ما أفضل طريقة للكتابة عن شخص يشبه القديس في حياته، زاهد حقيقي عن كل ما يمكن أن تتخيله، أمسك بزمام سلطة وقاد مقاومة شرسة ضد عدو غاشم، حارب وانتصر، وبعد كل هذا ترك كل شيء، لم يطلب جاهًا ولا مالًا ولا سلطانًا، ولا حتى تحدث متفاخرًا بما فعل كما فعل غيره.
لا يلوي على شيء مضى، تاركًا كل شيء إلا الحلم، فما زال يحلم رغم شح الأحلام، ويرفض الحد الأدنى من أي شيء.
في لحظات صفائه يفتح لك قلبه، فتشعر أمام حديثه بالضآلة، بينما يقول لك: “لقد أهلكتنا السياسة”.
في حضرة منير الصياد لا تملك إلا أن تتمسك بفضيلة الاستماع لرجل جسد ما يقوله عملًا.
في حضرة منير الصياد لا تملك إلا أن تتأمل طويلًا في مسيرة الرجل الناصعة البياض.
في حضرة منير الصياد لا تملك إلا أن تردد مقولة: يُعرف الرجال بالقضية، والتحرر الوطني، وعروبة لبنان، ومقاومة المحتل الصهيوني كانت وما زالت قضية منير الصياد.
يفاجئك معظم الأحيان بتفاصيل مدهشة.
كم كان مدهشًا هذا الرجل الثمانيني الذي ينتفض شابًا في حوار من أجل فلسطين أو رغيف الخبز، وتدمع عيناه ويرق قلبه عندما تأتي سيرة أحد الشهداء.
“لست بالرجل الذي يمكن أن يأمر أحدًا بالذهاب إلى الموت بهذه السهولة، فأنا أرق من ذلك”.
كيف فعلها الرجل إذًا؟
ما القوة التي تملكت هذا البنيان الذي يبدو ضعيفًا؟
في اعتقادي أنها قوة الصدق والإيمان بالقضية.
عبر جلسات قليلة جمعتني بالرجل – الذي لا أعرف حتى الآن مدخلًا ملائمًا للكتابة عنه – أدركت أنه يملك من الفضائل والملكات الشخصية والحضور ما كان يمكنه من لعب أدوار أكبر على الساحة السياسية، ولكن كيف لمناضل أن يقبل أن يخلع عنه ثياب المناضلين من أجل منصب يعرف أنه زائل، وجاه يعرف أنه مجرد زينة اجتماعية لا تنفع ولا تضر؟
في عين المريسة، حيث يسكن منير الصياد، تسكن روحه.
“لا أستطيع الابتعاد عن البحر”.
ليس عن أي بحر يتحدث، يقصد بالتحديد بحر عين المريسة، حيث ميناء الصيادين القديم.
بحر الفقراء الذي شح على الناس فقل رزقهم، وكلحت ألوان مراكبهم. مسكون هو بهم، لا يستطيع أن يغادر حتى أبسط أشيائه القديمة.
في مكان لا يغيره، يجلس دومًا، لا يعطي ظهره أبدًا للبحر، كأنه في انتظار غائب يدرك أنه عائد لا محالة.
عندما سألته عن سر جلسته في هذا المكان، قال إنه من أشيائه القديمة التي لا يستطيع الاستغناء عنها.
من مصر حيث جذوره، رحلت أسرته إلى فلسطين، ومنها إلى لبنان، واستقرت في صيدا، ومنها إلى بيروت. لعله يكمن هنا سر المحبة التي تتوزع في قلبه بالتساوي بين مصر حيث الجذور، وفلسطين حيث الترحال، ولبنان حيث الحل.
ما الذي يمكن أن تقدمه الكتابة عن رجل عاش لا يشتهي شيئًا، عاش تطارده أحلامه قبل أن تطارده قوات العدو التي حاولت النيل منه مرارًا وتكرارًا؟
أتخيله واقفًا بجسده النحيل أمام مجموعة من الشباب، وخريطة مرسومة لبيروت، يشرح لهم خطوط الجبهة وكيف يمكن أن يتصدوا له، وما الذي يمكن أن يفعلوه لكي يكبدوه أكبر قدر من الخسائر.
لم يحكِ القائد أبدًا إلا عن جنوده، ولم يضع نفسه أبدًا في مقدمة حديثه، كأنه يخجل أن يكون فخرًا في غير محله.
لم يأسره الماضي بقدر ما يأسره التطلع إلى المستقبل.
“يجب أن تكونوا أكثر تسامحًا، وأن تمدوا أيديكم إلى رفاق فكرتكم”.
هل تحكمه تجربته؟ فمن منا استطاع أن يهرب من تجاربه وأن يفلت من أسرها؟
قليلون من استطاعوا فعل ذلك، فعلها منير الصياد. تشده للحديث عن الماضي بغرض المعرفة، فيجرك إلى المستقبل.
تسأله عن ماضي المقاومة، فيحدثك عن مستقبلها.
يفضل أبو هيثم أن يسكن قلوب أصحابه على أن يسكن كتب التاريخ. هو شخصيًا ممن يفضلون الجغرافيا حيث الحقائق على الأرض. مربوط هو بالأرض، مربوط هو بالبحر، مربوط هو بمحبة كل من عرفوه وعرفوا فضله.
تسكنه محبة الزاهد الواثق في محبة الله التي تتجسد في أشياء بسيطة يدركها هو قبل غيره؛ لعلها لقمة لجائع، أو ابتسامة على وجه حزين، أو انتصار على مرض، أو عودة لغائب، أو فرح مؤجل.
كل هذه الأشياء الصغيرة المفرحة لا يجسدها إلا قلب كبير يسع من المحبة ما يفيض.
هل تكفي هذه مقدمة للكتابة عن منير الصياد؟
تتلبسني دائمًا مقولة صديقي الراحل محمود درويش: «من أنا لأقول لكم ما أقول؟»، فتتوقف مشاريع الكتابة، وهي كثيرة. إلا مع منير الصياد “أبو هيثم”، تلح أن تكتب حتى أصبحت أرقًا وهمًا يوميًا.
أريد أن أكتب عن الرجل ما يستحق. أخشى التقصير، وأخشى أن تخرج كتابة تقليدية مملة أكرهها حين أقرأها، وأنا لم أتعود أن أكره ما أكتب. أخشى أن يكرهها هو ويعاتبني كما تعود، برقة شديدة أو بصمت أفهمه.
ورغم كل ذلك، سوف أكتب.
رحمة الله عليك، أبي وأخي وصديقي ومعلمي.
منير الصياد “أبو هيثم”.
