12.03 مليار جنيه سنويًا هي القيمة التي ستدفعها الوزارات لمجرد حق البقاء في الحي الحكومي بالعاصمة الإدارية، تحت مسمى تكلفة التشغيل، وبعد أن كانت كانت تملك عقاراتها بسيادة، أصبحت اليوم مطالبة بتوفير ملايين يوميًا لسداد فواتير وجودها في العاصمة الإدارية.
تشير بيانات مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026 – 2027 إلى ارتفاع تكلفة تشغيل الحي الحكومي بالعصامة الإدارية بنسبة بلغت 177%، لتصل إلى نحو 12.03 مليار جنيه، مقابل بـ 4.35 مليار جنيه مقدرة للعام المالي الجاري الذي ينتهي في يونيو المقبل.
فبين حلم شاب في نهاية العشرينات يبحث عن شقة يبدأ بها حياته، وأرقام رسمية تتحدث عن 12 مليار جنيه سنويًا لتشغيل الحي الحكومي في العاصمة الإدارية الجديدة، تظهر الفجوة التي تجعلنا نتسائل لمن تبنى العاصمة؟
تكلفة البقاء في العاصمة الجديدة
يقول الدكتور إلهامي الميرغني، خبير الاقتصاد، إن العاصمة الإدارية تمثل نموذجًا للهدر، لأن الوزارات كانت في مبانٍ مملوكة لها، ولا تدفع أي إيجارات، وكانت مسؤولة عن صيانتها، أما الآن فأصبحت تدفع إيجارات بالمليارات، كما تم ضم المباني والأراضي التي كانت مملوكة لها إلى أملاك الدولة.
ويضيف الخبير الاقتصادي، في حديثه لـ”القصة”، أن ارتفاع تكاليف التشغيل لا يجب الحكم عليه كرقم مطلق أو كنسبة فقط، بل يتطلب الاطلاع على ميزانية العاصمة عن العامين الماضي والحالي، وتحديد بنود الإنفاق ونسب الزيادة ومعرفة أسبابها، مضيفًا أنه من الضروري تحليل جميع التعاقدات المرتبطة بالتشغيل التي تمت خلال العام.
ويتابع أن ملف العاصمة الإدارية الجديدة يفتقر إلى الشفافية، وأن ما يتم تداوله حاليًا هو مجرد تخمينات تستند إلى أرقام وحقائق غير معلنة، قائلًا: “هل يعرف أحد ما هي الخدمات وتكلفتها؟ للأسف، كل ذلك تخمينات على أرقام وحقائق غير معلنة”.
ويشير إلى أن مقارنة تكلفة تشغيل العاصمة الإدارية بالمدن الجديدة الأخرى لن تكون دقيقة دون وجود ميزانيات منشورة، قائلًا: “نحتاج إلى الاطلاع على الميزانيات وإجراء المقارنة، فلا يمكن المقارنة دون أرقام معلنة”.
ويلفت إلى أن الحكم على وجود عائد اقتصادي مباشر من تكاليف التشغيل وحدها أمر صعب، موضحًا أن الأهم يتمثل في تقييم حجم الإنفاق الاستثماري على العاصمة، ومعدل العائد، وفترة استرداد رأس المال، قائلًا: “هذه تكاليف تشغيل، لكن الأهم هو حجم الإنفاق الاستثماري ومعدل العائد وفترة الاسترداد، ولا يمكن الحكم من خلال تكاليف التشغيل فقط”.
وطالب الميرغني بتطبيق مبدأ وحدة وشمولية الموازنة العامة لتضم جميع الإيرادات والمصروفات التي تتم خلال العام، قائلًا: “كل هذه الإيرادات والموارد خارج الموازنة العامة، ولذلك نطالب منذ سنوات بضرورة إدراجها ضمن الموازنة”.
ويؤكد الميرغني أن هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة تبيع أراضي ووحدات سكنية دون أن يظهر ذلك في الموازنة، مما يجعلها لا تعبر عن حقيقة الإيرادات والمصروفات.
غياب التخطيط وارتفاع التكاليف يفاقمان الأعباء
يرى الدكتور أحمد خزيم، خبير الاقتصاد، أن الاضطراب الحالي كان متوقعًا، لأن الوزارات لم تدرس عمليات التقسيم والتشغيل بشكل كافٍ.
ويوضح، في حديثه لـ”القصة”، أن الوزارات كانت مملوكة للدولة بشكل مباشر، بينما يجري الآن التحول إلى نموذج قائم على التأجير، وهو ما لا ينطبق على المواطنين فقط، بل يشمل أيضًا طالبي الخدمات الذين يتنقلون بين الوزارات.
ويضيف أن انتقال طالبي الخدمات والموظفين إلى العاصمة الإدارية الجديدة يفرض أعباء إضافية، نتيجة بُعد المسافات وصعوبة التنقل داخلها مقارنة بالقاهرة، مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف المواصلات وإهدار المزيد من الوقت، معتبرًا أن ذلك يرجع إلى عدم دراسة المشروع بشكل كافٍ وغياب التنسيق بين الجهات الإدارية والاقتصادية.
ويقول: “المواطن يواجه معاناة في الوصول إلى العاصمة الإدارية والتنقل داخلها، لأنها ما تزال بحاجة إلى وقت لتكتمل كثافتها، ليكون التنقل داخلها أسهل”.
وينتقد أسعار الوحدات السكنية داخل العاصمة الإدارية الجديدة، واصفًا إياها بالمبالغ فيها، والتي تصل في بعض الأحيان إلى مليارات، مؤكدًا أن الأسعار المتداولة “غير واقعية”، وقد تتسبب في تضخم أسعار العقارات في السوق المصري وإهدار الموارد، فيقول : “أنا أسمع عن أسعار مبالغ فيها جدًا للعقارات في العاصمة الإدارية، وهذا الأمر يؤدي إلى إهدار في الموارد ويساهم في رفع قيمة العقارات في مصر”.
ويشير إلى أن المستفيد الرئيسي من المشروع هو شركة العاصمة، المالكة له، موضحًا أن نظام تأجير المنشآت الحكومية يعد نظامًا جديدًا وغير معتاد، ولا يُتوقع أن يعود بفائدة مباشرة على الشباب.
ويقول : “أعرف أن الشركات تبني للجمهور، ولكن هذه هي المرة الأولى التي تبني فيها للحكومة، والظروف الاقتصادية لن تسمح للمواطنين بالاستفادة من شراء وحدات سكنية هناك”.
ويتسائل: “كيف لشركة تمتلك الحكومة جزءًا منها أن تطالبها بدفع الإيجار؟ إنها فكرة غريبة جدًا وتحتاج إلى توضيح”.