أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

سلطة الشارع

محمد المنشاوي

لا فضاءَ خاليًا في أي وقت، مهما بدا لنا في ظاهره، وكل حيز يخلو اليوم يمتلئ غدًا. فالبيت الذي يرحل عنه أهله تشغله الجرذان والحشرات والهوام، وتعشش فيه العناكب، وكذلك شأن الشارع؛ فإذا خلا من الأفاضل شغله الأراذل.

والشارع فضاء ممتد ومتفرع ومتوغل في الريف والحضر والبادية، يموج بألوان وصنوف من البشر وغيرهم، مع ما يصاحب أولئك وهؤلاء من لوازم وحاجات وعقول وثقافات وعادات وتقاليد، قد يتجانس بعضها، ويتنافر بعضها الآخر. والشارع لم يكن يومًا بيئة صلبة ساكنة، فهو بيئة متحركة، ساعية، نشطة.

والشارع، في أي موضع، جزء من الفضاء الاجتماعي الواسع، حتى إننا نطلق، في كثير من الأحوال، وفي خطابنا السياسي، مسمى (الشارع) على ذلك الفضاء الاجتماعي كله، فنقول، مثلًا: هذا رأي الشارع، أو حال الشارع، أو مستقبل الشارع، ونقصد من كل ذلك المجتمع بأسره. معنى ذلك أن مفهوم الشارع ينتقل من الجزء إلى الكل، ومن الخاص إلى العام، فهو مفهوم يعبر عن معنى من معاني الهيمنة والسطوة.

أخبار ذات صلة

Screenshot_٢٠٢٦-١١-٠٢-٢٠-٣٥-٠٢-١٣٣_com.android
بين صناديق الاقتراع وصواريخ إيران.. هل يغامر ترامب بالتصعيد قبل أن يفقد السيطرة على الكونجرس؟
النواب
قرض الـ 45 مليون يورو يشعل الجدل في البرلمان قبل الموافقة عليه.. والنواب يسألون: أين تذهب أموال الديون؟
images (2)
هل تبدأ ضخ المليارات بالساحل؟.. الديار القطرية تعتزم تطوير "علم الروم" بأموال بنوك مصرية

ولم يكن الشارع يتسع لهذه المعاني، أو يحتل هذه المكانة، ويأخذ هذه الأبعاد، إلا بسبب تأثيره الحاد في الفضاء الاجتماعي، وتأثر الأخير به؛ فالشارع لصيق الجماهير، والجماهير لصيقة به. ومن ثم فإننا نعد الشارع صورة حقيقية مجردة للمجتمع العام دون زيف أو ادعاء، إذ فيه تتجلى كل صور الحياة، وتبرز كل عقلية تعلن عن نفسها على نحو ما. وقد يشكل الشارع، في نهاية الأمر، الرأي العام والوجدان الجمعي دون مواربة.

ومن ثم فإن أي استطلاع لحالة الشارع المصري سوف يكشف عن انفراد هذا الشارع ببعض الخصائص التي تمايزه عن غيره، إذ لم يعد فضاءً مروريًا للمشاة والمركبات والدواب، لكنه صار فاعلًا في تشكيل قيم ومعايير جديدة حاكمة، قادرة على قلب أوضاع المجتمع على غير ما كان عليه من قبل.

وكما ذكرت آنفًا، فإن كل مساحة تفرغ من مضمون ما سرعان ما يملؤها مضمون جديد. لقد اختفت معظم المظاهر الإيجابية في شارعنا المصري بغياب دور المؤسسات التربوية الأصلية، فكان من الطبيعي أن يُملأ هذا الفراغ التربوي بمضامين وأنساق جديدة ومغايرة، وأصبحت هي المدرسة البديلة، متمثلة في الشارع وما له من سلطة طاغية في التغيير الاجتماعي، من خلال إعادة صياغة العلاقات بين الأفراد والجماعات، وتغيير قيمهم واتجاهاتهم، وإجبارهم على التحول تحت وطأة وكثافة إيقاع الحياة.

ولا يبقى على هامش هذه السلطة وجبروتها سوى قلة من الحالمين الطوباويين الذين يتمسكون ببقايا خيوط من نور الأمل البعيد. إن سلطة الشارع سلطة آخذة في التنامي والتكاثف يومًا بعد يوم، بفعل ثورة الاتصالات وفنون الميديا وهيمنة مفاهيم العولمة. ومن المحزن أن هذا التنامي والتكاثف يتجه نحو كل ما هو سلبي ومدمر.

ولقد طالت هذه الهيمنة لغة الناس وقيمهم ومعاييرهم، وقلبت كل ذلك إلى مشهد مأساوي يتجلى في كل مظاهر حياتنا المادية والمعنوية. فالشارع الراهن يعكس كل التغيرات الفادحة التي نعيشها وفي ظلها اليوم؛ فلديك قيم قد تبدلت، وعلاقات قد تمزقت، ولغة قد تشوهت. إنه حراك اجتماعي نحو الأسوأ، بفعل سلطة الشارع العارمة والقاسية، التي تشعبت تمثلاتها في حوادث العنف الظاهرة، وتدني مستويات الذوق، واختفاء مساحات التسامح، وغياب الوعي العام، والسطو على المال العام، والإعلاء من شأن مظاهر السطحية، وتزيين الظواهر السلبية، والدفع بها بوصفها ظواهر مُثلى ينبغي الاحتذاء بها.

والشارع يستمد سلطته من مبادئ الناس وقيمهم وأخلاقهم وطرق تفكيرهم، ومن ثم تتأرجح هذه السلطة بين مسارات الاعتدال والتوسط والتطرف. ولا شك أن الفضاء الاجتماعي يتأثر تأثرًا مباشرًا بكل ما يحيط به من سياسات مختلفة، ومن ثم فهو تابع لها.

ونظرًا لما مر به الشارع المصري من تقلبات ما بعد اقتصاد الانفتاح، وما تبعه من تحولات جامحة موجعة، فقد أخرج مردة المجتمع وشياطينه من قماقمهم، ليصنعوا لنا شارعًا مصريًا جديدًا، عبثيًا وهزليًا، لم يسبق للفضاء الاجتماعي المصري أن عرف نظيرًا له على مدار تاريخه.

وكان من مخاطر هذا التحول العبثي أنه أطل علينا سريعًا بوجوهه القبيحة، فأشعل حريقًا هائلًا، وتلاشت صفارات الإنذار أمام دوي اضطرامه وأجيجه. ومضى هذا الحريق يحرق كل من يعترض طريقه، وكانت من نتائجه أن أوجد ذلك الشارعَ ذا السطوة والسلطة، اللتين تزحفان وتتسللان إلى عقولنا وأرواحنا، حتى بتنا جميعًا تحت سلطة ذلك الشارع الفاسد، الطاغي، المستبد.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

طلعت فهمي
طلعت فهمي: القيود على العمل السياسي تعرقل ظهور مرشحي الأحزاب للرئاسة| ملف
IMG-20261103-WA0097
هالة الدسوقي تكتب: بعد فرحة الدمج.. قرارات منصفة وواقع على المحك
النائب فريدي البياضي
«إحنا شغالين عند الديانة؟».. المصري الديمقراطي يرفض قرضًا أوروبيًا بـ45 مليون يورو
صورة مركبة علي خامني ودونالد ترامب
السيناريو المرعب يكتمل.. إيران تعلن "الإنذار الأخير" وتدرب شعبها على النجاة من الجحيم النووي

أقرأ أيضًا

عبد الغني الحايس
الحرية المفقودة
عبد الغني الحايس
الحرية المفقودة
f6629a58-47ca-4204-a9fe-0eacabf67004
المتحف المصري الكبير عام من الإبهار العالمي.. فهل تتحول الزيارات إلى مليارات للسياحة؟
IMG-20261016-WA0028(3)
ليبيا.. قرار مجلس الأمن وقنابل الدخان في الداخل