أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

وفاء صبري تكتب: هل تحتاج نهضة الدول إلى دكتوراه؟ أم إلى قيادة تمتلك الرؤية والقدرة على الإنجاز؟

 

من الأفكار الشائعة في مجتمعاتنا أن المؤهل العلمي الرفيع يمثل دليلًا على الكفاءة في الإدارة وأن حامل الدكتوراه يمتلك بالضرورة قدرة أكبرعلى الأداء في المجال العام وإدارة شؤون الدولة، ونجد أن الشهادات العلمية تتحول إلى معيار أساسي للحكم على صلاحية الأشخاص لتولي المناصب العامة، حتى قبل النظر إلى خبراتهم العملية، ومقوماتهم الشخصية، وقدرتهم على إتخاذ القرار والقيادة، ورؤيتهم فيما يخص التحديات والقضايا الهامة في الدولة.
لكن تجارب الدول عبر التاريخ تقدم الإجابة على هذا السؤال الجوهري: هل النجاح في المجال الأكاديمي أو التخصصي يضمن النجاح في إدارة دولة؟ وهل الحصول على أعلى الدرجات العلمية يعني بالضرورة امتلاك الحكمة السياسية والقدرة على قيادة المؤسسات وإدارة الأزمات وتحقيق التنمية؟
قدم لنا التاريخ نماذج لقادة لم يحصلوا على أعلى الدرجات العلمية، لكنهم ارتبطوا بتحولات كبرى في بلدانهم، كما قدم نماذج لمسؤولين من أصحاب المؤهلات الأكاديمية الرفيعة لم تحمِهم شهاداتهم من إخفاقات سياسية واقتصادية. فما الذي يصنع الفارق الحقيقي في إدارة الدول؟
تخبرنا التجارب التاريخية بأن الإجابة أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير، فهناك نماذج لقادة لم تصنعهم الشهادات الجامعية، ولكنهم كانوا الأجدر على قيادة دولهم وتغيير واقعها للأفضل، من بينها الرئيس الأمريكي هاري ترومان، الذي تولى الرئاسة عام 1945 في مرحلة شديدة التعقيد، مع نهاية الحرب العالمية الثانية، فهو لم يحصل على شهادة جامعية، لكنه قاد الولايات المتحدة خلال مرحلة إعادة تشكيل النظام الدولي، وشهدت فترة حكمه إطلاق مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا، إلى جانب تأسيس ملامح جديدة للعلاقات الدولية في مرحلة ما بعد الحرب.
ولا يعني ذلك أن جميع قرارات ترومان كانت محل اتفاق، أو أن نجاح السياسات الأمريكية في تلك المرحلة يمكن نسبته إلى شخصه هو منفرداً؛ فالدولة الأمريكية كانت تمتلك مؤسسات قوية وموارد ضخمة وكفاءات متخصصة. لكن تجربته تبرز أهمية القدرة على اتخاذ القرارات الاستراتيجية، والاستعانة بالمؤسسات والخبراء، والتعامل مع التحولات التاريخية الكبرى.
وفي الصين، ارتبط اسم الزعيم الصيني دنغ شياو بينغ، الذي لم يحصل على مؤهل أكاديمي جامعي أو شهادة علمية عليا، بل اقتصر تعليمه النظامي على المرحلة المدرسية ثم الانخراط في العمل السياسي والثوري حيث اعتمد تأهيله وخبرته على القيادة السياسية والعمل التنظيمي في الحزب الشيوعي الصيني، ولكنه بالرغم من ذلك قاد الإصلاح الاقتصادي والانفتاح التدريجي على الأسواق والاستثمار الأجنبي، في الفترة ما بين 1978 إلى 1992 والذي نجح في تحول مسار الاقتصاد الصيني على مدى العقود التالية، وتحققت نبوئته للصين في عملية التحديث وتحقيق السيطرة السياسية والاقتصادية، بعد أن كانت الصين دولة غير متقدمة في الكثير من المجالات. وهو الأمر الذي لم ينجح فيه حاملي الشهادات الاكاديمية العليا وحملة الدكتوراه في مصر وغيرها من دول العالم النامي المتعثرة اقتصادياً. ولا يمكن أيضاً إختزال التحول الصيني في دور شياو بينغ وحده؛ إذ شاركت فيه مؤسسات الدولة وقيادات متعددة وأجيال من العاملين والمنتجين. ومع ذلك، فإن تجربته تقدم مثالًا أيضاً على أهمية القدرة على مراجعة السياسات الاقتصادية، والتخلي عنها حين يثبت بالتجربة انها لم تعد تحقق أهدافها، وضرورة تبني مسارات جديدة تتناسب مع احتياجات المجتمع ومتغيرات العالم.
وفي البرازيل، نجد مثال لولا دا سيلفا الذي جاء من خلفية عمالية، ولم يحصل على شهادة جامعية، لكنه خلال رئاسته الأولى والثانية، بين عامي 2003 و2010، ارتبطت تجربته بتوسع برامج مكافحة الفقر وتحسن الكثير من المؤشرات الاجتماعية، لأنه تبنى سياسات عامة تضع الأولوية للأوضاع المعيشية للمواطنين.
ولعل المثال الأقرب لنا هو محمد علي باشا، الذي ارتبط اسمه بتأسيس الدولة المصرية الحديثة. عمل محمد علي في طفولته مع والده في تجارة الدخان وتأجير السفن، قبل أن يصعد إلى الحكم في مصر عام 1805. لكن ما يستحق التأمل في تجربته إدراكه المبكر أن بناء دولة حديثة لا يمكن أن يتحقق بالسلطة أو الطموح السياسي وحدهما، وإنما يحتاج إلى المعرفة والعلوم والخبرات المتخصصة، فاهتم بإرسال البعثات التعليمية إلى أوروبا، وأنشأ مدارس متخصصة في الهندسة والطب واللغات والمحاسبة والفنون والصناعات، واستعان بالخبراء، وعمل على إعداد كوادر مصرية قادرة على إدارة مؤسسات الدولة وتطوير الجيش والصناعة والإدارة.
لم يكن مطلوبًا من محمد علي أن يكون طبيبًا أو مهندسًا أو خبيرًا في كل العلوم التي أراد توظيفها في مشروعه، بل أن يدرك أهمية هذه العلوم، وأن يهيئ الظروف للاستفادة منها في بناء الدولة. ومع إن تجربته لم تخلُ من جوانب سلطوية واقتصادية واجتماعية مثيرة للجدل، لكن اهتمامه بالتعليم والبعثات العلمية يظل شاهدًا على أن القيادة لا تُقاس بعدد الشهادات التي يحملها الحاكم نفسه، بل بقدرته على إدراك احتياجات بلاده، وتعبئة مواردها، والاستعانة بالكفاءات، وبناء المؤسسات اللازمة لتحقيق أهدافه. فهو لم يحتج إلى أن يحمل الشهادات لكي يدرك أهمية العلوم في التخصصات المختلفة؛ لكنه أدرك أن من مسؤوليات الحاكم أن يجعل العلم أداة لبناء الدولة، وأن يستثمر في إعداد من يمتلكون المعرفة اللازمة لنهضتها.
وتوضح كل هذه النماذج السابقة بالتجربة العملية، على اختلاف سياقاتها ونتائجها، أن الشهادة الجامعية ليست شرطًا لازمًا للنجاح في إدارة الدول والنهوض بها أو لقيادة التحولات الكبرى، وتدلل على أن الكفاءة السياسية والقدرة على البناء وقيادة مسار الدول تقوم على القيادات التي تنحاز للمصلحة العامة للمواطنين، وتتبنى الانفتاح على كافة الآراء، وتسعى للاستفادة من الخبرات العلمية المتخصصة في شتى المجالات، وليس بالضرورة أن تمتلك القيادات نفسها ذات التخصصات والمؤهلات العليا.
وعلى الجانب الآخر، نجد أزمات اقتصادية وسياسية وإدارية في دول تولى قيادتها مسؤولون يمتلكون مؤهلات أكاديمية رفيعة، من حملة الدكتوراه والشهادات العلمية المتخصصة. لأن هناك فارقاً كبيراً بين امتلاك المعرفة العلمية من جهة، والقدرة على توظيفها في إدارة الدولة من جهة أخرى. فالتخصص والمؤهل العلمي لا يضمن وحده نجاح السياسات الاقتصادية، أو الإدارة الكفؤ لمؤسسات الدولة. فقد يمتلك المسؤول معرفة نظرية واسعة، ويتم تدريبه وتأهيله علمياً، لكنه يتخذ قرارات غير مناسبة للظروف الواقعية، أو يعجز عن تقدير آثارها الاجتماعية، أو يتجاهل التحذيرات المهنية، أو يحيط نفسه بدائرة محدودة من المستشارين لا تتيح تنوع الآراء. وقد تتوافر أيضاً لدى الدولة كفاءات علمية كبيرة، لكنها تعمل في ظل مؤسسات ضعيفة، أو في غياب للمساءلة، أو المشاركة، أو في وجود قيود تحول دون الاستفادة من الخبرات المتاحة. فالتدهور الاقتصادي أو الإداري قد ينتج عن تراكم قرارات خاطئة، أو اختلالات هيكلية، أو ضعف المؤسسات، أو تفاعل هذه العوامل جميعًا.
لكن الدرس الذي ينبغي استخلاصه هو أن الشهادات العلمية، مهما بلغت قيمتها، لا تصلح وحدها دليلًا على الكفاءة في إدارة الشأن العام، لأن إدارة الدولة تقوم على منظومة شديدة التعقيد يتداخل فيها السياسة والاقتصاد والقانون والعلاقات الدولية والتعليم والصحة والثقافة والمجتمع ويتطلب إدارتها القدرة على فهم المصالح المتعارضة، وتحديد الأولويات، وتوزيع الموارد المحدودة، وإدارة الأزمات، وبناء التوافقات، واختيار السياسات القابلة للتنفيذ، ومراجعة القرارات عندما تكشف التجربة عن أخطائها.
ولهذا، فإن أحد أهم أدوار رئيس الدولة أو رئيس الوزراء ليس أن يكون أكثر الأشخاص علمًا، بل أن يمتلك رؤية واضحة، وأن يعرف حدود معرفته، وأن يختار الأكفاء، وأن يتيح لهم إبداء الرأي والعمل، وأن يستمع إلى الرأي المخالف، وأن يحاسب المسؤولين عن النتائج، وأن يعرف كيف يوظف خبرات المتخصصين في إطار رؤية وطنية متكاملة، وأن يضمن وجود مؤسسات قادرة على تحويل المعرفة إلى سياسات فعالة. فالمؤهل العلمي لا يصبح قيمة مضافة حقيقية في إدارة الدول إلا عندما تقترن الدرجة العلمية بالكفاءة الإدارية و السياسية، والنزاهة، والقدرة على التواصل، واحترام المؤسسات، والاستعداد للتعلم والمراجعة.
فإذا أردنا تقييم المرشحين المحتملين على أساس موضوعي، فمن الضروري أن ننتقل من الانبهار بالألقاب والشهادات إلى معايير أكثر ارتباطًا بالنتائج الفعلية، وأول هذه المعايير هو وضوح الرؤية والأولويات. فالدول التي تسعى إلى التقدم تحتاج إلى مشروع وطني يحدد أهدافها الاقتصادية والاجتماعية، ويرتب أولويات الإنفاق والاستثمار، ويضع خططًا قابلة للقياس والتنفيذ.
وثانيها حسن اختيار الكفاءات. فلا يمكن لرئيس أو رئيس حكومة أن ينجح بمفرده، بل يحتاج إلى فريق يمتلك المعرفة والخبرة والنزاهة، وإلى مؤسسات تسمح للمتخصصين بأداء أدوارهم بعيدًا عن المحاباة وتضارب المصالح.
وثالثها القدرة على التعلم وتصحيح المسار. فالحكم الرشيد لا يعني أن جميع القرارات ستكون صحيحة، بل أن تكون هناك آليات لاكتشاف الأخطاء، وتقييم السياسات، والاستماع إلى الخبراء والمواطنين، وإجراء التعديلات اللازمة قبل أن تتفاقم الخسائر.
ورابعها قوة المؤسسات وسيادة القانون والمساءلة. فنجاح الدول لا يتوقف على صفات الحاكم الفردية وحدها، بل يعتمد أيضًا على وجود مؤسسات مستقرة، وقواعد واضحة، ورقابة فعالة على استخدام المال العام، وإمكانية محاسبة المسؤولين عن إخفاقاتهم.
أما المعيار الخامس، وربما الأهم في نظر المواطن، فهو قدرة السياسات العامة على تحسين حياته من توفير فرص العمل، ورفع الإنتاجية، وتحسين جودة التعليم والصحة، وحماية القدرة الشرائية، وتوسيع فرص الاستثمار، وتحقيق العدالة في توزيع الفرص، وصون الكرامة الإنسانية.
هذه هي المؤشرات الخمس التي ينبغي أن تتقدم على الألقاب الأكاديمية عند تقييم أداء القيادات العامة.
ليس المقصود من هذا الطرح التقليل من أهمية التعليم أو التقليل من قيمة العلماء والمتخصصين، فالدول الحديثة لا يمكنها تحقيق التنمية دون الاستثمار في العلم والبحث والابتكار، ودون الاستعانة بالخبرات الفنية والاقتصادية والإدارية. لكن هناك فرقًا جوهريًا بين احترام العلم وتحويل الشهادات العلمية إلى معيار وحيد للحكم على الكفاءة السياسية. إن النهضة لا يصنعها حامل الدكتوراه لمجرد حصوله عليها، كما لا يصنعها شخص غير جامعي لمجرد أنه يمتلك خبرة عملية. فالنجاح يتوقف على مجموعة العوامل السابقة، وفي مقدمتها الرؤية، والكفاءة، والنزاهة، وجودة المؤسسات، والقدرة على اتخاذ القرار، والاستعداد للمساءلة.
إن السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه عند اختيار القيادات أو تقييمها ليس: ما الشهادات التي يحملونها؟ بل: ما الرؤية التي يقدمونها؟ وما القرارات التي اتخذوها؟ وما النتائج التي حققوها؟ وهل توجد مؤسسات قادرة على محاسبتهم؟
فمستقبل الدول لا يتحدد بعدد الشهادات المعلقة على جدران مكاتب حكامها، ولا بعدد ساعات التدريب التي سيحصلون عليها، وإنما بقدرتهم على تحويل المعرفة إلى عمل، والسلطة إلى مسؤولية، والموارد إلى تنمية، والوعود إلى نتائج يشعر بها المواطن. وهنا يكمن الفارق الحقيقي بين امتلاك المؤهلات العلمية والقدرة على قيادة دولة نحو التقدم.

…..

أخبار ذات صلة

IMG_4639
"المصري الديمقراطي" يمتنع عن التصويت على إرسال قوات مصرية إلى السعودية
الدستور
الأولى تنظم الترشح والأخرى تحدد مهام الجيش.. ما علاقة المادتان 141 و200 بالمرشح الرئاسي المقبل؟
مجلس النواب
رفع الجلسة السرية لمجلس النواب اليوم.. واستكمال مناقشة تفويض القوات المسلحة لدعم السعودية غدًا

*وفاء صبري.. رئيس حزب الدستور.. مصر 

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

هيثم الحريري
الحريري: الحكم على "منتدى مصر" يتم من خلال نتائجه وليس ما يحدث فيه
رئيس البرلمان اليمني
رئيس البرلمان اليمني: أمن مصر والسعودية والخليج مترابط.. والتضامن العربي ضرورة
IMG_4640
مصر والدفاع عن السعودية.. هل يهدد الحوثيون الأمن القومي المصري وما كلفة الانخراط المباشر؟
النائب رضا عبد السلام
قبل بدء جلسة "النواب".. النائب رضا عبد السلام: لا لإرسال جندي مصري إلى اليمن.. وأين جامعة الدول العربية

أقرأ أيضًا

الدستور
ما علاقة المادة 200 من الدستور بالانتخابات الرئاسية؟
حمدين صباحي
حمدين صباحي: الأمّة بحاجة إلى دور مصر لوقف النزيف العربي في الاقتتال السعودي اليمني
مصر
مصر تقرر دعم السعودية في مواجهة الاعتداءات والتضامن الكامل معها
إبراهيم عيسى
إبراهيم عيسي: تعيين نائب للرئيس مهم استعدادًا لمرحلة مابعد 2030