لم تعد أزمة الطاقة والتحولات الاقتصادية في إثيوبيا مجرد تفاصيل معزولة عن التوترات السياسية والعسكرية الدائرة في البلاد، إذ أخذت تتقاطع مع معادلات الملاحة والمسارات المائية وسلاسل التصدير، لتطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة أديس أبابا على الاستمرار في نموذجها الذي يقوم على تحويل الطاقة الكهرومائية إلى نفوذ إقليمي ومصدر للعملة الصعبة.
وفي تطور لافت، خفضت شركة الكهرباء الإثيوبية (EEP) الطاقة المخصصة لشركات تعدين العملات الرقمية “البيتكوين” إلى 23% فقط من الكميات المتعاقد عليها، بعد أن كانت توفر نحو 98%، مبررة ذلك بانخفاض التدفقات المائية إلى الخزانات بنسبة 20% بسبب ظروف الجفاف المرتبطة بظاهرة “إل نينيو”، مع الإعلان عن احتمالية إعادة تقييم الوضع وإجراء تخفيضات إضافية.
يجيء ذلك في وقت أعلنت فيه السلطات الإثيوبية أن سد النهضة أضحى يولد نحو 52% من إيرادات صادرات الكهرباء إلى دول الجوار (كينيا، جيبوتي، السودان، وتنزانيا)، بالتزامن مع انفجار الأوضاع العسكرية في الشمال واتساع المواجهات في تيجراي وأمهرة وعفار عقب الإعلان عن تحالف من سبع فصائل مسلحة لإسقاط حكومة آبي أحمد.
أرقام التصدير ورسائل النفوذ
تراهن إثيوبيا على الطاقة الكهرومائية لتوفير السيولة بالعملة الصعبة، حيث تشكل صادرات الكهرباء جزءًا رئيسياً من الإيرادات الرسمية لشركة EEP، ومع وصول سد النهضة إلى مرحلة توليد أكثر من نصف هذه الإيرادات، بدأت الدولة تتوسع في إبرام العقود العابرة للحدود لتصدير الطاقة.
غير أن تراجع المناسيب المائية سلط الضوء على حساسية القوة التوليدية للسد، إذ تشير بيانات EEP إلى أن انخفاض المياه في الخزانات قد يترتب عليه فقدان نحو 50 ميجاوات لكل وحدة توليد، مما يضع التزامات التصدير في مواجهة مباشرة مع ضغوط الاحتياجات الداخلية.
من “استغلال الفائض” إلى “منافسة الموارد”
اتجهت إثيوبيا نحو تشجيع الاستثمار في تعدين “البيتكوين” كونه نشاطاً كثيف الاستهلاك للطاقة، مما سمح بتحقيق مكاسب سريعة لشركة الكهرباء عبر بيع الطاقة المنخفضة التكلفة واستقطاب التدفقات المالية، حيث استحوذ التعدين خلال السنة المالية السابقة على نحو ثلث إنتاج الكهرباء ووفر قرابة 35% من إيرادات الشركة.
ومع ذلك، أدى تراجع الإمدادات المائية إلى تحول هذا النشاط من مجرد مستهلك لـ”الفائض الكهربائي” إلى منافس حقيقي لقطاعات الإنتاج والمنازل والقطاع الصناعي، وهو ما دفع الحكومة إلى تقديم الاستهلاك المحلي والتصنيع على حساب تعدين العملات والتصدير.
تحليل أزمة المياه وهشاشة المنظومة
قال الدكتور محمد صلاح السبكي، الرئيس الأسبق لهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، في حديثه لـ”القصة”، إن الخفض الحالي يمكن النظر إليه أولاً باعتباره إجراء احترازيا مرتبطا بالظروف المائية والموسم الجاف، لكنه في الوقت نفسه يكشف نقطة ضعف هيكلية في منظومة الكهرباء الإثيوبية، وهي الاعتماد الكبير على الطاقة الكهرومائية.
وأوضح السبكي أن إنتاج الكهرباء من السدود الكهرومائية مرتبط بصورة مباشرة بكمية المياه المتاحة وبمناسيب الخزانات، لافتاً إلى أن سد النهضة ليس منفصلًا عن المنظومة المائية الإثيوبية ككل؛ فإذا تراجعت الموارد المائية تصبح إدارة المخزون أكثر أهمية للتوفيق بين التوليد الحالي والحفاظ على كفاءة النظام خلال فترات المطر الأقل.
وأشار إلى أن الأولوية المنطقية في أوقات نقص الكهرباء تكون لتأمين الاستهلاك المحلي والقطاعات الإنتاجية الأساسية، ثم تأتي الاستخدامات التي يمكن تأجيلها أو خفضها، وهو ما يفسر إعلان شركة EEP إعطاء الأولوية للاستهلاك الصناعي والمحلي على حساب التعدين والتصدير.
وأضاف السبكي أن تعدين العملات الرقمية كان جذابًا لإثيوبيا كونه يوفر عائدًا ماليًا وعملة أجنبية، لكنه عندما تنخفض القدرة المتاحة بسبب المياه يتحول من مجرد مستهلك لفائض كهربائي إلى منافس على موارد الطاقة مع الصناعة والتصدير، وشكك في استدامة النموذج دون تنويع مصادر الطاقة، مختتماً بأن المشكلة الحقيقية تكمن في الاعتماد على مورد مائي متغير لتمويل نشاط يحتاج إلى كهرباء كثيفة بصورة مستمرة.
من جانبه، قال الدكتور محمد سبكي، أستاذ الطاقة الجديدة والمتجددة، “للقصة”، إن الاعتماد على الطاقة المائية كمصدر أساسي يجعل تدفقات المياه حيوية للغاية لكونها موسمية، وأي انخفاض فيها يتسبب مباشرة في معانات إثيوبيا من تراجع إنتاج الكهرباء.
وأكد سبكي أن القرار الإثيوبي بجهتيه الموسمية يكشف بوضوح “هشاشة المنظومة الإثيوبية” القائمة على مصدر واحد متغير، موضحاً أن التغلب على هذه الهشاشة يستوجب إما بناء محطات حرارية مكلفة أو تعزيز الشبكة عبر مشاريع الربط الكهربائي بين دول حوض النيل مصر، السودان، وإثيوبيا للتغلب على التغيرات الجغرافية و الموسمية للمياه بدلاً من التنافس على حصص المياه.
وأضاف أستاذ الطاقة أن توليد الكهرباء من المصادر المائية يرتبط مباشرة بظروف المساقط وارتفاع مستوى المياه، فكلما ارتفعت المياه زادت كفاءة التربينات وقدرتها الإنتاجية، بينما يؤدي انخفاض المناسيب إلى عمل بعض التربينات فقط و بإنتاجية وكفاءة منخفضة جداً.
الحروب الداخلية وانهيار الأحلام التنموية
وفي التحليل السياسي ، قالت السفير منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق لـ”القصة” ، إن الأوضاع الحالية وما تشهده البلاد من حرب داخلية عقب تحالف السبع حركات مسلحة تزعزع استقرار النظام وتلقي بظلال سلبية زلزل أركان الاقتصاد والسياسة والمجتمع الإثيوبي.
وأوضحت عمر أن توجيه جزء كبير من الطاقة لصناعات تعدين البيتكوين بدلاً من رفع مستوى معيشة الشعب المحروم في أغلبه من الطاقة كان الرهان الإثيوبي، غير أن التخفيض الحاد الصادر مؤخراً من التسعينات إلى 23% ينعكس سلباً على الدخل القومي وعلى أي مشروعات تنموية موجهة للمواطنين.
وأكدت مساعد وزير الخارجية الأسبق أن النتيجة الحتمية لهذه السياسات هي عجز السلطات الإثيوبية عن تحسين المعيشة أو زيادة الدخل القومي، مشددة على أن ادعاءات تحقيق مشروعات تنمية كبرى نتيجة تشييد سد النهضة أضحت مجرد أوهام وأحلام تنهار على أرض الواقع ولا يمكن تحقيقها.
وأضافت عمر أن كافة القطاعات الاقتصادية في إثيوبيا متأثرة بلا استثناء، وعلى رأسها الزراعة والتعدين والأنشطة التصنيعية المحدودة بالأساس، مما سيرفع معدلات الفقر المتفاقمة بال أصل، لافتة إلى أن وعود المسؤولين الإثيوبيين السابقة بتوفير الكهرباء والدعم للدول المجاورة أثبتت الأيام عدم صحتها، ومؤكدة أن انخفاض المياه وتصاعد الحرب يضعان نظام آبي أحمد في مرحلة شديدة الصعوبة والخطورة.