في توقيتٍ تشتعل فيه النيران على ضفاف الممرات المائية الدولية، وتتحول منطقة القرن الإفريقي إلى رقعة شطرنج للصراعات الكبرى، تأتي زيارة رئيس إقليم “أرض الصومال” (صوماليلاند)، عبد الرحمن إيرو، إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، لتثير تساؤلات تتجاوز بروتوكولات الزيارات التقليدية.
فما الذي تبحث عنه أبوظبي في الإقليم “غير المعترف به”؟ وهل تهدد هذه التحركات سيادة الدولة الصومالية المركزية؟
ليست سياسة.. بل “لغة المصالح”
تؤكد السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الإفريقية سابقًا، أن الزيارة تكتسب أهميتها من الطبيعة الاستراتيجية لـ“صوماليلاند”، خاصة بعد خطوة الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم أواخر عام 2025.
ومع ذلك، تشير عمر خلال حديثها لـ“القصة” إلى أن العلاقات “الإماراتية – الهرجيسية” ليست وليدة اليوم، بل هي علاقات ذات طابع تجاري واقتصادي بالأساس، بدأت منذ سنوات عبر استثمارات ومناقصات في الموانئ.
وتستبعد السفيرة عمر تمامًا أن تتجاوز الإمارات سيادة الحكومة المركزية في مقديشو، قائلة: “الإمارات لم نعهد منها التعدي على سيادة الدول، ومن المستبعد أن تؤدي هذه الاتصالات إلى اعتراف رسمي بقيام دولة مستقلة، فالعلاقات لا تزال تأخذ طابعًا اقتصاديًا أكثر منه سياسيًا”.
تأمين الممرات في ظل “نار هرمز”
وتشير عمر إلى أنه لا يمكن قراءة هذه الزيارة بمعزل عن المشهد الإقليمي المتفجر؛ ففي ظل المواجهة المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، وإغلاق مضيق هرمز، وتصاعد هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، تبرز “أرض الصومال” كلاعب استراتيجي يطل على المحيط الهندي وباب المندب.
وترى السفيرة منى عمر أن التحرك الإماراتي قد يكون محاولة استباقية “لتأمين المنطقة وضمان عدم استخدامها للقيام بأي أعمال عسكرية ضدها”، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة أعمق للدور الإماراتي، الذي يسعى لتأمين الملاحة من خلال “الفاعلين المحليين” بدلًا من استقدام قوات أجنبية جديدة إلى المنطقة.
التوافق المصري الإماراتي: أين تلتقي الرؤى؟
رغم الحساسية السياسية لملف “صوماليلاند”، يبرز تقاطع استراتيجي بين القاهرة وأبوظبي في نقطة واحدة: أمن البحر الأحمر.
وتوضح السفيرة عمر لـ“القصة” أنه لا يوجد تعارض جوهري إذا كانت الأهداف تتركز على تأمين مدخل البحر الأحمر والقرن الإفريقي دون المساس بسيادة الصومال أو تكريس وجود أجنبي دائم. فالقاهرة، التي تدعم وحدة الصومال بقوة، تشترك مع القوى الإقليمية في الرغبة في استقرار هذه المنطقة الحيوية للأمن القومي المصري والعربي.
الرهان على “الأمر الواقع”
بينما يغادر الرئيس “إيرو” أبوظبي محمّلًا بوعود استثمارية وربما تفاهمات أمنية غير معلنة، يبقى السؤال: هل تنجح “هرجيسا” في تحويل ثقلها الاقتصادي والجغرافي إلى اعتراف سياسي كامل؟ أم أن القوى الإقليمية، وعلى رأسها الإمارات، ستكتفي بالتعامل مع الإقليم كـ“ضرورة أمنية” مع الحفاظ على خيط رفيع من التوازن مع مقديشو؟