لم تعد السلامة والصحة المهنية تقتصران على الوقاية من الحوادث والإصابات الجسدية، بل امتد الاهتمام الدولي ليشمل المخاطر النفسية والاجتماعية التي قد تفرضها ظروف العمل على العاملين. ومع الدعوات إلى مراجعة قوائم الأمراض المهنية وتطوير منظومات الحماية، تبرز أهمية الانتقال من التعامل مع الصحة النفسية باعتبارها شأنًا فرديًا إلى اعتبارها جزءًا من مسؤولية إدارة العمل وحماية العاملين.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في قطاع السياحة المصري، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على العنصر البشري، وعلى قدرة العاملين على تقديم خدمات احترافية تعكس صورة مصر أمام زوارها. فجودة الخدمة السياحية لا ترتبط بالمقومات الطبيعية والأثرية وحدها، وإنما تتأثر أيضًا بكفاءة العاملين واستقرارهم المهني والظروف التي يمارسون فيها أعمالهم.
الصحة النفسية جزء من منظومة السلامة المهنية
يشير تقرير منظمة العمل الدولية لعام 2026 بشأن بيئة العمل النفسية والاجتماعية إلى أهمية النظر إلى تصميم الوظائف، وحجم الأعباء، وساعات العمل، والاستقلالية المهنية، وعدالة الإجراءات الإدارية، باعتبارها عناصر مؤثرة في سلامة العاملين وصحتهم وأدائهم.
ومن هذا المنطلق، فإن مراجعة قوائم الأمراض المهنية تستحق نقاشًا جادًا يستند إلى الأدلة العلمية والتطورات التي شهدتها أسواق العمل. وينبغي أن يصاحب ذلك تقييم لكيفية التعرف على المخاطر النفسية والاجتماعية، وسبل الوقاية منها، وآليات الإبلاغ عنها والتعامل معها وفق الأطر العلمية والقانونية المعتمدة.
ولا يعني ذلك اعتبار كل ضغوط العمل مرضًا مهنيًا بالضرورة، بل يستلزم التمييز بين ضغوط العمل المعتادة والمخاطر المستمرة أو الشديدة التي قد تضر بصحة العامل، مع وضع معايير واضحة للتقييم والوقاية.
ماذا نتعلم من التجارب الدولية؟
تقدم بعض التجارب الدولية نماذج عملية يمكن الاستفادة منها في تطوير بيئات العمل المصرية، مع مراعاة اختلاف التشريعات والموارد وطبيعة القطاعات الاقتصادية.
أولًا: الاتحاد الأوروبي.. التعامل مع المخاطر النفسية بوصفها مخاطر مهنية قابلة للإدارة
تؤكد الوكالة الأوروبية للسلامة والصحة في العمل أن المخاطر النفسية والاجتماعية، مثل الأعباء المفرطة، وغموض المسؤوليات، وضعف الدعم الإداري، والتنمر والتحرش، يمكن التعامل معها من خلال التقييم المنظم للمخاطر والتدخل لمعالجة أسبابها داخل بيئة العمل.
وتعرض الوكالة، في تقرير مقارن نُشر في أغسطس 2026، تسع دراسات حالة أوروبية تتناول وسائل عملية للوقاية من المخاطر النفسية والاجتماعية في قطاعات مختلفة، من بينها الضيافة. وتشمل الدروس المستفادة تطوير سياسات مكافحة التحرش، وتوفير قنوات سرية للإبلاغ، وتحسين الممارسات الإدارية، والكشف المبكر عن ضغوط العمل.
وتكمن أهمية هذا النموذج بالنسبة إلى المنشآت السياحية المصرية في إمكانية تحويل الاهتمام بالصحة النفسية إلى إجراءات إدارية واضحة، بدلًا من الاكتفاء ببرامج توعية عامة لا تعالج أسباب المشكلة.
ثانيًا: المملكة المتحدة.. قياس مصادر الضغط بدلًا من الاكتفاء برصد نتائجه
طورت هيئة الصحة والسلامة البريطانية نموذجًا إداريًا يُعرف باسم «معايير الإدارة» (Management Standards)، لمساعدة المؤسسات على تقييم عوامل الضغط المرتبطة بالعمل.
ويغطي النموذج ستة مجالات رئيسية: متطلبات العمل، والتحكم في كيفية أداء المهام، والدعم الإداري والاجتماعي، والعلاقات المهنية، ووضوح الدور الوظيفي، وإدارة التغيير داخل المؤسسة.
وتقوم الفكرة على استخدام التقييمات والاستبيانات والبيانات المتاحة، إلى جانب الحوار مع العاملين وممثليهم، لتحديد مواطن الخلل ووضع إجراءات عملية لمعالجتها.
ويمكن الاستفادة من هذا النهج في الفنادق والمنشآت السياحية من خلال مراجعة توزيع الأعباء أثناء مواسم الذروة، ووضوح المسؤوليات بين فرق التشغيل، وآليات التعامل مع الشكاوى، ومدى كفاية فترات الراحة والدعم الذي يحصل عليه العاملون من الإدارة.
ثالثًا: سنغافورة.. شراكة بين الحكومة وأصحاب الأعمال والنقابات
أصدرت وزارة القوى العاملة في سنغافورة، بالتعاون مع اتحاد أصحاب العمل الوطني ومؤتمر النقابات الوطني، إرشادات مشتركة بشأن الصحة النفسية والرفاه في أماكن العمل في نوفمبر 2023.
وتتضمن الإرشادات مجموعة من التدابير العملية، منها التقييم الدوري لمصادر الضغط، وتدريب المديرين على التعرف على علامات الضيق النفسي، وتوفير قنوات للدعم والإحالة إلى المختصين، ومراجعة سياسات الموارد البشرية، ووضع قواعد واضحة للتواصل المهني خارج ساعات العمل.
كما تشجع الإرشادات المؤسسات على توفير برامج مساعدة للعاملين، وضمان سرية الاستشارات، وتقديم دعم مناسب للعاملين العائدين إلى وظائفهم بعد فترات علاج أو تعافٍ.
وتبرز أهمية هذه التجربة في أنها لا تُحمّل العامل وحده مسؤولية التكيف مع الضغوط، بل توزع المسؤولية بين الإدارة والتنظيم المؤسسي والعامل نفسه، مع إتاحة الدعم المناسب عند الحاجة.
ولا يعني عرض هذه النماذج أن جميع إجراءاتها مطبقة في مصر أو أنها قابلة للنقل حرفيًا، بل إنها تقدم أدوات يمكن دراستها وتكييفها وفق احتياجات سوق العمل المصري وإمكانات المنشآت السياحية.
خصوصية العمل السياحي تستدعي حلولًا عملية
تتعدد الوظائف داخل القطاع السياحي، من الفنادق والمنشآت السياحية إلى شركات السياحة والإرشاد السياحي والخدمات المرتبطة بالزوار. وقد تتطلب بعض هذه الوظائف التعامل المستمر مع الجمهور، أو العمل بنظام الورديات، أو مواجهة ضغوط المواسم وتغير حجم الطلب.
وفي هذه الظروف، يصبح تنظيم ساعات العمل، وضمان فترات الراحة، وتوزيع الأعباء بصورة عادلة، وتوفير بيئة مهنية تحترم العاملين، عناصر مهمة في إدارة الموارد البشرية.
كما أن طبيعة الخدمات السياحية تتطلب تواصلًا فعالًا وقدرة على التعامل مع المشكلات وتلبية احتياجات الزوار. لذلك، فإن الاهتمام بالعاملين يمثل جزءًا من الإدارة الجيدة التي تسعى إلى المحافظة على الخبرات المهنية وتحسين جودة الأداء.
ويمكن للمنشآت السياحية الاستفادة من التجارب الدولية عبر البدء بإجراءات محددة، تشمل تقييم المخاطر النفسية المرتبطة بالوظائف المختلفة، وإنشاء قنوات آمنة لتلقي الشكاوى، وتدريب المشرفين على الإدارة المهنية العادلة، ومراجعة جداول التشغيل خلال فترات الضغط، وتوفير مسارات واضحة للحصول على الدعم المتخصص عند الحاجة.
التشريعات المصرية والتطبيق الفعلي
يمثل قانون العمل المصري رقم 14 لسنة 2025 إطارًا تشريعيًا لتنظيم علاقات العمل، كما أعلنت وزارة العمل المصرية في أكتوبر 2026 صدور قرارات تنفيذية لتعزيز منظومة السلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل.
ويستدعي تطوير الممارسة المهنية متابعة تطبيق القواعد المنظمة للعمل، ودراسة مدى الحاجة إلى تحديث الإجراءات المتعلقة بالمخاطر المهنية بما يواكب تطورات سوق العمل، مع التحقق من نطاق كل تشريع أو قرار قبل الاستناد إليه.
ومن المهم أيضًا ألا يقتصر الاهتمام بالصحة النفسية على برامج التوعية الفردية، بل يمتد إلى مراجعة تنظيم العمل، وآليات الإشراف، وسياسات التعامل مع الشكاوى، والوقاية من العنف والتحرش والتمييز، وتدريب المسؤولين عن إدارة فرق العمل على اكتشاف المشكلات والتعامل معها بصورة مهنية.
وتحتاج هذه الخطوات إلى تعاون بين الجهات الحكومية المختصة وأصحاب المنشآت والتنظيمات المهنية والنقابية، مع الاستناد إلى بيانات موثوقة ونتائج تقييم قابلة للقياس.
إن تطوير السياحة المصرية لا ينفصل عن الاستثمار في الإنسان الذي يقدم خدماتها. والاستفادة من التجارب الدولية لا تعني استنساخها، بل اختيار ما يتناسب مع واقع المنشآت المصرية واحتياجات العاملين فيها.
ومن هنا، فإن مراجعة منظومة الأمراض المهنية وتطوير سياسات السلامة والصحة المهنية ينبغي أن يسيرا جنبًا إلى جنب مع تحسين ظروف العمل، وترسيخ ثقافة الوقاية، وتعزيز المسؤولية المهنية. فحماية العاملين ليست هدفًا اجتماعيًا منفصلًا عن نجاح السياحة، بل أحد الأسس التي يمكن أن تدعم جودة خدماتها واستدامة نموها.