قالت لي صديقة ذات مرة بدمها الخفيف: “برامج المواعدة -Dating- زي ما تكوني بتدوري على إبرة في كوم قش، محتاجة تولّعي في كوم القش لتنجحي في إيجاد الإبرة”، فقلت لها ضاحكة: “ليس عندي وقت أبحث عن إبرة ولا صدري يستحمل ريحة الحرايق”؛ أخفي أنا الأخرى خيبة أملي العميقة في أن أجد شريكًا لتلك الحياة القاسية التي كُتب علينا أن نحياها فردًا.
صديقتي هذه حاصلة على الدكتوراه، وتعيش باستقلال تام وتُعين أسرتها، وقد تجاوزت الأربعين بخطى واثقة في كل شيء إلا في هذا؛ حيث حرقت أكوامًا من القش ولم تجد الإبرة.
الفشل الذي يُشم قبل أن يُرى
بعد تجارب متكررة تستحدث قدرة أن تشم رائحة الفشل مبكرًا، فهي لا تعرف تحديدًا ماذا فعلت خطأ في كل مرة، لكنها تعرف أن ثمة شيئًا ما يتهاوى قبل أن يبدأ كأن البنيان يُهدم وهو لا يزال في طور الأساس.
في زمننا هذا نعاني جميعًا من الوحدة ونرجو الأُنس، لكننا في الوقت ذاته لا ننجح جميعًا في الوصول إليه؛ ليس لأننا لا نريده بل لأن شيئًا ما في بنية هذا العصر يجعل الوصول إليه أمرًا يشبه المعجزة.
الزيف الذي سكن فينا
أظن أن الأزمة الحقيقية ليست في التطبيقات ولا في ضيق الوقت ولا في ارتفاع معايير الاختيار بل الأزمة أعمق؛ فقد أصبح الناس مزيفين أمام أنفسهم قبل أن يكونوا مزيفين أمام بعضهم.
يقول الشخص إنه يريد الحب والزواج والاستقرار، ويُصرّح بذلك ويُؤمن به ربما، لكنه في الوقت ذاته يُفسد كل فرصة حقيقية لهما؛ فهو لا يريد أن يستثمر وقتًا ولا طاقة، ويريد النتيجة دون أن يدفع ثمن الطريق، وهذا ليس جبنًا بالضرورة بل هو أثر طبيعي لزمن علّمنا أن كل شيء يجب أن يكون فوريًّا وسهلًا وقابلًا للإلغاء؛ بحيث يمكن ببساطة التراجع فيه وإلغائه بضغطة إصبع لتنعدم القيمة للوعود وللكلمة وللإنسان.
زمن يلهث فيه الجميع خلف شيء لا يُسمّونه بدقة وهو شيء يشبه الامتلاء؛ فيبحثون عنه في التطبيقات، وفي الإنجاز، وفي الانشغال الدائم، وفي أي شيء يملأ الفراغ دون أن يُلزمهم بشيء.
تقول لي صديقتي بصوت هادئ يخفي تعبًا طويلًا: “لا أستطيع أن أعيش وحيدة.. لا أستطيع.. هذا ليس صحيحًا”.
وهي محقة؛ فهذا ليس صحيحًا، لكون الإنسان خُلق ليعيش في علاقة ليُحب ويُحَب ويتشارك لا ليتوحد؛ فالفردانية ليست فطرة بل هي حالة طارئة تُسوَّق لنا بوصفها تحررًا بينما هي في جوهرها عزلة معلّبة بعلامة تجارية لامعة، لأقول لها معونة لشكوتنا من الوحدة: “لكننا يجب أن نقبل أننا وحيدون، وأنه في كل مرة تتعبين أو تحتاجين لشخص لن تجدي أحدًا”، ليبقى السؤال المُر: هل عندنا خيار فعلًا؟
رجال في أزمة لا يعترفون بها
حين تُفتشين في المشهد بصدق أكبر تجدين أن جزءًا كبيرًا من الإجابة يقع هناك في الطرف الآخر من المعادلة.
ثمة رجال موهومون بتعويض سلطتهم وقوتهم المنتقصة مجتمعيًّا على أجساد نسائهم؛ فبين عنف مُعلَن وجهل عميق بالمرأة كإنسان يحوّلون الشراكة إلى ميدان إثبات، ولا يبحثون عن رفيقة بل عن مساحة يستعيدون فيها ما أخذه منهم العالم.
وثمة رجال تائهون لا يعرفون عمّ يبحثون بالضبط، يظنون أنهم سئموا الشهوات العابرة ويريدون الاستقرار لكنهم حين يجدون فرصته الحقيقية يتراجعون ليتساءلوا: لماذا يختار إذا كان بمقدوره ألا يختار؟ فيصبح خائنًا لا عن رغبة في الخيانة بل عن عجز في الاختيار أصلًا.
وثمة النوع الثالث وربما هو الأكثر انتشارًا؛ رجال أطفال لم تُفطمهم أمهاتهم بعد، ما زالوا يبحثون عمّن تُكمل رضاعتهم لا عمن تتشارك معهم حياة، ولا يعرفون شيئًا عن المسؤولية ولا عن النضج ولا عما يعنيه أن تقود علاقة وتحملها حين تثقل، فهم يريدون امرأة ناضجة لكن لا يريدون أن يكونوا رجالًا في مواجهتها.
وبين هؤلاء جميعًا تضيق الخيارات حتى تكاد تنعدم.
ثلاثة خيارات لا رابع لها
حين نستعرض المشهد بصدق نجد أنفسنا أمام ثلاثة خيارات لا يُبهج أيٌّ منها؛ الأول أن نقبل علاقات مشوّهة ومؤذية تُنتج أسرًا هشّة وتُنجب أطفالًا يحملون جروح من لم يكن مستعدًّا للأبوة أصلًا، وهم أطفال قد نقضي بقية أعمارنا قلقين على اللحظة التي سيكتشفون فيها حقيقة ما جمع أبويهم أو فرّق بينهما.
الثاني أن نقبل بعلاقات رمادية باهتة لا حب فيها ولا تشارك حقيقي هدفها الوحيد حفظ الشكل الاجتماعي حتى لا يقول أحد شيئًا؛ فتُبنى بيوت من الصمت والإلزام لا تُورث أصحابها سعادة بل تُورثهم مزيدًا من الوحدة لكن هذه المرة بصحبة شخص آخر.
الثالث الوحدة؛ وهي الخيار الذي يختاره كثيرون دون أن يختاروه فعلًا بل يجدون أنفسهم فيه بعد أن أرهقهم الخياران الأولان.
الحب في زمن الفردانية
أصبح الحب مستحيلًا أو هكذا يبدو؛ حيث يبدو أن البشر باتوا أقل قدرة على الحب، بل إن المنظومة كلها باتت تعمل ضد الحب من خلال اقتصاد يُنتج قلقًا لا يُجيد أحدٌ معه التفرّغ لعلاقة، وثقافة تُمجّد الاكتفاء الذاتي حتى حين يكون مجرد قناع للخوف، وتكنولوجيا تمنحك وهم الاختيار اللانهائي فتجعلك عاجزًا عن الالتزام بأي خيار.
وفي هذا كله تجلس صديقتي وتُحرق كوم القش الجديد بحثًا عن إبرة ربما لم تُفقد بل ربما دُفنت عميقًا تحت ثقل هذا الزمن الذي نُسمّيه تقدمًا.
هل فقدنا القدرة على الحب فعلًا أم فقدنا الشجاعة عليه؟ وهل ننتوي أن نتعلم ونتحمل مسؤولية علاقات سليمة؟ هذا هو السؤال الذي لا أعرف إجابته، لكنني أعرف أن الأمر يستحق أن نسأله بصدق.