بينما تخمد نيران المدافع جزئياً، تشتعل حرب أخرى في “غرف التفاوض”، حيث انتقل الصراع بين واشنطن وطهران من “الميدان العسكري” إلى “ميدان صياغة النهاية السياسية”.
السؤال الآن لم يعد: متى تتوقف الحرب؟ بل من يملك حق كتابة روايتها الختامية؟ ومن يحول القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية؟ في ظل هدنة هشة وانسداد في الأفق الدبلوماسي، يبدو أن المنطقة أمام جولة جديدة من التصعيد، حيث يرفض كل طرف منح الآخر “نصر الدقيقة الأخيرة”.
فجوات لا يمكن ردمها
يكشف خبير الشؤون الإيرانية، أسامة حمدي، عن فشل الجولة الأخيرة من المفاوضات التي جرت بوساطة باكستانية، والسبب هو تباعد الرؤى الجذري اللتي تتلخص في الآتي:
المطالب الأمريكية: تمسكت واشنطن بضرورة مناقشة الملف النووي، وتخلي إيران عن مخزون اليورانيوم المخصب، وتجميد التخصيب، وتفكيك المنشآت.
الموقف الإيراني: رفضت طهران المساس بالملف النووي، و حصرت مطالبها في رفع الحصار البحري، و الإنهاء الكامل للحرب مقابل فتح مضيق هرمز، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأموال المجمدة.
ويقول حمدي لـ”القصة”، فإن هذا الانسداد جعل الوسيط الباكستاني بلا أوراق، بانتظار تدخل أطراف أخرى كالصين بطرح رؤية جديدة، ما يعني أننا أمام “هدنة هشة” قد تنفجر في أي لحظة.
لا مكاسب مجانية لترامب
تتبنى طهران منطقاً حازماً يوضحه حمدي، فهي لن تعطي ترامب على طاولة المفاوضات ما لم يحققه في ساحة الصراع، إيران تستثمر صمودها العسكري لتحويله إلى مكاسب اقتصادية، ملوحة بأوراق قوة تشمل: الملف النووي و الصاروخي وملف الوكلاء، و التحكم في مضيق هرمز والتلويح بكابلات الإنترنت التي تمر عبره، والمطالبة بتعويضات وتحصيل رسوم من عوائد السفن.
هذه “الندية الجزئية” تهدف للحفاظ على سيادة إيران على ملفاتها الاستراتيجية ورفض تقديم تنازلات دون مقابل ملموس.
التحالف الأمريكي الإسرائيلي.. العودة للغة الميدان
بعد الرد الإيراني الذي لم يراعي المطالب الأمريكية، يشير أسامة حمدي إلى تحرك سريع من ترامب الذي اتصل بنتنياهو لبحث “استئناف الحرب”، واشنطن ما زالت تعتبر إسرائيل “قاعدة عسكرية متقدمة” قادرة على تحقيق الصالح الأمريكي، بينما يدفع نتنياهو نحو الحرب لأن “إسرائيل دولة تتغذى على الصراعات”، ومن المتوقع استئناف ضربات محدودة للدفع بإيران نحو تقديم تنازلات.
من يخرج بصورة المنتصر؟
من جانبه، يرى الدكتور محمد محسن أبو النور رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية، أن المعركة الآن تدور حول “من يفرض شروط ما بعد النار”.
ويوضح أبو النور لـ”القصة” وجهة نظر إيران، تحاول تحويل منع “الانهيار السريع” إلى انتصار استراتيجي، وربط إنهاء الحرب بملفات إقليمية أوسع ليشمل لبنان وأمن الملاحة، لإجبار واشنطن على الاعتراف بها كطرف فرض شروطه.
كما يقول إن وجهة نظر ترامب، يرفض منح طهران أي شرعية، ويصر على أن التهدئة هي نتيجة “الضغط العسكري”، محاولاً منع إيران من تثبيت سردية الصمود.
“الإرادة الناقصة” والانسداد السياسي
يتفق الخبيران على أننا أمام “هدنة هشة” واستقرار قد يتبخر في أي لحظة، خاصة مع وقوع اشتباكات في مضيق هرمز وتبادل ضربات بالمسيرات المشكلة تكمن في غياب صيغة “الإرادة الناقصة”، أي عدم استعداد أي طرف لتقديم التنازلات الضرورية للوصول إلى أرضية مشتركة، مما يجعل التصعيد هو السيناريو الأقرب.
بين إصرار إيران على “تسييل” صمودها العسكري إلى مكاسب اقتصادية، ورغبة ترامب في انتزاع “استسلام سياسي” نووي، تبقى نهاية الحرب معلقة لم تضع الحرب أوزارها بعد، بل تحولت إلى صراع مرير على “الكلمة الأخيرة”، حيث يحاول كل طرف كتابة الفصل الختامي بحبر القوة والندية، مما يجعل الأفق مسدوداً والمنطقة بانتظار شرارة جديدة قد تشعل الميدان من جديد.