لم تعد جرائم قتل الأزواج والزوجات في مصر مجرد أخبار عابرة تتصدر مواقع الأخبار لساعات ثم تختفي، بل تحولت إلى جرس إنذار يدق بعنف في وجه المجتمع بأسره.
فمن الهرم بالجيزة إلى عين شمس بالقاهرة، ومن الإسكندرية إلى قرى الريف المصري في السيفا وأجهور الكبرى بالقليوبية، تتكرر المأساة بصورة تكاد تكون يومية، حتى بات المواطن يفتح هاتفه كل صباح متوقعًا أن يجد ضحية جديدة سقطت داخل منزل كان من المفترض أن يكون ملاذًا للأمان والرحمة. والأخطر من الجريمة نفسها هو اعتيادنا عليها.
لم نعد نتوقف كثيرًا أمام خبر مقتل زوجة على يد زوجها، أو زوج على يد زوجته. تمر الأخبار سريعًا، وتتزاحم فوقها أخبار أخرى، بينما تبقى خلف كل جريمة أسرة محطمة وأطفال يدفعون الثمن طوال حياتهم.
ويأتي خبر مقتل سيدة في قرية أجهور الكبرى بالقليوبية ليكشف حجم المأساة التي وصلنا إليها.
فبحسب ما يتداوله أهالي القرية وشهود العيان، فإن السيدة التي أصبحت حديث الجميع لم تكن تعيش حياة عادية. قبل سنوات سقطت من الطابق الثاني ونجت من الموت بأعجوبة، لكنها دفعت ثمنًا باهظًا؛ إذ عاشت تعاني من إعاقات صحية أفقدتها جزءًا كبيرًا من قدرتها على ممارسة حياتها بصورة طبيعية، وكأن القدر منحها فرصة جديدة للحياة بعدما كانت على أعتاب الموت.
لكن السؤال الذي يطارد الجميع اليوم: هل كُتب لهذه السيدة أن تنجو من الموت مرة لتواجهه مجددًا داخل منزلها؟
تتردد أقاويل كثيرة حول تفاصيل الجريمة، وتتعدد الروايات التي يتناقلها الناس، غير أن الكلمة الأخيرة ستظل للطب الشرعي وجهات التحقيق المختصة.
لكن بعيدًا عن التفاصيل الجنائية، يبقى سؤال إنساني لا يمكن الهروب منه: بأي ذنب قُتلت؟
هذا السؤال لا يخص ضحية أجهور الكبرى وحدها، بل يخص عشرات الضحايا اللاتي سبقنها، وربما ضحايا أخريات قد يلحقن بها إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه.
كيف وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها القتل وسيلة لحل الخلافات؟
وكيف تحولت المشكلات الزوجية التي كانت تجد طريقها إلى العقلاء وكبار العائلات إلى جرائم تنتهي في أقسام الشرطة والنيابات والمشارح؟
عند مراجعة معظم هذه الجرائم نجد أسبابًا متشابهة تتكرر بصورة مقلقة؛ خلافات أسرية متراكمة، وتعاطي المخدرات، وانفلات أخلاقي، وضعف في الوازع الديني، وتراجع لدور الأسرة، وغياب لبرامج التوعية الحقيقية.
ولا شك أن المخدرات تقف خلف عدد كبير من هذه الجرائم، بعدما أصبحت آفة تهدد استقرار الأسرة المصرية قبل أن تهدد صحة الفرد نفسه. لكن تحميل المخدرات وحدها المسؤولية يمثل تبسيطًا مخلًا للمشكلة.
فهناك مسؤولية أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في حالة الاستقطاب والكراهية التي يجري ضخها يوميًا بين الرجل والمرأة عبر بعض المنصات والبرامج ومواقع التواصل الاجتماعي.
برامج لا تقدم حلولًا بقدر ما تتغذى على الصراع، وتجعل الزوج خصمًا لزوجته، والزوجة خصمًا لزوجها. برامج لا تسعى إلى بناء الأسرة بقدر ما تسعى إلى تحقيق نسب مشاهدة وتفاعل، ولو كان الثمن مزيدًا من الاحتقان والكراهية.
وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه الناس خطابًا يدعم استقرار الأسرة ويحافظ على تماسكها، وجدوا أنفسهم وسط معارك لا تنتهي حول الحقوق والواجبات، حتى تحولت بعض النقاشات إلى حالة من التحريض المتبادل بين الرجال والنساء.
ولا يعني ذلك أن هذه البرامج هي القاتل المباشر، لكنها بلا شك تسهم في صناعة بيئة مشحونة بالغضب والعداء وفقدان الثقة، وهي البيئة التي تصبح فيها الشرارة الصغيرة قادرة على إشعال حريق كبير.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تحميل الدولة وحدها المسؤولية، فلا توجد دولة في العالم تستطيع أن تضع رجل شرطة داخل كل منزل.
فالأمن يواجه الجريمة ويعاقب مرتكبيها، لكنه لا يستطيع أن يزرع الرحمة في القلوب، أو يعلم الناس كيف يديرون خلافاتهم، أو يعيد بناء منظومة القيم التي تحمي الأسرة من الانهيار.
ومن هنا، لا بد أن يتحمل الجميع مسؤولية ما نواجهه اليوم؛ الأسرة التي تربي، والمدرسة التي تعلم، والمسجد والكنيسة اللذان يوجهان، والإعلام الذي يؤثر، والمثقفون الذين يصنعون الوعي، وكل صاحب كلمة تصل إلى الناس.
إن حادث أجهور الكبرى لم يكن الأول، وللأسف إذا استمرت الأسباب نفسها فلن يكون الأخير.
فالخطر الحقيقي لا يكمن في جريمة وقعت بالأمس، بل في مجتمع بدأ يتعامل مع الجريمة باعتبارها خبرًا عاديًا.
وعندما يصبح الدم خبرًا عاديًا، ويتحول القتل إلى وسيلة للتعبير عن الغضب، وتفقد الأسرة حصانتها الأخلاقية والنفسية، فإن الخطر لم يعد يهدد بيتًا بعينه، بل بات يهدد المجتمع كله.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: من قتل هذه السيدة؟ بل: من الذي يقتل الأسرة المصرية؟