في وقت تتسارع فيه التحركات الدبلوماسية والعسكرية في المنطقة، وتستعد مؤسسات التشريع في عدد من العواصم لمناقشة استحقاقات الدفاع المشترك وتقديم الدعم العسكري للسعودية، حيث يستعد البرلمان المصري للتصويت على تفويض يتعلق بتقديم دعم عسكري دفاعي للمملكة، مع تأكيد القيادة المصرية على اقتصار أي مشاركة على حماية الأراضي والحدود السعودية لا مهاجمة اليمن، برزت على السطح ظاهرة لافتة تتمثل في خروج مظاهرات واحتجاجات شعبية رافضة لأي مشاركة في الحرب ضد اليمن، وتحديداً في تركيا والأردن.
هذا الحراك الشعبي يفتح الباب أمام تساؤلات استراتيجية عميقة حول دلالات هذه الاحتجاجات، ومدى قدرتها على التأثير في سياسات الحكومات واتفاقيات الدفاع المشترك، وما إذا كانت مرآة لانعكاسات الصراع الأمريكي الإيراني المحتدم في الإقليم.
أبعاد المظاهرات ودلالاتها في تركيا والأردن
تعكس الاحتجاجات الرافضة للحرب في اليمن حالة من الحساسية المجتمعية المتزايدة تجاه الانخراط في الصراعات الإقليمية المسلحة؛ إذ يرى الشارع في تركيا والأردن أن تكاليف أي تدخل عسكري محتمل تتجاوز الحسابات السياسية المباشرة لتلامس استقرار الدول وسلامة مواطنيها.
ويرتبط الموقف الشعبي التركي والأردني بخشونة التجارب الإقليمية السابقة، ورفض تحويل القدرات الوطنية إلى أوراق في صراعات عسكرية ممتدة خارج الحدود، مما يضع الحكومات أمام ضغوط سياسية متزايدة للموازنة بين التزامات التحالفات الإقليمية وبين الحسابات الحساسة للرأي العام المحلي.
ضغوط سياسية لا تعني بالضرورة تراجع الحكومات
وفي قراءة تحليلية لطبيعة الاحتجاجات وحسابات الشارع والحكومات، قال علي أفق أريكان، عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي التركي، لـ “القصة”، إن أي تصعيد أمريكي إيراني قد يزيد الضغوط الأمنية على دول المنطقة، ويجعل اتفاقات الدفاع والتحركات العسكرية أكثر حساسية أمام الرأي العام، لكنه لا يثبت وحده وجود علاقة سببية مباشرة بين حرب إيران ومظاهرات رفض المشاركة في اليمن، مشيراً إلى أن الحوثيين يُعدون حليفاً لإيران، لكن مواقفهم وقراراتهم لا ينبغي اختزالها في اعتبارها أوامر إيرانية مباشرة.
كما أوضح أريكان أن الأمر يتوقف على قدرة الاحتجاجات على الاستمرار، واتساع المشاركة السياسية والمجتمعية فيها، ووجود نقاش برلماني حول طبيعة الالتزامات العسكرية؛ مبيناً أن هذه الاحتجاجات قد ترفع الكلفة السياسية لأي قرار بالتدخل، لكنها لا تعني بالضرورة أن الحكومة ستتراجع عن الاتفاق، مع أهمية التمييز بين رفض الاتفاق بالكامل وبين الاعتراض على إرسال قوات تركية إلى اليمن.
أما بشأن علاقة الاحتجاجات بالصراع الأمريكي الإيراني، لفت أفق أريكان إلى أن مخاوف المحتجين قد تتزايد من أن يؤدي التصعيد بين واشنطن وطهران إلى توسيع نطاق المواجهة في المنطقة، بما يرفع احتمالات انخراط دول أخرى فيها، ليصبح الاعتراض على المشاركة في حرب اليمن جزءاً من مخاوف أوسع بشأن الانجرار إلى صراعات إقليمية متعددة، رغم أن إثبات أن الحرب الأمريكية الإيرانية هي السبب المباشر للاحتجاج يحتاج إلى تصريحات واضحة من المنظمين.
عوامل اتساع الاحتجاجات وحسابات أنقرة وسط التصعيد
من جانبه، أورد سينان أولغن، الباحث في السياسة الخارجية التركية والأمن الإقليمي لـ “القصة”، تحليلاً مفصلاً للعوامل التي تحكم اتساع رقعة الاحتجاجات وتأثيرها على سياسة أنقرة، حيث أشار إلى أن تأثير الاحتجاجات يتوقف على ثلاثة عوامل رئيسية: طبيعة الالتزامات التي ستُطلب من تركيا فعلياً، ومدى حساسية الرأي العام تجاه تكاليف أي تدخل عسكري، والخيارات المتاحة أمام الحكومة لتقديم دعم دفاعي من دون الانخراط المباشر في القتال.
وأوضح أولغن أن الاحتجاجات قد تتسع إذا ظهرت خطوات ملموسة نحو نشر قوات أو المشاركة في العمليات، لكنها قد تظل محدودة إذا بقي الاتفاق في إطار التعاون الدفاعي ولم يتحول إلى تدخل مباشر.
وعن انعكاسات التصعيد الأمريكي الإيراني، أشار الباحث الإقليمي إلى تحذير وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في 23 أكتوبر من أن تجدد الهجمات العسكرية على إيران سيؤدي إلى توسيع الصراع ودعوته إلى الحل الدبلوماسي، مبدياً أن اتساع المواجهة قد يدفع أنقرة إلى الموازنة بين التزاماتها تجاه شركائها الإقليميين ومصلحتها في تجنب حرب واسعة، كما قد يزيد الضغوط المتعلقة بأمن الحدود والطاقة والملاحة والاستقرار الاقتصادي.
وأكد أولغن أن هذا لا يعني أن تركيا ستتجه حتماً إلى المشاركة العسكرية، فقد تسعى إلى احتواء التصعيد دبلوماسياً، أو تقديم دعم دفاعي محدود، أو تجنب خطوات من شأنها توسيع المواجهة.