاعتبارات كانت عديدة والحسابات كانت معقدة، وأهمها الحفاظ على أمن وسلامة شباب الحملة، وأشهد الله للمرة الثانية أن صباحي وحملته لم يتلقوا في ذلك الوقت أي اتصالات أو غيره من أي من أطراف السلطة أو أجهزة الدولة لا ترغيباً ولا ترهيباً من أجل الاستمرار أو الانسحاب، لكن موقف صباحي في هذا الاجتماع لم يكن به ذرة تردد واحدة، وبعد أن استمع لآراء عديدة وأصوات غاضبة، أعلن بوضوح موقفه أنه لن ينسحب من الانتخابات تحت أي ظرف، وكان منطقه بالغ الوضوح، وهو أنه لن يقدم بانسحابه سبباً أو دافعاً للشباب الغاضب لأن يفكروا في النزول للشوارع أو الميادين للتعبير عن غضبهم باعتبار أن الانتخابات رغم كل ما شابها قد انتهت بانسحابه، وأنه لن يمنح القوى المتربصة فرصة لاستغلال ذلك، وأنه إذا كانت تلك أحد مبررات قلقه وتردده في الترشح في البداية فإنه ولنفس السبب الآن لن ينسحب.

وخلال ذلك الاجتماع همس لي أحد القيادات التي أعتز بها وأحترمها – رحمه الله – قائلاً إنكم مارستم الضغط على حمدين في البداية للترشح ولم يكن مستعداً لذلك ومع ذلك استجاب لكم، فأرجوكم لا تعيدوا الضغط عليه ليأخذ قراراً عكس قناعته استجابة لضغطكم ولا تحملوه تبعات قرار قد يندم عليه لو وقع ضرر لأي مصري بسببه، خاصة أن تجاربه الانتخابية السابقة في دائرته شهدت أحداثاً مشابهة. وبعد تفكير لدقائق قصيرة في تلك الكلمات، وبعد رد صباحي الحاسم والواضح، احترمت تماماً رأيه وقراره، ونقلنا مساحة النقاش للصيغة التي تخص شباب الحملة ومندوبيها والتي كانت تعلن سحب المندوبين من اللجان تجنباً لأي احتكاكات أو مشكلات قد تحدث في اليوم الانتخابي الثالث، مع استمرار الحملة في متابعة سير اليوم الانتخابي.

ثم جاءت النتيجة التي تتوج الممارسات التي شهدتها أيام الانتخابات، والتي لم تكن السلطة الجديدة بحاجة إليها في واقع الأمر لأنها كانت قادرة على تحقيق الفوز الانتخابي بشكل طبيعي ومريح، لكنها كانت النتيجة التي تؤسس لرفض أي مساحات للرأي الآخر أو المنافسة الانتخابية أو المعارضة السياسية كما اتضح على مدار السنوات التالية.

خاتمة

في يناير 2025 نشر صباحي سلسلة مقالاته الشهيرة بعنوان (نصيبي من الخطأ) والتي تحدث فيها في الحلقة الرابعة عن ترشحه للانتخابات الرئاسية في 2014 باعتبارها أحد أخطائه، قائلاً – بنبله المعتاد – في نص مقاله (وحده أتحمل كل الأنصبة وكامل المسؤولية عن خطأ ترشحي لانتخابات الرئاسة 2014).

كاتب هذه السطور، ومع كامل التقدير والاحترام لأستاذي وقائدي وأبي الروحي حمدين صباحي، لا يزال مقتنعاً أن ذلك الترشح – في حينه وبظروفه – كان الخيار الصحيح، وربما لو تكررت ذات الظروف بذات السياقات والملابسات فسأكون شخصياً مع نفس الخيار. لا يعني ذلك دفاعاً عن النتائج التي جرت في الانتخابات أو المآلات بعدها، وفي ظني أن قياس التجارب لا يكون فقط بنتائجها ومآلاتها، وإلا لكان من الواجب على كثيرين ممن يرون ذلك أن يراجعوا مواقفهم من أحداث كبرى عديدة بما فيها 25 يناير و30 يونيو وغيرها فبالتأكيد مآلات كلاهما لم تكن كما أردنا أو رغبنا أو حلمنا، لكن ذلك في ذاته لا يعني أن الاختيار والفعل ذاته كان خاطئاً في وقتها، وإلا لكان ذلك نوعاً من الحكمة بأثر رجعي.

في السياسة الاختيارات الكبرى هي التي تكون محلاً للحكم، والنتائج تقدم دروساً وعبراً للاستفادة منها في التجارب اللاحقة.. كان أملنا ورهاننا بمنتهى الإيمان والإخلاص أن تشهد انتخابات 2014 صوتاً معبراً عن رؤية تنتصر للثورة وأهدافها وتعبر عن أجيال جديدة تسعى للبحث عن دور في المستقبل وتتمسك بأحلامها في الديمقراطية والحريات والعدل الاجتماعي، وتفتح مساحات لبناء كتل سياسية معارضة (تبلورت بالمناسبة بعد ذلك في تحالف التيار الديمقراطي الذي تأسس بعد الانتخابات الرئاسية واستمر لفترة حتى توسع وتحول بعدها إلى الحركة المدنية الديمقراطية)، وتخلق فرصة لبناء تنظيمات سياسية جديدة (شهدت سعياً لتحويل تجربة التيار الشعبي إلى حزب سياسي لكن الأجواء المحبطة التي تلت انتخابات 2014 أثرت على استكمال التجربة). ومع كل التقدير لأصحاب وجهات النظر المختلفة، سواء الذين كانوا يرون في وقتها أن خوض تلك الانتخابات لم يكن الخيار الأصح، أو من انحازوا لذلك بأثر رجعي بعد التجربة نفسها، فإن الأهداف التي كانت وراءها والتي لم تتحقق لم يكن لها من سبيل آخر يضمن فرصة أفضل لتحقيقها، كما أن من لم يخوضوا تلك الانتخابات أو كانوا ضد خوضها، هم أيضاً لم ينجحوا في تحقيق تلك الأهداف، لأننا جميعاً نعرف ونعلم حجم التضييق والقيود والحصار على الحياة السياسية على مدار السنوات الماضية وهو العائق الرئيسي لمحاولات بناء أي تجارب سياسية معارضة جادة أو تنظيمات حقيقية. وإن كنا لم ننجح في تجربة، فلا زالت الآمال قائمة، ولا زالت الأغاني ممكنة، تتعدد الطرق والسبل، ويبقى الهدف، مصر دولة للعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والاستقلال الوطني، ولو بعد حين.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

87ef6110-280e-4c10-93c0-ab8e7621992d
وعود برّاقة .. والواقع يكذب!
يحيى قلاش
قلاش: هتافات مباراة القمة أثبتت وعي الأجيال الجديدة بعدونا الحقيقي
Screenshot_٢٠٢٦-١٠-١٣-١٣-١٠-٣٩-٧٠٨_com.android
بدون تحفظات.. مصر تعلن الاستعداد لتقديم دعم عسكري شامل للسعودية
الأعلى للإعلام
شكوى من الزمالك ل"الأعلى للإعلام" ضد مخرج مباراة القمة

أقرأ أيضًا

إبراهيم عيسى
إبراهيم عيسى: لماذا يستمر تقدم كوريا وتأخُّر مصر؟
أسعار الخضروات والفاكهة
استقرار أسعار الخضروات والفواكه.. ومخاوف من ارتفاع الطماطم
من ذاكرة التاريخ
من ذاكرة التاريخ
أخبار الطقس اليوم
طقس الثلاثاء حار.. والعظمى بالقاهرة 30