بينما ينشغل الإنسان بتأمين احتياجاته الأساسية، يظل الأكل والأمان والاستقرار والحرية على رأس الضروريات التي يحتاج وجودها معا. لكن عرض هذه الاحتياجات في صورة اختيار يفتح سؤالًا حول: هل يحتاج المواطن فعلًا للاختيار بين ضروريات حياته؟
وبحسب ما تناولته نصوص الدستور المصري، تتضمن المادة 59 أن “الحياة الآمنة حق لكل إنسان”، وتلتزم الدولة بتوفير الأمن والطمأنينة لمواطنيها، ولكل مقيم على أراضيها.
وفيما يتعلق بالغذاء، تنص المادة 79 على أن “لكل مواطن الحق في غذاء صحي وكاف، وماء نظيف”، وتلتزم الدولة بتأمين الموارد الغذائية للمواطنين كافة، كما تكفل السيادة الغذائية بشكل مستدام. بينما تنص المادة 54، على أن “الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تُمس”.
هذه النصوص تقطغ بأن الأمن والغذاء والحرية حقوق أساسية للإنسان، لذلك؛ لا يفترض أن تتحول هذه الضروريات إلى خيارات يضطر المواطن للتنازل عن أحدها من أجل الفوز بالأخرى.
يقول عضو مجلس النواب السابق، هيثم الحريري، إن الأكل والأمن من الاحتياجات الأساسية للإنسان، مستشهدًا بالآية الكريمة: “فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف”، متسائلًا: لماذا يجب على المواطن أن يختار بين هذه الاحتياجات وبين الحرية والكرامة؟ ولماذا لا يكون من حقه الحصول على الاثنين معًا؟
ويضيف الحريري، في تصريحات خاصة، أن انشغال الإنسان بتوفير قوت يومه، ومواجهة ارتفاع الأسعار، وتكاليف السكن ومصاريف الأسرة، إلى جانب الخوف من الغد، يدخله في مرحلة أكثر خطورة، يصبح فيها مطالبًا بالاختيار بين احتياجاته الأساسية نفسها: هل يدفع إيجار البيت أم مصاريف المدرسة؟ هل يوفر الأكل والشرب أم يتحمل تكاليف العلاج؟ وهل يدفع فواتير الكهرباء والمياه أم يشتري احتياجات أولاده؟
ومن وجهة نظره، فإن اضطرار الأسرة إلى الاختيار بين الأكل والتعليم والعلاج لا يعني فقط مواجهة فقر في الوقت الحالي، وإنما قد يؤدي إلى صناعة فقر أكبر في المستقبل، مع أجيال أقل تعليمًا وأكثر مرضًا وأقل قدرة على المنافسة.
كما يطرح الحريري سؤالًا آخر حول قدرة المواطن على التفكير في حقوقه ومستقبله، إذا لم يكن مضطرًا كل يوم للبحث عن قوت يومه، متسائلًا عما إذا كان ذلك سيجعله أكثر قدرة على التفكير في صوته وحقه ومستقبل أولاده، وما إذا كان سيصبح من السهل عليه بيع صوته في الانتخابات مقابل كرتونة أو بون أو مبلغ بسيط، ثم إعادة اختيار السياسات نفسها التي ساهمت في إفقاره.
وعلى مستوى الدول، يشير الحريري إلى أن الديون وشروط التمويل قد تمثل ضغطًا على الدول النامية، وتحد من قدرتها على الاستثمار في التعليم والصحة والإنتاج، ليطرح تساؤلًا حول ما إذا كان الإصلاح يخرج هذه الدول من دائرة الفقر والديون، أم يجعلها تدور داخلها.
ويختتم الحريري بالتأكيد على أن الديمقراطية الحقيقية تحتاج إلى مواطن آمن على قوته وصحته وتعليم أولاده ومستقبله، وقادر في الوقت نفسه على الاختيار بحرية والدفاع عن حقه وكرامته، متسائلًا: “هل يبقى المواطن طول الوقت يبحث عن قوت يومه فقط؟”
وفي نفس السياق، يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي، سعيد صادق، إن السؤال يتعلق بطبيعة الدولة والمجتمع والنمو، موضحًا أن الافتراض الموجود بأن “أغلب الشعوب لديها الاتنين”، ليس دقيقًا، وهذه أول نقطة تحتاج إلى توضيح.
ويضيف أن أغلب سكان العالم لا يعيشون في دول تجمع بين حرية سياسية واسعة وأمن اقتصادي مستقر في الوقت نفسه. مشيرًا إلى أنه وفق مؤشرات مثل V-Dem وFreedom House، فإن نسبة كبيرة من البشرية، حوالي 70% أو أكثر حسب التعريف، تعيش في أنظمة استبدادية أو هجينة.
وعن سبب ظهور الاختيار بين الثنائيات المعروفة، مثل “الأكل والأمن” أو “الاستقرار والحرية”، يقول صادق إن ذلك لا يحدث لأن الحرية والاستقرار متعاديان بطبيعتهما، وإنما لأن الوصول إلى الاثنين معًا يحتاج إلى مؤسسات قوية، وهذه المؤسسات لا تتولد وحدها.
ويؤكد أن المؤسسات أهم من الشعارات، موضحًا أن الازدهار المستدام مرتبط بقوة سيادة القانون، وحماية الملكية، وانخفاض الفساد، والحرية الاقتصادية، بما يشمل الأسواق والعقود والتجارة.
وفي الدول الفقيرة أو الضعيفة، يرى صادق أن هناك توترًا حقيقيًا على المدى القصير، خاصة عندما تكون الدولة ضعيفة، والانقسامات العرقية أو الدينية أو الطبقية عالية، موضحًا أن الانتخابات المفتوحة يمكن أن تتحول إلى صراع على الغنائم بدلًا من التنافس على السياسات.
ويشير إلى أن الدولة لن تستثمر وتتخصص وتنمو إلا إذا كان هناك أمن واستقرار، وفي الوقت نفسه لن يُبنى أمن مستدام إلا إذا كان هناك اقتصاد متخصص ومؤسسات تحمي الملكية، وهو ما يجعل هذه الحلقة صعبة. ويضيف أن الناس في هذه الظروف غالبًا ما تختار الأمن والخبز أولًا، موضحًا أن هرم ماسلو ليس نظرية سياسية، لكنه ملاحظة متكررة.
ويتحدث صادق عن “الصفقة السلطوية”، أو العقد الاجتماعي بين الشعب والنظام السياسي، موضحًا أنها موجودة لأنها تنجح أحيانًا لفترة، عندما يقدم النظام نموًا أو استقرارًا أو دعمًا غذائيًا مقابل تقييد السياسة والإعلام، مشيرًا إلى الصين وسنغافورة ودول الخليج كنماذج معروفة.
وعن سبب عدم وجود الثنائيات الشهيرة للاختيار لدى أغلب الشعوب، يقول صادق إن المسار التاريخي للدول ليس واحدًا، فالدول التي وصلت إلى الاثنين مرت عادة بمراحل تبدأ ببناء قدرة الدولة والنظام العام، ثم تحرير الاقتصاد وحماية الملكية، وبعد ذلك توسيع المشاركة السياسية عندما أصبحت الطبقة الوسطى والتعليم والاعتماد المتبادل كافيين لجعل الصراع السياسي أقل عنفًا.
ويشير إلى كوريا الجنوبية وتايوان وتشيلي وإسبانيا بعد فرانكو باعتبارها أمثلة كلاسيكية على النمو والاستقرار تحت قيود سياسية، ثم الانفتاح التدريجي. مضيفًا أن ليس كل دولة استطاعت اتباع هذا التسلسل، فبعض الدول حاولت الديمقراطية قبل أن تبني الدولة، فوقعت في دورات من الانقلابات والفوضى والتضخم.
ويؤكد صادق على أن فكرة الاختيار ليست مفروضة على الشعوب إلى الأبد، وإنما يظهر الاختيار عندما تكون المؤسسات ضعيفة. ويتابع: “فالدول التي بنت قواعد اللعب، مثل القانون والملكية والمحاسبة والأسواق، استطاعت الاقتراب أكثر من الاثنين. بينما ظلت الدول التي اعتمدت على الزعيم أو الجهاز الأمني أو الريع أقرب إلى المقايضة”. ويختتم موضحًا أن الفرق ليس في “الشعب عايز حرية ولا عايز أكل”، وإنما في قدرة النظام على إنتاج الاثنين دون أن يدمر أحدهما الآخر.