تتسارع التحركات الجيوسياسية في الشرق الأوسط لرسم خارطة أمنية جديدة؛ إذ برز مؤخراً الاتفاق الدفاعي الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان كمحور إقليمي يجمع القوة النووية بالقدرات التصنيعية العسكرية والمالية.
وأثار هذا التكتل تساؤلات حول موقع مصر من هذه المعادلة، ولماذا تغيب عن التوقيع رغم مشاركتها السابقة مع الدول ذاتها ضمن الإطار التشاوري الرباعي؟
خلفية الاتفاق الدفاعي الثلاثي
جاء الاتفاق الدفاعي والأمني بين الرياض وأنقرة وإسلام أباد كحصيلة لمحادثات عسكرية وتدريبات مشتركة مكثفة خلال الأشهر الماضية، لإنشاء هيكل تعاون دفاعي دائم.
وترتكز بنود الاتفاق وسياقه على تبادل الخبرات، والتصنيع العسكري المشترك، ونقل التكنولوجيا، وإجراء مناورات موسعة، وتنسيق جهود الردع لحماية الممرات البحرية وأمن الخليج. ويدمج هذا التكتل بين الردع الباليستي والنووي الباكستاني، والصناعات العسكرية والمسيرات التركية، والتمويل والموقع الاستراتيجي السعودي.
كما فرضت تهديدات البحر الأحمر وباب المندب والخليج، وتراجع الاعتماد الكلي على المظلات الأمنية التقليدية، ضرورة بناء تكتل إقليمي ذي سيادة لحماية مصالح الأعضاء.
بين إطار (R4) والاتفاق الدفاعي الجديد
ولفهم الموقف المصري، يجب التمييز بين صيغتين:
الإطار التشاوري الرباعي (R4): منصة حوار سياسي جمعت (مصر، والسعودية، وتركيا، وباكستان) لتبادل الرؤى دون فرض أي التزامات عسكرية.
الاتفاق الدفاعي الجديد: تحالف دفاعي وهيكلي ملزم يفرض حسابات والتزامات عسكرية في حالات الصراع، وهو ما جعل القاهرة تتأنى وتفضل عدم الانتقال من مربع “التشاور السيادي” إلى “الالتزام المباشر”.
لماذا تركيا؟.. أنقرة تسعى لضم القاهرة
تولي تركيا اهتماماً كبيراً لضم مصر إلى هذا الترتيب؛ إذ تعتبرها “الضلع المفصلي” الذي يمنح أي ترتيب دفاعي شرعيته الكاملة وثقله في المنطقة.
وترى أنقرة أن غياب الجيش المصري بقدراته البحرية وموقعه الحاكم على قناة السويس والبحر الأحمر يترك فراغاً لا يمكن سده.
وفي هذا الصدد، تبذل تركيا جهوداً لإقناع القاهرة بأن انضمامها سيوفر بيئة مواتية لنقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك، إلا أن مصر تتعامل بحذر وفق حسابات أمنها القومي.
مصر ترفض الارتهان لتحالفات ملزمة
في هذا السياق، يوضح الدكتور طارق البرديسي، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، في تصريحات خاصة لـ “القصة”، أن مصر لا تحتاج إلى مظلة دفاعية خارجية؛ إذ تمتلك من القدرات العسكرية والبشرية والاستراتيجية ما يُمكّنها من حماية أمنها القومي واتخاذ قراراتها بصورة مستقلة.
وأضاف البرديسي أن طبيعة الدولة المصرية وموقعها وقواتها المسلحة تجعلها في حد ذاتها قوة قادرة على توفير مظلة ذاتية لأمنها، مشدداً على أن القاهرة ترفض ارتهان قراراتها الاستراتيجية لتحالفات قد تفرض عليها الدخول في صراعات لا ترتبط بشكل مباشر بأولوياتها.
وأشار إلى أن الدخول في اتفاقيات دفاعية ملزمة قد يضع مصر أمام سيناريوهات معقدة؛ ففي حال وقوع مواجهة عسكرية بين الهند وباكستان على سبيل المثال، فإن الالتزام الدفاعي المشترك سيفرض حسابات شاقة، وهو ما لا يتناسب مع أولويات الأمن القومي المصري في ظل التحديات المباشرة على حدوده الجنوبية والشرقية والغربية.
قوة التحالف ومواقف الشراكة
وحول طبيعة التكتل الجديد، يرى البرديسي أن التقارب بين السعودية وتركيا وباكستان يعكس توجهًا لبناء ترتيبات دفاعية ذات ثقل إقليمي يجمع بين القدرة النووية، والخبرة الصناعية، والوفرة المالية.
وأكد أن غياب مصر عن هذا الترتيب لا يعني وجود خلافات مع الدول الثلاث، بل يعكس اختلافاً في الرؤية بشأن طبيعة الالتزامات الدفاعية؛ إذ تحافظ القاهرة على علاقات استراتيجية وثيقة مع الرياض وأنقرة وإسلام أباد، لكنها تختار إدارة علاقاتها عبر “شراكات متعددة” ترتكز على المصالح المتبادلة دون التخلي عن استقلال القرار أو خوض حروب بعيدة عن حدودها.
قوة مضافة لا تحتاج لمظلة
ومن جانبه، أكد اللواء شبل عبد الجواد، رئيس قطاع مكافحة الإرهاب بالمنظمة العربية الأفريقية، لـ “القصة”، أن التحالف الجديد يمثل قوة كبيرة في المنطقة، لكنه لا يعني إطلاقاً تراجع دور مصر؛ “فالجيش المصري يمتلك تصنيفاً وخبرات ميدانية تجعله في صدارة جيوش المنطقة والعالم”.
واختتم عبد الجواد تصريحه بالـتأكيد على أن انضمام مصر مستقبلاً -إن حدث- سيكون “قوة مضافة هائلة” للتحالف بفضل خبرات قواتها المسلحة، بينما لن يضيف التحالف الكثير للقدرات الذاتية المصرية التي تعتمد على جاهزيتها الشاملة، مشدداً على أن محاولات الترويج لتراجع الدور المصري لا تتسق مع الواقع الميداني والسياسي بالمنطقة.