بينما كان العالم يلملم شتات نفسه بعد جائحة “كورونا” التي غيرت وجه التاريخ، استيقظ الضجيج مجدداً من فوق متن سفينة غامضة، ليعيد إلى الأذهان اسماً قديماً أثار الرعب في خنادق الحروب وفي القرى النائية: إنه “فيروس هانتا”، للوهلة الأولى، بدا الأمر وكأنه مجرد “تريند” عابر على منصات التواصل الاجتماعي، لكن الغوص في دفاتر الطب والتاريخ يكشف عن “قاتل صامت” يمتلك معدلات فتك تجعل أرقى المنظومات الصحية تقف عاجزة.
في هذا التقرير، يفتح “القصة” الملف الشائك لفيروس “هانتا”، ويستعرض رحلته من ضفاف الأنهار الكورية إلى معامل الإسكندرية، ونواجه الخبراء بالأسئلة: هل نحن أمام وباء عالمي جديد؟ وكيف تحول فيروس “ريفي” إلى تهديد يطارد البشر في عام 2026؟
سفينة الزخم وصدمة البداية
لم يكن “هانتا” بحاجة لأكثر من خبر قصير عن سفينة يشتبه في حملها لمصدر عدوى، ليتصدر المشهد الإعلامي، يقول الدكتور إسلام عنان، أستاذ علم انتشار الأوبئة، هذا الاهتمام المفاجئ قائلاً: “إن وجود السفينة خلط الأوراق وخلق زخماً إعلامياً كبيراً لأن القصة في حد ذاتها “حلوة تتحكي” درامياً، مما جعل الناس تبحث وتتساءل عن ماهية هذا الفيروس”.
لكن خلف هذا الزخم قصة بدأت قبل عقود. يعود بنا “عنان” إلى الخمسينيات، وتحديداً خلال الحرب الكورية، حين سقط آلاف الجنود صرعى بسبب فشل كلوى حاد ونزيف لم يفهمه الأطباء آنذاك، مشيراً لـ”القصة” إلى أنه في ظل الفيروس لغزاً حتى عام 1978، حين تمكن العلماء من عزله قرب نهر “هانتان” في كوريا، ليحمل الفيروس اسم ضحيته الأولى جغرافياً، ويبدأ رحلته كواحد من أخطر الفيروسات حيوانية المنشأ.
كيف يغرق الإنسان داخل رئتيه؟
عند الحديث عن طبيعة المرض، يوضح الدكتور أمجد الحداد، استشاري الحساسية والمناعة، النقاط على الحروف ليطمئن الجمهور من جهة ويحذرهم من جهة أخرى، في تصريحات لـ “القصة”: “يجب أن نفهم أولاً أن هذا ليس فيروساً جائحاً مثل كورونا، ولن يكون له انتشار وبائي عالمي سريع لماذا؟ لأن المرض مرتبط بـ “بؤرة انتشار” محددة، وهي وجود العائل الوسيط، أي القوارض والجرذان”.
ويستفيض الحداد في شرح “ميكانيكية الفتك” التي يتبعها الفيروس: “هانتا لا يمزح الفأر المصاب لا تظهر عليه أعراض، لكنه يفرز الفيروس في فضلاته ولعابه، عندما يجف هذا الحطام ويتحول إلى غبار يستنشقه الإنسان، تبدأ الكارثة”.
الأعراض تبدأ كإنفلونزا عادية، لكنها سرعان ما تتحول إلى هجوم شرس، يوضح الحداد: “المصاب يعاني من كحة شديدة جداً، وصعوبة في التنفس قد تنتهي بفشل تنفسي كامل وهناك سلالات أخرى تهاجم الكلى مباشرة، مسببة فشلاً كلوياً ونزيفاً وحرارة مرتفعة”، هذه الحالة يصفها الأطباء بأنها “غرق داخلي”، حيث تمتلئ الرئتان بالسوائل نتيجة انهيار الأوعية الدموية الصغيرة.
حين يتفوق “هانتا” على “كوفيد-19”
إذا كانت “كورونا” قد أرعبت العالم بنسبة وفيات بلغت حوالي 1%، فإن أرقام “هانتا” تبدو وكأنها قادمة من أفلام الرعب، هنا، يستعرض الدكتور إسلام عنان تاريخ السلالات المرعبة: “في عام 1993، استيقظت الولايات المتحدة على فاجعة، شباب في مقتبل العمر وأصحاء تماماً سقطوا موتى في ظرف أيام اكتشفنا حينها سلالة (سن نومبري – Sin Nombre)، وكانت نسبة الوفيات فيها 52%”.
ويضيف عنان بنبرة تحذيرية: “حتى في السنوات الأخيرة، وتحديداً في 2025 و2026، سجلنا إصابات في الأمريكتين والبرازيل والأرجنتين بنسب وفيات تتجاوز الـ 30% نحن نتحدث عن فيروس يقتل واحداً من كل ثلاثة يصابون به في أفضل الأحوال، وهذا ما يجعل المنظمات الصحية الدولية تضعه تحت المجهر الدائم”.
شبح سلالة “أنديز” وانتقال البشر
المعلومة السائدة هي أن “هانتا” ينتقل من “الفأر إلى الإنسان” فقط، ولكن هل تظل هذه القاعدة صامدة؟ يشير عنان إلى منعطف خطير حدث في عام 1995، وهو ظهور سلالة “أنديز” (Andes virus).
ويقول عنان: “كانت هذه هي النقطة الفاصلة في تاريخ هانتا لأول مرة، تم رصد انتقال الفيروس من إنسان إلى إنسان، ورغم أن هذا الانتقال لا يزال ضعيفاً وضئيلاً مقارنة بسرعة انتشار كورونا، فإن مجرد كسر الفيروس لهذه القاعدة البيولوجية جعل الخبراء يتابعونه سنة بسنة، خشية حدوث تحور يزيد من كفاءة انتقاله بين البشر”.
الفيروس في بيوتنا منذ عقود
كشف عنان عن دراسة علمية “مجهولة إعلامياً” أجريت في محافظة الإسكندرية خلال فترة التسعينيات الدراسة كانت تهدف لتقييم وجود الفيروس في البيئة المصرية.
يقول عنان: “الإسكندرية مشهورة ببحثها العلمي الرصين جلب الباحثون 600 شخص سليم و800 فأر من أماكن مختلفة بالمحافظة الصدمة كانت في تمكنهم من عزل فيروس هانتا من 12% من العينات، هؤلاء الأشخاص كانوا حاملين للفيروس بالفعل ولكن بدون أعراض (Asymptomatic)، تماماً كما كان يحدث في بعض حالات كورونا”، هذه المعلومة تعني أن الفيروس ليس وافداً جديداً على مصر، بل هو “جار قديم” يعيش في صمت داخل بؤر القوارض المحلية، وينتظر فقط لحظة الضعف أو التماس المباشر ليعلن عن نفسه.
من هم الضحايا؟.. خارطة الخطر
لا يتساوى الجميع أمام “هانتا”، أمجد الحداد يحدد الفئات الأكثر عرضة للخطر: “كل شخص معرض للإصابة إذا تماس مع فضلات قوارض مصابة، لكن الفئة الأكثر خطورة هي كبار السن، وأصحاب الأمراض المزمنة السكري، الضغط، أمراض القلب. هؤلاء تكون مناعتهم في مواجهة الفيروس ضعيفة جداً، وغالباً ما تتطور حالتهم إلى فشل تنفسي أو كلوي سريع”.
ويضيف الحداد نقطة جوهرية تتعلق بالمهن: “عمال المخازن، المزارعون، ومن يقومون بتنظيف الأماكن المهجورة هم في خط المواجهة الأول الفيروس يراوغ التشخيص في ساعاته الأولى لأنه يشبه الإنفلونزا، مما يؤخر طلب الرعاية المركزية”.
هل تكفي “النظافة الشخصية” لمواجهة القاتل؟
في ظل غياب لقاح نوعي واسع الانتشار، تظل “الوقاية” هي السلاح الوحيد، يقول أمجد الحداد وهو يضع “روشتة” استباقية عبر “القصة”: “أول خطوة هي الحرب الشاملة على القوارض في مناطق السكن والعمل عبر إجراءات مكافحة العدوى وطرق المكافحة البيولوجية والكيميائية”.
ويردف: “النظافة الشخصية ليست رفاهية هنا يجب ارتداء الكمامة (N95 إن أمكن) عند التعامل مع مخازن قديمة أو أماكن يشتبه في وجود فئران بها، غسل الأيدي بالماء والصابون باستمرار، وتهوية الأماكن المغلقة جيداً لقتل الفيروسات التي قد تكون عالقة في الهواء الجاف”.