شخصا من المفترض أن يعرف بالقانون أكثر من غيره، لكنه قرر أن يبدل دوره، ليصبح متهما بدلا من أن يكون قاضيا، وارتكب جريمة قتل في حق طليقته، واعترف بأنه قام بها بدم بارد، وبعد تداول الواقعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية، انقسم المتلقون ما بين مستنكر، وبين آخر يبحث عن مبرر للجريمة، ما جعل الأزمة أكبر من قضية القتل، بل أزمة مجتمع كامل، يتعاطف فيه البعض مع القتلة، ويؤكدون على ملكية الرجل للمرأة، وأحقيته في فعل ما يحلو له بها، ولو وصل الأمر لإزهاق روحها، ما طرح تساؤلات حول لماذا أصبح العنف ضد المرأة في مصر نمطا؟
حادثة قتل القاضي طليقته ليست فردية
رأى د. سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن جريمة قتل القاضي لطليقته ليست حادثة معزولة أو شذوذا فرديا، بل هي تعبير صريح عن ثقافة ذكورية متجذرة في المجتمع المصري، مؤكدا أن المشكلة لا علاقة لها بالمهنة أو المستوى التعليمي، بل تكمن الأزمة في ثقافة الرجل المصري عن نفسه.
وأضاف صادق، في تصريحات خاصة، أن “حب التملك والسيطرة” هو المحرك الأساسي لهذا العنف، إذ يعجز كثير من الرجال عن قبول فكرة رفض المرأة أو اختيارها مغادرة العلاقة، موضحا أن الحل بسيط من الناحية المنطقية: “مش مبسوط؟ إمشي. الموضوع بسيط”، غير أن الثقافة السائدة تحول هذه البساطة إلى جريمة.
المنظومة القانونية ذكورية
وأشار صادق إلى حدود الثقافة الشعبية، و امتد نقده ليشمل المنظومة القانونية برمتها، وتابع: “لدينا قوانين ترشخ للذكورية، وتطبيقها ذكوري بحت”، مستشهدا بحالة الطالبة نيرة التي أبلغت الشرطة قبل مقتلها دون أن يحرَك ساكنا، موضحا أن بعض الأُطر القانونية والدينية توظَف أداة لترسيخ الهيمنة الذكورية، لا لتحقيق العدالة.
وحمَّل أستاذ علم الاجتماع الإعلام جزءا من المسؤولية، موضحا أنه يمنح أحيانا مساحة لأصوات تتعاطف مع الجاني أو تبرر فعله، مطالبا بتشريعات تجرم التبرير العلني للعنف ضد المرأة، وتابع: “للاسف المرض متفشي وما فيش علاج، ما حدش بيعمل حاجة”، معتبرا أن الدولة غير جادة في مواجهة هذه الظاهرة، في ظل غياب إرادة حقيقية لتغيير الثقافة وتطبيق القانون بصرامة.
تصريحات الجاني تكشفه
بينما أكدت الدكتورة بسمة سليم، أستاذ علم النفس، أن إقرار الجاني بجريمته لا يعني إدراكاً أخلاقياً أو شعوراً حقيقياً بالذنب، بل هو على الأرجح آلية دفاع نفسية، يلجأ إليها للتخفيف من وطأة الإدانة الداخلية، أو للبحث عن مبرر يقنع به نفسه والآخرين، موضحة أن هذا التحليل مبني على تصريحاته العلنية لا على تشخيص إكلينيكي رسمي.
وأضافت سليم، في تصريحات خاصة، أن طبيعة الجريمة ومبرراتها تكشف عن شخصية قد تتسم بالنرجسية أو بسمات الشخصية المضادة للمجتمع، وهي شخصية تعجز عن الإحساس بالآخر أو تضعه في مرتبة دون مرتبتها، ويتجلى ذلك في غياب أي اعتبار لمشاعر ابنته التي فقدت أمها على يد أبيها، وتابعت: “فالأب الذي ادعى الخوف على ابنته كان من الأولى أن يخشى عليها من صدمة الفقد والرعب، لا أن يكون هو مصدر ذلك الرعب”.
فقدان السيطرة على المرأة يولد العنف
واستندت سليم إلى علم النفس الجنائي لتميز بين نوعين من الجرائم، أولها الجرائم الاندفاعية التي تنشأ عن فقدان مفاجئ للسيطرة، والآخر الجرائم المنظمة التي تنطوي على ترصد ونية مسبقة وقدرة على ضبط السلوك، وتابعت: “وبالنظر إلى تصريحات الجاني وطريقة تنفيذ الجريمة، تخلص إلى أنها تندرج في الغالب ضمن النوع الثاني، مما يعني أنه كان يملك وعيا كاملا بما يفعله”.
وأشارت أستاذ علم النفس إلى أن الدافع الحقيقي يكمن في الإحساس بفقدان السيطرة على امرأة باتت مستقلة وناجحة في حياتها الجديدة، وهو شعور يولد لدى الشخصية النرجسية غضباً عميقاً وميلاً للعنف، إذ يعجز النرجسي عن استيعاب أن تكون من كان “يمتلكها” قادرة على الازدهار بعيدا عنه.
وأكدت سليم بملاحظة دالة على أن الشخص الذي ينهار عاطفياً إثر جريمة اندفاعية لا يكون متماسكاً ولا يحكم كلامه، أما أن يخرج الجاني يتحدث بمنطق وهدوء وكأنه في موقف دفاعي محسوب، فهذا يكشف عن عنف مزمن ومتجذر، وليس عن لحظة غضب عابرة.