أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

أماني القصاص

“موسى.. نوح.. مريم”.. حين أقصينا الأنبياء عن شاشتنا واستعادتهم شاشات العالم

أماني القصاص

لم أكن أتصور أن الغياب يمكن أن يكون بهذه القوة، ولا أن الصمت يمكن أن يتحول إلى رواية بديلة تُكتب عنا ونحن نظن أننا نحمي ما نؤمن به.

في مصر، ومنذ لحظة مبكرة، اخترنا أن نحرس مقام النبوة من الكاميرا، وأن نُبقي الأنبياء خارج الشاشة، حفاظًا على قدسيتهم ومكانتهم التي لا يجوز أن تُختزل في أداء ممثل أو رؤية مخرج.

كان القرار مفهومًا، نابعًا من خوف صادق على ما هو أعلى من الفن وأعمق من التمثيل. لكن العالم لم يتوقف عند هذا الخوف، ولم ينتظر هذا الحرص، بل مضى يروي الحكاية بطريقته.

أخبار ذات صلة

أبو عبيده
أبو عبيدة لـ المجتمع الدولي: المرحلة الأولى أولاً
الحرب الأمريكية الإيرانية
العد التنازلي لمهلة ترامب.. هل تنجو إيران باتفاق "اللحظة الأخيرة" أم تبدأ ضربات البنية التحتية؟
cd492e1838aea0ecbab69d22aad2bc47
خريطة الغاز في مصر 2026.. الإنتاج والاستيراد والتصدير تحت ضغط الأزمات

كبرت وأنا أسمع قصص الأنبياء كما نعرفها من القرآن؛ واضحة، نقية، لا لبس فيها. لكنني حين رأيتها لاحقًا على شاشات العالم، اكتشفت أنها لم تعد القصة نفسها، بل صارت قصة أخرى تحمل الاسم ذاته وتختلف في الروح والمعنى.

رأيت نوحًا لا يشبه نبيًا، بل إنسانًا ممزقًا بين الشك والقسوة، ورأيت مريم تُعاد كتابتها داخل سياقات لا تنتمي لعقيدتي، ورأيت موسى وقد تحولت رحلته إلى ملحمة سينمائية ضخمة، تتداخل فيها الرؤية الدينية مع الخيال ومع حسابات السوق.

إذا عدنا خطوة إلى الوراء، سنجد أن هذه القصة لم تبدأ اليوم. ففي عشرينيات القرن الماضي، وقف يوسف وهبي على حافة تجربة كانت كفيلة بتغيير مسار الدراما العربية، حين أعلن نيته تجسيد نبي، فاشتعلت موجة رفض واسعة قادها الأزهر.

ووتحولت الواقعة إلى واحدة من أوائل الصدامات الكبرى بين الفن والمؤسسة الدينية، لم يكن الرفض وقتها مجرد موقف عابر، بل كان تأسيسًا لخط أحمر واضح. ثم جاءت عقود لاحقة عززت هذا الخط عبر مؤسسات مثل دار الإفتاء المصرية وقرارات مجمع البحوث الإسلامية، التي أكدت أن الأنبياء لا يُجسَّدون ولا يُقدَّمون كأداء تمثيلي. ومع الوقت، أصبح هذا الموقف جزءًا من الوعي العام، لا يُجادل فيه بقدر ما يُسلَّم به.

لكن التاريخ لم يكن خطًا واحدًا من المنع فقط، بل شهد محاولات للبحث عن بدائل ذكية. أبرزها تجربة فيلم الرسالة للمخرج مصطفى العقاد، الذي اختار أن يحكي السيرة دون أن يظهر النبي على الشاشة، فكان الغياب هنا لغة فنية لا عجزًا. غير أن هذه المحاولة، رغم نجاحها، لم تتحول إلى مشروع ممتد، ولم تُستكمل كصناعة قادرة على المنافسة.

في المقابل، كانت السينما العالمية تتحرك بثقة أكبر، مقدمة قصص الأنبياء بوصفها مادة مفتوحة للتأويل. في فيلم نوح للمخرج دارين أرونوفسكي، لم نكن أمام سرد ديني بقدر ما كنا أمام إعادة خلق كاملة للعالم، حيث امتزجت النصوص الدينية بالأساطير، وتحول النبي إلى بطل درامي معقد.
وجاءت أعمال أخرى عبر منصات مثل نتفليكس، لتقدم موسى ومريم وغيرهما داخل سرديات معاصرة، تستجيب لذائقة جمهور عالمي لا يعرف بالضرورة الفارق بين الروايات.

وهنا أدركت أن المسألة لم تعد مجرد اختلاف فني، بل تحولت إلى معركة على الرواية نفسها: من يملك القصة يملك الوعي، ومن يملك الصورة يملك الذاكرة. ونحن، في لحظة ما، قررنا أن ننسحب من هذه المعركة بالكامل.

السياسة هنا لا تظهر في شكلها التقليدي، لكنها حاضرة بعمق فيما يُعرف بالقوة الناعمة، حيث تتحول السينما إلى أداة لإعادة تشكيل الإدراك العالمي.

حين تُعرض قصص الأنبياء برؤية معينة، فإنها لا تؤثر فقط على المسلمين، بل على العالم كله، لأنها تخلق تصورًا عامًا عن الدين، وعن الشرق، وعن فكرة الوحي نفسها، المتلقي الغربي الذي لا يعرف الإسلام سيبني صورته عن نوح أو موسى أو مريم من هذه الأعمال، والمتلقي المسلم سيجد نفسه أمام سردية مزدوجة: واحدة يؤمن بها، وأخرى يراها في كل مكان، ومع الوقت، قد تتداخل الصورتان دون أن يشعر.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، فنحن لا نخسر فقط دقة الرواية، بل نخسر حقنا في تعريف أنفسنا أمام العالم. حين تُعاد كتابة قصصنا المؤسسة خارجنا، فإن صورتنا نحن أيضًا يُعاد تشكيلها، وتصبح النبوة جزءًا من خيال الآخر، لا من وعينا نحن، وتتحول القصة من مصدر قوة روحية إلى مادة ثقافية تُستخدم في سياقات سياسية وفكرية أوسع.

في هذا السياق، لا يكون الغياب حيادًا، بل فراغًا يُملأ فورًا، ولا يكون الصمت احترامًا دائمًا، بل قد يتحول إلى تنازل غير مقصود عن مساحة من الوعي الجمعي، فنحن خفنا من أن يختزل ممثل عربي نبيًا، لكننا لم نمنع أن يُعاد خلقه بالكامل داخل سردية لا تنتمي إلينا.

لا أقول إن الحل أن نكسر ما استقر عليه فقهنا، ولا أن نتجاهل حساسية مقام النبوة، لكنني أقول إن الغياب لم يعد حماية كافية، بل ربما صار خطرًا من نوع آخر. فالأجيال الجديدة لا تتلقى المعرفة كما كنا نتلقاها؛ لا تكتفي بالنص، بل تبحث عن الصورة، عن الحكاية التي تُرى.

ويمكن أن نحكي دون أن نُجسِّد، يمكن أن نصنع عوالم كاملة حول الأنبياء دون أن نضع وجوههم على الشاشة.

يمكن أن نقدم دراما عن المجتمعات، عن اللحظات الفاصلة، عن التحولات الإنسانية التي أحدثتها الرسالات. يمكن أن نبتكر لغة بصرية تحترم الإيمان وتخاطب العصر في الوقت نفسه.

لكن هذا يحتاج إلى إرادة ثقافية حقيقية، إلى فهم أن الحكاية ليست ترفًا، بل مسؤولية، وأن تركها للآخرين ليس حيادًا، بل تنازلًا هادئًا عن جزء من وعينا.

أنا، ككاتبة مسلمة، أرى أن النبوة أكبر من أي شاشة، لكنها أيضًا ليست بعيدة عن حياتنا كما نظن. هي جزء من وعينا، من وجداننا، من قدرتنا على فهم العالم. وإذا تركنا هذا الجزء دون أن نمنحه لغة العصر، سنفاجأ بأنه يُعاد تشكيله بعيدًا عنا.

ربما آن الأوان أن ننتقل من الحراسة إلى الحضور، من الخوف إلى الوعي، من الاكتفاء بالمنع إلى القدرة على الإبداع، لأن العالم لن يتوقف عن رواية هذه القصص، والسؤال لم يعد: هل تُروى أم لا؟ بل: كيف تُروى؟ ومن يرويها؟

فأن نحمي الأنبياء لا يعني أن نُقصيهم عن شاشتنا، بل أن نعيدهم إليها بما يليق بهم، وبنا، وبما نؤمن به.

 

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

مقصلة ديجيتال
"مقصلة ديجيتال".. هل تزيح رصرخة المليار "حبل المشنقة" عن رقاب الأسرى؟
حزب الدستور
"الدستور" إلى أين؟.. خلافات وانقسامات تهدد مسيرة حزب 25 يناير
مصر والدول العربية
حرب خفية على العلاقات العربية.. من يقف خلفها؟
الذهب - أرشيفية
ارتفاع عالمي بنسبة 0.23% مع استقرار محلي.. أسعار الذهب اليوم في مصر

أقرأ أيضًا

أماني القصاص
"موسى.. نوح.. مريم".. حين أقصينا الأنبياء عن شاشتنا واستعادتهم شاشات العالم
شيماء سامي
نصرٌ من نوعٍ آخر.. كسر أسطورة الجبروت
إيهاب مجاهد - أستاذ الإذاعة والتليفزيون المساعد
"كليلة ودمنة".. كيف أعادت النماذج التوليدية تشكيل الحروب الخوارزمية؟
نقابة الصحفيين
جلسة نقاشية موسعة بنقابة الصحفيين الأربعاء المقبل.. وهذه التفاصيل