اتفق المصريون، منذ فجر التاريخ تقريبًا، على كثير من القيم الإنسانية النبيلة، وآمنوا بها وعاشوا عليها؛ من تقدير العمل، وقيمة الوقت، والإعلاء من شأن العلم والتعليم، وتعظيم العلاقات الإنسانية السامية، ونبذ العنف، والحرص على التضامن الاجتماعي، والانتماء للوطن، والعمل التطوعي، والنفور من التحاسد والتباغض، واحترام الجار، والتراحم، وتحقيق العدل، وغير ذلك من القيم التي ترسخت في عمق الوعي الجمعي.
ولم يكن إيمانهم بهذه القيم إيمانًا قوليًا تلوكه الألسن، وإنما كان إيمانًا متحققًا على مستوى الفعل الاجتماعي العام. وليس هذا الإنجاز الحضاري المشهود إلا صدى قويًا ولحنًا متناغمًا عذبًا لكل تلك القيم، التي زاد عليها وجعلها أكثر قوة وأشد عمقًا ظهور المسيحية ثم الإسلام في مصر. ولقد ظلت هذه القيم المتوارثة فاعلة في حياتنا اليومية إلى عهد قريب، ثم بدأت تتعرض للضعف والوهن والتراجع والانكسار والانحسار، حتى بلغت حدًا مخيفًا من التواري والاختفاء في إيقاع الحراك الاجتماعي بصورة ملحوظة. فإذا كانت القيم هي ما تبنيه المجتمعات وتشيّده وتنمّيه وتطوره من خلال تجارب الفرد والجماعة، وما تستمده المجتمعات من التعليم والتربية والثقافة، فتصير المرشد الأمين الذي تهتدي به في سعيها نحو ما تراه الأفضل، فإن القيم النبيلة تعد بمثابة الجهاز المناعي الذي يحول دون سقوطنا في مجاهل التخلف والركود والتشتت والضياع ومسخ الهوية. إلا أن أخطر ما تتسم به القيم هو عدم ثباتها؛ إذ إنها مرهونة بمصادرها التي تُستقى منها، ومن ثم فهي عرضة للتغير والتحول والانقلاب، متأثرة بما يحيط بها من ظروف وعوامل شتى قد ترقى بها أو تحط من شأنها.
ثم تأتي الأخلاق لتكون الجانب التطبيقي والعملي لما تؤمن به المجتمعات من قيم استقرت في وعيها الجمعي؛ فأخلاق المجتمع تتلون بلون قيمه الساكنة في أعماقه، فهناك «جوانية القيم» و«ظاهرية الأخلاق»، والثانية ترجمة مباشرة للأولى، فالأخلاق تمثلات للقيم؛ فحيثما نزرع القيم نحصد الأخلاق، وإذا غابت القيم غابت الأخلاق. وعلينا أن نعرف مصادر قيمنا الراهنة لنعرف لماذا باتت أخلاقنا على هذا النحو؛ فمصادر قيمنا المعاصرة تصنعها التربية الأسرية، ودور العبادة، والتعليم بمراحله المختلفة، والمعاملات اليومية في الأسواق وفضاء الشارع الواسع، والفن، وبخاصة الدراما التلفزيونية والأغاني المبثوثة هنا وهناك، والإعلام، ولا سيما المرئي منه، وتعرض الجمهور لمشاهدة المسرح والسينما، والخطاب السياسي الصادر عن مؤسسات رسمية وغير رسمية.
إن ما ذُكر آنفًا من المصادر جدير بتشكيل القيم وترسيخها وامتدادها، سلبًا أو إيجابًا. وحين تولد القيم، فسرعان ما تتناسل وتتكاثر، ولا سيما في عصر ثورة الاتصالات والسماوات المفتوحة وتوفر وسائل الانتشار والذيوع المتعددة، مما يُسهّل عملية التأثير والتأثر والتقليد والمحاكاة. إن رسوخ قيم ما يكشف عن جوهر المجتمع وبواطنه وحواشيه بوضوح ودون رتوش. فإذا عرفنا حجم ما تعرض له المجتمع المصري من تخريب وتجريف وهدم وتشويه وإقصاء وتجهيل وتغييب، استطعنا أن نفسر ما أصبحنا عليه من أخلاق رديئة، يأنف منها ذوو الفِطَر السليمة الذين يكافحون هذا التردي كفاحًا يفوق الصبر والتحمل عند المواجهة مع حشد أخلاقي يتسلح بكل أسلحة الفساد.
فقد غابت مؤسسات التربية الأساسية، بداية من الأسرة المفككة، والمدرسة التي تخلت عن دورها في الضبط الأخلاقي والتوجيه والإرشاد وبناء الشخصية، وباتت مجرد بناء خاوٍ لا يتلقى فيه الطالب غير المقرر الدراسي، والجامعة التي بهت دورها وتحولت إلى ما يشبه ملهًى واسعًا للهو والعبث، يغيب عن أذهان طلابها قضايا الوطن صغيرها وكبيرها.
كما تقلص دورها الأكاديمي في تقديم عدد من الملازم الورقية التي لا تغني ولا تسمن من جوع، وإنما هي مجرد كبسولات رديئة يبتلعها الطالب عنوة ليجتاز بها الامتحانات، مع بحثه عن الطرق المثلى للغش وجنوحه نحو العنف والإيذاء اللفظي والجسدي، الذي قد يصل إلى حد إراقة الدماء، فضلًا عن غياب الصورة الرصينة للأستاذ الجامعي في بعض الأحيان، والأمر كذلك في رحاب البيئات المدرسية.
وهذا فننا يقدم لنا كل رخيص ومبتذل، واصفًا إياه بالأسطورة، كما أن الأعمال الدرامية ذات المحتوى الهابط تشيع لغة سوقية بألفاظ عارية وعبارات منحطة، تصير لصيقة بأذهان المشاهدين وتجري على ألسنة الصغار والكبار، ناهيك عما تقدمه من محتوى جدير بهدم القيم الأساسية. وهذا الإعلام المرئي، بفضائياته التي باتت بمثابة منصات تفيض منها السطحية والتفاهة، يصنع غيومًا سوداء تغطي عقول المشاهدين، ويوجه إليها طوفانًا من الرسائل الإعلامية الكاذبة أو المتملقة، مع الإعلاء من شأن نماذج الأدعياء والتافهين وتقديمهم بوصفهم القدوة والمثل. فهل عرفنا الآن من أين تشكلت قيمنا، وإلى ما آلت إليه أخلاقنا؟!