تتأثر حسابات أسعار الأضاحي قبيل عيد الأضحى المبارك بمعادلات تتجاوز العرض والطلب التقليدي وتكاليف الأعلاف والرعاية البيطرية المحلية، لتتحول مائدة العيد إلى مرآة تعكس حجم الاضطرابات الجيوسياسية والحروب الإقليمية التي تشهدها خطوط التجارة العالمية وممرات الملاحة الحيوية.
وفي هذا السياق، كشفت الدكتورة هدى الملاح، مدير عام المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى، في حديثها لـ “القصة” عن الأبعاد الخفية التي باتت تتحكم في الأسواق المحلية، مؤكدة ارتباط سوق الغذاء بدرجة الاستقرار السياسي والأمني في مناطق التجارة العالمية.
من المربي المحلي إلى الموانئ الدولية
وأوضحت الملاح أن سعر الأضحية في الأسواق المحلية يتحدد من خلال مجموعة متشابكة من العوامل، حيث تبدأ هذه الرحلة من تكلفة التربية والإنتاج التي تشمل الأعلاف والرعاية البيطرية والطاقة والنقل والعمالة، وهي عناصر شهدت ارتفاعات متتالية خلال السنوات الأخيرة بالتزامن مع حجم الطلب الموسمي الذي يرتفع عادة مع زيادة الإقبال وقلة المعروض النسبي، وقالت الملاح في شهادتها: “رغم أهمية الإنتاج المحلي، فإن الاستيراد أصبح عنصرا مؤثرا في ضبط السوق وتخفيف الضغط على الأسعار، خاصة في مواسم الأعياد التي تشهد طلبا مرتفعا على الأضاحي واللحوم الحية أو المجمدة”.
وأشارت إلى أن السوق المصري يعتمد بصورة ملحوظة على استيراد المواشي واللحوم الحية من عدة دول أبرزها السودان والبرازيل وجيبوتي والصومال، وأحيانا من بعض دول شرق أفريقيا وأمريكا اللاتينية وفقا للظروف الصحية والتجارية، حيث تصل هذه الشحنات عبر الموانئ البحرية لتخضع لإجراءات حجر بيطري وفحوص دقيقة قبل توزيعها في الأسواق.
مضيق باب المندب والبحر الأحمر.. هنا تسعر الأضحية
وفي زاوية تحليلية أعمق، ربطت الخبيرة الاقتصادية بين أسعار السلع الموسمية والتوترات الجيوسياسية في منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مؤكدة أن اضطراب الملاحة في هذه المناطق الحيوية يدفع شركات الشحن العالمية إلى تغيير مسارات السفن أو رفع رسوم النقل والتأمين البحري، وكلما زادت مدة الرحلات أو ارتفعت تكلفة التأمين انعكس ذلك مباشرة على التكلفة النهائية للاستيراد وبالتالي على سعر الأضحية والسلع الغذائية المرتبطة بها.
وأضافت الملاح أنَّ أي تهديدات للممرات البحرية الحيوية يخلق حالة من القلق في الأسواق العالمية، فتزداد تكلفة النقل وسلاسل الإمداد حتى قبل حدوث نقص فعلي في السلع، حيث أصبحت الحروب والنزاعات الإقليمية بالفعل جزءا من معادلة تسعير الغذاء.
كيف تنتقل آثار الحرب إلى جيب المستهلك؟
واستطردت الملاح مبينة الآلية المترابطة التي تنتقل عبرها آثار الحروب اقتصاديا، حيث يسير التأثير وفق تسلسل دقيق يبدأ من التوتر السياسي الذي يؤدي إلى اضطراب حركة النقل، لترتفع تبعا لذلك تكاليف التأمين والشحن البحري، مما يزيد من تكلفة الاستيراد الإجمالية على التاجر أو الدولة، لتصل الزيادة في النهاية إلى المستهلك في صورة أسعار أعلى للغذاء، وضربت أمثلة حية شهدتها المنطقة مؤخرا، مثل الحرب في السودان التي أثرت مباشرة على حركة تجارة المواشي، واضطرابات البحر الأحمر التي رفعت تكاليف الشحن عالميا.
تحول في مفهوم السلع الموسمية
واختتمت الملاح تصريحاتها بالإشارة إلى أن هذا التأثير يتجاوز قطاع الأضاحي ليمتد ويشمل مدخلات إنتاج السلع الأساسية الأخرى كالأعلاف والسكر والزيوت واللحوم والدواجن، ونبهت إلى أننا أمام تحول جديد في مفهوم السلع الموسمية، حيث تتحرك أسعارها وفق الأزمات العالمية بدلا من الاقتصار على المواسم المحلية، ليجد المواطن نفسه في كثير من الأحيان متحملا وبشكل غير مباشر كلفة عالم مضطرب سياسيا واقتصاديا، مما يترجم النزاعات عبر البحار والأسواق إلى أرقام إضافية في فاتورة غذائه اليومية.