الأحزاب متراجعة لأسباب تخصها وأخرى تخص السلطة
الأحزاب تفتقد الشخصيات التي لديها استعداد لانتزاع الحرية ودفع الثمن
المعارضة الحقيقية تواجه تضييقًا من جهات عديدة
أي حزب يريد صناعة البديل يتم اختراقه وتفكيكه من الداخل
تجفيف الموارد المادية ومنع التواصل مع الجمهور أبرز صور التضييق على الأحزاب
كان لدينا ديكور حزبي محدد قبل ثورة يناير صار الآن أكبر بكثير
على الأحزاب اللجوء إلى التحالفات لمواجهة ضعف إمكانياتها
رغم امتلاكها دورًا محوريًا في أي حياة سياسية فاعلة، تواجه الأحزاب المصرية تحديًا كبيرًا يتمثل في تراجع حضورها وتأثيرها لدى قطاعات واسعة من المواطنين، ما يجعل الجميع يتسائل حول أسباب ابتعادها عن الشارع، ولماذا لم تعد قادرة على جذب اهتمام الناخبين أو تقديم نفسها كحلقة وصل حقيقية بين المجتمع وصناع القرار.
وتأتي هذه التساؤلات في وقت وجّه فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة بالعمل على تنشيط الحياة الحزبية. وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، إلى جانب استكمال الاستعدادات اللازمة لإجراء انتخابات المجالس المحلية المتوقفة منذ نحو 18 عامًا.
ومن هنا تفتح “القصة” ملف مستقبل الأحزاب السياسية، بحثًا عن أسباب تراجع دورها، وما الذي تحتاجه لاستعادة ثقة المواطنين والعودة إلى صدارة المشهد العام.
قال الدكتور عمار علي حسن، أستاذ علم الاجتماع السياسي، إن الأحزاب متراجعة لأسباب عديدة، بعضها يخصها وبعضها من السلطة، مضيفًا أن السبب الذي يخص الأحزاب هو افتقادها للغالب الأعم من الشخصيات التي لديها استعداد لانتزاع الحرية ودفع الثمن.
وأشار حسن إلى أن أغلب الأحزاب إما إنها أحزاب سلطة تسيطر عليها أجهزة الأمن، أو أحزاب تقوم بدور معارضة شكلية تنتظر الفتات المتاح من السلطةـ أو أحزاب تريد لعب المعارضة الحقيقية لكن تجد تضييقا شديدا من عدة جهات.
وأوضح حسن أن أول صور التضييق الذي تواجهه الأحزاب هو تجفيف الموارد والمنابع المادية التي تساعد هذه الأحزاب على فتح مقرات لها في مختلف المحافظات، مؤكدًا أن أي صاحب مال أو رجل أعمال منشغل بالحياة العامة لا يستطيع تقديم تبرعات لمثل هذه الأحزاب، خوفًا من التأثير السلبي على مصالحه. “لأن السلطة لدينا دائما تفضل أن يعمل أصحاب الأموال معها وليس مع المعارضة على الإطلاق” وفقا لرؤيته.
وتابع: “الأمر الآخر أن أجهزة الأمن تمنع هذه الأحزاب من التواصل مع الجمهور، فهي غير ممكنة من بناء شبكات اجتماعية عبر لقاءات دورية بالناس في مختلف الأماكن، كما أنها غير مُمكَّنة من إقامة سرادقات لندوات ومؤتمرات واحتفالات ومناسبات سياسية، وتقتصر هذه الأمور على الأحزاب التي تمثل السلطة، لكن الأاحزاب المعارضة لا يمكنها فعل ذلك”.
وقال أستاذ الاجتماع السياسي: “أي حزب يريد ممارسة دوره الطبيعي في المعارضة وصناعة البديل، يتم اختراقه وتطويقه وتفكيكه من الداخل، موضحًا أن هذا الأمر يتم من خلال استمالة بعض الشخصيات داخله، أو إخافتهم بشكل أو بآخر. وهذا سلوكًا ممتدا وثقافة متوارثة من أيام حسني مبارك ولا تزال موجودة حتى الآن”.
وأضاف حسن سببا آخر لتراجع دور الأحزاب، هو أن بعض الشخصيات التي تريد لعب المعارضة الحقيقية يتم تشويهها من خلال إعلام مملوكا بشكل كامل للسلطة السياسية.
وتابع: “فالأحزاب محاصرة في حقيقة الأمر، وضعيفة ماديًا وغير مؤهلة للتغلغل في الشارع للأسباب سالفة الذكر”.
وعن كيفية عودة الأحزاب لممارسة دورها في ظل إحكام القبضة عليها، أكد حسن أن الحرية لا بد أن تُنتزع ولا توهب موضحا أننا أمام أحزابا رسمية وشرعية لابد أن تمارس نوعا من المواجهة والتحدي، وأن تكون موجودة وتلعب أدوارها المنوطة بها، فتنزل إلى الشارع ولو في الميادين العامة وتلتقي المواطنين وتتعامل معهم، وتقدم لهم الأفكار وتبحث أزماتهم ليشعروا بها وبوجودها، ويبدأوا في التعاطي معها. مشددا على أن الجمهور يحتاج من يذهب إليه لا من ينتظره.
وتابع: “لكن الاكتفاء باللقاءات الصغيرة داخل مقرات الأحزاب، التي تكون أشبه بالصالونات الثقافية من العمل السياسي، والانكماش على الذات خوفًا من العقاب، أو طمعًا في بعض المنافع مثل إلحاق بعض الشخصيات في هذه الأحزاب بالبرلمان بغرفتيه أو بمواقع أخرى داخل الدولة، فجميعها أمورا لن تجدي نفعا”.
ولفت حسن إلى أن مثل هذه الممارسات أدت إلى سقوط أغلب الأحزاب في عيون المصريين. ولم يعد الناس ينظرون إليها بعين الاعتبار والاحترام. ولا يعتبرونها لاعبا سياسيا يستحق الاهتمام والمتابعة.
وعن إمكانية نهوض بعض الأحزاب، ومحاولة العودة للشارع والعمل السياسي، قال حسن إننا نعاني معادلة جهنمية اسمها “أحزاب بلا جماهير وجماهير بلا أحزاب”.
وأضاف أن الأحزاب السياسية بدأت تصنع جماهيرها عقب ثورة يناير، وكان هناك شهية مفتوحة للعمل السياسية، وطموح كبير جدا لتوسيع قواعد هذه الأحزاب.،ثم تم العودة إلى الحالة التي كُنَا نعيشها قبل ثورة يناير، فتواجدت أحزاب صغيرة محاصرة، بعضها بلا تاريخ وبلا شخصيات وازنة في الحياة السياسية.، ذلك بلا تأثير أو شهرة أو إمكانيات مادية، فأصبحت أقرب إلى الديكور. وتابع: “كان لدينا ديكور محدد قبل ثورة يناير، صار الآن ديكورا أكبر بكثير جدا نتيجة أننا أصبح لدينا عشرات الأحزاب لكن بلا فاعلية”.
ونصح أستاذ علم الاجتماع السياسي بضرورة لجوء الأحزاب السياسية المصرية إلى التحالفات بسبب ضعف إمكانياتها، موضحًا أن كل مجموعة أحزاب متقاربة في الأفكار عليها أن تُنشئ تحالفا وتطلق عليه اسم يمثلها، وتعمل معا بعد الاتفاق على أجندة ومحاولة تنفيذها على أرض الواقع، ليصبح لدينا تكتلات سياسية تسند بعضها بعضا وتستطيع العمل بشكل حقيقي.