في عملية قرصنة تعيد إلى الأذهان مخاطر الملاحة في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً، استيقظ الشارع المصري على نبأ اختطاف ناقلة النفط (M/T Eureka) واقتيادها من المياه الإقليمية اليمنية إلى سواحل إقليم “بونت لاند” الصومالي.
وبينما تتصارع الأمواج تحت جسم السفينة الضخمة، تخفق قلوب عائلات 8 بحارة مصريين وجدوا أنفسهم فجأة في قلب أزمة دولية، وسط تحركات دبلوماسية مصرية مكثفة لا تتوقف لتأمين عودتهم سالمين.
كواليس الحادث: من “المياه اليمنية” إلى “فخ بونت لاند”
بدأت الأزمة باعتراض الناقلة (M/T Eureka) أثناء عبورها في المياه الإقليمية اليمنية، حيث قامت مجموعة مسلحة باقتياد السفينة تحت التهديد نحو السواحل الصومالية، وتحديداً قرب إقليم “بونت لاند” المعروف بنشاطات القرصنة التاريخية، الحادث يضع الملاحة الدولية أمام اختبار جديد، خاصة مع تزايد وتيرة التوترات الأمنية في منطقة خليج عدن وباب المندب.
“سيولة أمنية” وساحة لتصفيات الحسابات
يرى الدكتور مختار غباشي نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن حادثة اختطاف الناقلة المصرية هي “واقعة خطيرة” تفتح الباب على مصراعيه أمام عودة ظاهرة القرصنة بشكل قد يربك حسابات الأطراف الإقليمية والدولية على حد سواء.
ويوضح غباشي لـ”القصة” أن هذا الحادث يأتي في ظل حالة من “السيولة الأمنية” التي يفرضها الصراع المحتدم في البحر الأحمر بين الولايات المتحدة وإيران، والحصار البحري المتبادل، مما أوجد ثغرات استغلها القراصنة للتحرك بحرية أكبر وسط هذا الزحام العسكري.
فخ “بونت لاند” وتعقيدات التفاوض
انتقال السفينة إلى سواحل إقليم “بونت لاند” بالصومال يضيف تعقيداً كبيراً للأزمة، فمنطقة القرن الأفريقي الصومال، إريتريا، جيبوتي تمثل جغرافيا مثالية لاختباء القراصنة والهروب من الملاحقة، ويقول غباشي، فإن عملية التفاوض مع هؤلاء القراصنة “ليست سهلة أو هينة”، فهي تخضع لشكل من أشكال الابتزاز، مؤكداً في الوقت ذاته أن خيار التحرير العسكري يتطلب تجهيزاً و تأهيلاً خاصاً، رغم ثقته في أن “مصر دولة كبيرة وقوية ولن تسمح باختطاف أبنائها بسهولة”.
فاتورة باهظة: تأمين الشحن ومسارات الملاحة
يحذر غباشي من التداعيات الاقتصادية المباشرة لهذا الحادث، مؤكداً أن شركات الشحن ستضطر حتماً لتغيير مساراتها أو تقليل مرورها عبر بعض الممرات، مما سيؤدي إلى:
- ارتفاع جنوني في نسب التأمين على البواخر الملاحية والتجارية.
- زيادة تكلفة الشحن الدولي، وهو ما سيكبّد الشركات العالمية خسائر فادحة.
ويرى أنا هذا التطور يعزز وجهة النظر القائلة بأن الممر البحري للبحر الأحمر أصبح يحمل في طياته خطورة بالغة تتجاوز مجرد التوترات السياسية.
هشاشة الأمن الدولي: الحاجة لنظام تأمين شامل
يكشف الحادث عن هشاشة أمنية كبيرة، رغم الوجود العسكري الدولي المكثف في المنطقة هكذا يرى غباشي، ويشد على أن تأمين الملاحة لم يعد مسؤولية “القوى الكبرى” وحدها، بل يحتاج إلى تضافر جهود “الدول المتشاطئة” مصر، السعودية، السودان، الصومال، إريتريا، جيبوتي، واليمن، وإن تأمين منطقة تمتد من مضيق عمان وصولاً إلى الممرات المؤدية للبحر المتوسط أصبح ضرورة ملحة للبحث عن نظام تأمين دولي يسمح بحركة مرور مأمونة.