تواجه مسودة مذكرة التفاهم الأمريكية – الإيرانية وشيكة الصدور موجة عارمة من الاعتراضات والانتقادات الحادة داخل واشنطن، ويتهم منتقدو الاتفاق إدارة الرئيس دونالد ترامب بتقديم تنازلات مجانية وصادمة لطهران، محذرين من أن الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة سيمنح طهران الموارد الحيوية اللازمة لاستعادة قوتها العسكرية وضخ دماء جديدة في عروق وكلائها في المنطقة.
وفي غمرة هذا التجاذب، يبرز جدل قانوني معقد حول طبيعة العقوبات، إذ إن جزءًا كبيراً منها لا يمكن لترامب رفعه بقرار رئاسي أحادي، بل يتطلب مساراً تشريعياً معقداً يمر عبر دهاليز الكابيتول هيل، مما يهدد بنقل المعركة من الساحة الدولية إلى الحلبة الأمريكية الداخلية.
سلاح “الاستنزاف الفني” وقدرة الكونغرس على التعطيل
قال الدكتور ميسرة مصطفى بكور مدير المركز العربي الأوروبي للدراسات، إن الاعتراضات العنيفة داخل الكونغرس لن تُسقط مذكرة التفاهم بضربة واحدة حاسمة، لأن هذا النوع من الاتفاقات لا يموت عادة في يوم الإعلان عنه، بل يُستنزف ويُغتال في التفاصيل اليومية المنهكة، مثل: من يوقع الإعفاء؟ متى تُفتح القناة المصرفية؟ وكيف يبرر البيت الأبيض كل خطوة أمام لجان لا ترى في طهران شريكاً تفاوضياً يمكن الوثوق به بل خصماً يجب تطويقه.
وأوضح بكور لـ”القصة” أن المعارضة في واشنطن لا تحتاج دائماً إلى تصويت حاسم كي تعطل مساراً كاملاً، فجلسة استماع قاسية واحدة، أو مذكرة رقابية، أو تسريب صحفي مدروس عن تنازلات سرية، قد يكون كافياً لتحويل التنفيذ الفني الهادئ إلى ساحة استعراض سياسي صاخب وبناء على ذلك، أشار إلى أن الأيام الستين الأولى ستكون اختباراً مزدوجاً؛ اختباراً لمدى التزام إيران، واختباراً لقدرة إدارة ترامب على ضبط جبهتها الداخلية، محذراً من أنه إذا تحولت المذكرة لقضية حزبية، فستجد واشنطن نفسها تفاوض على جبهتين: مع طهران في الخارج، ومع الكونغرس في الداخل.
وحول صلاحيات ترامب في رفع العقوبات، أكد بكور أن الرئيس يملك أدوات حقيقية لكنها محدودة؛ إذ يستطيع استخدام الأوامر التنفيذية، و الإعفاءات المؤقتة، والتراخيص الخاصة التي تسمح بتجاوز عقوبة قائمة دون إلغائها قانونياً، مستدركاً بأن هذه الأدوات تشبه صنبوراً يفتح ويغلق بقرار رئاسي، لا جداراً يمكن هدمه بمرسوم، لأن العقوبات التي أقرها الكونجرس بقوانين نافذة لا يستطيع أي رئيس رفعها بمفرده مهما كانت نواياه السياسية.
وأضاف بكور أن واشنطن تتحرك بحذر مقصود؛ لأن أي تحرك واسع قد يقرأ في الكونغرس بوصفه تنازلاً مبكراً لطهران، بينما التحرك البطيء قد يفقد إيران حماسها للاستمرار ونوه بأن الانتقاد الأعمق للاتفاق لا يتعلق بالاقتصاد أو بالملف العسكري وحده، بل بالصورة السياسية التي تنتجها المذكرة ففي نظر خصومها، قد تنتقل إيران من موقع الدولة المحاصرة والمرهقة إلى موقع الطرف المعترف به والندي على طاولة التفاوض، وهو تحول رمزي يثير قلق من يعتقدون أن الردع يُبنى باستمرار الضغط لا بفتح النوافذ في لحظة ضعف الخصم.
من السطح الاقتصادي إلى النفوذ الإقليمي
وأشار مدير المركز العربي الأوروبي للدراسات إلى أن القلق الاقتصادي في واشنطن حاضر، لكنه يمثل السطح لا العمق فما يقلق المعارضين التشددين ليس حصول طهران على موارد إضافية فقط، بل طريقة استخدام هذه المليارات في تطوير القدرات الصاروخية، وتوسيع دعم الحلفاء، وزيادة هامش المناورة في بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء.
وتابع مبيناً أن أي تدفق مالي جديد يقرأ بوصفه قدرة إضافية لإيران على تحريك شبكاتها الإقليمية، و تتفرع منه مخاوف تدار في واشنطن كما تدار في تل أبيب والعواصم الخليجية حول كيفية تصرف إيران إذا خرجت من مرحلة الاستنزاف، وكيف سترد إسرائيل إذا قررت التحرك منفردة، وكيف ستعيد دول الخليج حساباتها إذا رأت حليفها الأمريكي ينتقل من الحصار إلى التفاوض.
وأكد أن التحدي في واشنطن أشد تعقيداً منه في طهران فبينما تبحث إيران عن فترة استراحة لإعادة ترتيب أوراقها وترميم اقتصادها وإقامة جنازة مرشدها، يعيش البيت الأبيض لعبة شطرنج على أكثر من رقعة؛ إذ يجب عليه مهادنة الكونغرس، ومنع أي اشتعال إسرائيلي في لبنان، و تطمينات دول الخليج.
واختتم الدكتور ميسرة بكور حديثه لـ “القصة” بأن التوقيع على الورق أسهل بكثير من ضبط كونغرس متحفز، مطلقاً مانشيت خلاصة المشهد: “هذه ليست لحظة انتصار كامل لواشنطن، ولا مكسباً مضموناً لطهران إنها لحظة اختبار للجميع، لكن إيران، أكثر من واشنطن، تملك الوقت لتثبت من سيخرج رابحاً في النهاية”.