في كل واقعة تحدث من قبل الحكومة لمسؤول يتعامل باستعلاء مع موظفي الدولة أو المواطنين، وكأنه يتفضل عليهم، يتعامل الرأي العام مع الأمر باعتباره حادثة فردية، لكن حينما ننظر إلى الأرشيف نجد أن المسألة أعمق من كونها “انفعالًا لحظيًا”، بل هي إدارة كاملة يرى فيها المسؤول نفسه فوق المساءلة، والمواطن ليس سوى شخص مزعج يطالب بحقه، وليس صاحب الحق نفسه.
أعادت الوقائع الأخيرة هذا السؤال مرة أخرى، فكانت واقعة الفريق كامل الوزير مع أحد المهندسين خلال جولة تفقدية لأحد المشروعات، وقبلها بأيام واقعة وزير الصحة مع نواب المجلس حينما تعامل بشكل حاد معهم، وكأنه هو الرقيب عليهم، لنجد أنفسنا أمام سؤال مهم: لماذا يتعامل الكثير من المسؤولين في مصر بسياسة “الأوامر” وليس الخدمة العامة؟
لم يكن ذلك جديدًا، ففي عصر الرئيس الأسبق حسني مبارك، كان اللواء زكي بدر واحدًا من أشهر النماذج التي ارتبط اسمها بالعنف اللفظي والسياسي، فعُرف عنه التصريحات الهجومية ضد المعارضين والصحفيين والشخصيات العامة، حتى وصل الأمر إلى استخدام ألفاظ مهينة بشكل علني في التصريحات والمؤتمرات، حتى باتت صورته لدى قطاع كبير من الجمهور مرتبطة بفكرة الدولة التي تتعامل مع المجتمع من طبقة أعلى.
وجاء ابنه بعد أعوام، أحمد زكي بدر، بالروح ذاتها تقريبًا، فخلال فترة توليه وزارة التعليم انتشرت له عدة وقائع وهو يتعامل بعصبية شديدة مع الموظفين والمواطنين في الجولات الميدانية، ولديه العديد من الفيديوهات الشهيرة أمام الكاميرات، وكأن أي تقصير إداري يتحول إلى معركة شخصية، وأي شكوى ليست سوى نوع من التمرد على المسؤول.
أما الواقعة الأشهر فكانت في فكرة “المواطن درجات” مع وزير العدل محفوظ صابر عام 2015، حينما صرح بأن: “ابن الزبال لا يمكن يشتغل قاضي”، الجملة التي أحدثت صدمة ضخمة وقتها، ليس فقط لأنها مهينة، بل لأنها كشفت بوضوح عن عقلية طبقية داخل مؤسسة تمثل العدالة. وفي حوار له أكد الوزير كلامه وكأنها قاعدة طبيعية.
العامل المشترك بين تلك الوقائع كان أن المسؤول يتحدث من موقع المالك، وليس الموظف العام.
وعلى الرغم من أن الدستور يقول إن المسؤول خادم للمواطن، وإن النائب دوره مراقبة الحكومة، وإن للصحافة حق السؤال، إلا أن الواقع يعكس عكس ذلك تمامًا، فيُعامل المواطن وكأنه موظف لدى الحكومة.
وما يؤكد ذلك أن أي فيديو ينتشر لوزير أو مسؤول يهين فيه مواطنًا لا يُنظر إليه باعتباره مجرد “تريند” سرعان ما ينتهي، بل ترى فيه الناس نمطًا يتكرر منذ سنوات.
والمفارقة أن غالبية المسؤولين، حينما يتحدثون في المؤتمرات الدولية، يستخدمون مصطلحات مثل “خدمة المواطن” و”العدالة الاجتماعية”، لكن بعد أول احتكاك مباشر مع مواطن غاضب، أو نائب يحاسب، أو صحفي ينتقد، يظهر الوجه الثاني: صوت مرتفع، وضيق من الأسئلة، وتعامل يكشف قدرًا كبيرًا من الاستعلاء.
السؤال الحقيقي ليس: من هو الوزير المخطئ؟ بل لماذا لا تزال تلك الثقافة مستمرة حتى اليوم؟
ولماذا لا يزال جزء من الجهاز الإداري والسياسي في مصر يتعامل بسياسة “الرعية”، وليس “المواطن” الذي له الحق الكامل في الحساب والاعتراض