تثير الضربات الأمريكية المتواصلة داخل الأراضي السورية تساؤلات متجددة حول مشروعيتها القانونية ومدى تأثيرها على سيادة الدولة السورية، خاصة في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة عقب المواجهة الأمريكية الإيرانية.

وبينما تؤكد واشنطن أن عملياتها تستهدف تنظيم داعش، يرى خبراء أن المشهد بات أكثر تعقيدًا مع تشابك الملفات الأمنية والسياسية داخل سوريا.
القانون الدولي يضع قيودًا صارمة على استخدام القوة
وفي هذا السياق، قال الدكتور عامر فاخوري أستاذ القانون الدولي العام، إن أي ضربة عسكرية أجنبية داخل الأراضي السورية يجب أن تُقرأ أولًا من خلال مبدأين أساسيين في القانون الدولي، هما حظر استخدام القوة ضد دولة أخرى واحترام سيادة الدول وسلامة أراضيها.
وأوضح لـ “القصة” أن المادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحدة تحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، باستثناء حالتين رئيسيتين هما وجود تفويض واضح من مجلس الأمن أو ممارسة حق الدفاع الشرعي الفردي أو الجماعي وفق المادة 51 من الميثاق.
وأضاف أن مجرد الإعلان عن استهداف تنظيم إرهابي لا يكفي لتبرير العمليات العسكرية قانونيًا، بل يجب تقديم أساس قانوني واضح يبرر استخدام القوة داخل أراضي دولة ذات سيادة.
التحالف الدولي والدفاع الشرعي عن العراق
وأشار فاخوري إلى أن الولايات المتحدة استندت منذ عام 2014 إلى مبدأ الدفاع الشرعي الجماعي عن العراق في عملياتها داخل سوريا ضد تنظيم داعش، باعتبار أن التنظيم كان يستخدم الأراضي السورية كمنطلق لشن هجمات ضد العراق.
ولفت إلى أن واشنطن أبلغت مجلس الأمن آنذاك بأنها تتحرك بناءً على طلب الحكومة العراقية، مستندة إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، مع تبنيها نظرية “الدولة غير الراغبة أو غير القادرة” على منع التهديدات المنطلقة من أراضيها.
نظرية “غير راغبة أو غير قادرة” محل جدل دولي
وأكد أن هذا التبرير القانوني لا يحظى بإجماع دولي كامل، إذ ما تزال نظرية “غير راغبة أو غير قادرة” محل خلاف واسع بين فقهاء القانون الدولي والعديد من الدول، كونها توسع نطاق استخدام القوة داخل أراضي دولة أخرى دون موافقتها الصريحة.
وأوضح أن استمرار عمليات التحالف الدولي في سوريا يستند إلى أساس قانوني تدافع عنه الولايات المتحدة وحلفاؤها، لكنه يبقى محل نقاش قانوني وسياسي، خاصة في حال غياب موافقة سورية واضحة أو تجاوز العمليات حدود الضرورة والتناسب
فتحت واشنطن جبهة جديدة ضد سوريا؟
وشدد فاخوري على أنه لا توجد مؤشرات كافية للقول إن الولايات المتحدة فتحت جبهة حرب جديدة ضد سوريا بعد التصعيد مع إيران، موضحًا أن العمليات الأخيرة جاءت في إطار استهداف تنظيم داعش.
وأضاف أن التقارير الغربية أشارت إلى تنفيذ ضربات واسعة ضد عشرات الأهداف التابعة للتنظيم خلال الأشهر الماضية، كما جرى الحديث عن مشاركة أو تنسيق مع القوات الأمنية السورية في بعض العمليات، وهو ما يغير من التوصيف القانوني لهذه الضربات مقارنة بأي عمليات تتم دون موافقة دمشق.
السيادة السورية بين الضرورات الأمنية والتدخلات الخارجية
وأوضح أن الضربات العسكرية الأجنبية تؤثر بلا شك على مبدأ السيادة السورية، لكنها لا تؤدي إلى إلغائه ،فالسيادة، بحسب القانون الدولي، لا تمنع الدولة من مواجهة تهديدات عابرة للحدود، لكنها تشترط أن يكون أي تدخل عسكري خارجي محكومًا بضوابط صارمة تشمل وجود تهديد حقيقي وضرورة عسكرية وتناسب في استخدام القوة واحترام القانون الدولي الإنساني.
وأشار إلى أن استمرار العمليات الأجنبية لفترات طويلة أو توسع نطاقها يزيد من الضغوط الواقعة على مبدأ السيادة، ويستدعي تقديم مبررات قانونية أكثر قوة ووضوحًا.
دمشق تعزز موقفها في مكافحة داعش
وبيّن فاخوري أن المشهد السوري تغير خلال الفترة الأخيرة، إذ لم تعد سوريا مجرد ساحة لمكافحة داعش، بل أصبحت نقطة تقاطع لعدة ملفات إقليمية ودولية تشمل الوجود الأمريكي والتحركات الإسرائيلية والعلاقة مع تركيا وتداعيات التوتر مع إيران.
وأضاف أن إعلان السلطات السورية عن توقيف مئات الأشخاص المرتبطين بتنظيم داعش وتفكيك عدد من الخلايا الإرهابية خلال الأشهر الماضية يمنح دمشق حجة قانونية وسياسية مهمة، مفادها أن الدولة السورية باتت قادرة بشكل متزايد على الاضطلاع بمسؤولياتها الأمنية داخل أراضيها، وهو ما قد يضعف تدريجيًا مبررات استمرار العمليات الأجنبية الواسعة.
مكافحة الإرهاب لا تعني تحويل سوريا إلى ساحة مفتوحة
واختتم فاخوري بالتأكيد على أن القانون الدولي لا يتعامل مع سوريا باعتبارها ساحة مفتوحة للتدخلات العسكرية، موضحًا أن أي عملية عسكرية أجنبية داخل أراضيها يجب أن تستند إلى أحد ثلاثة أسس قانونية واضحة،موافقة الحكومة السورية، أو تفويض من مجلس الأمن، أو ممارسة حق الدفاع الشرعي وفق شروط الضرورة والتناسب مع إبلاغ مجلس الأمن.
وأكد أن ما يجري حاليًا أقرب إلى استمرار عمليات مكافحة داعش في بيئة إقليمية شديدة التوتر، لكنه حذر من أن الخطر الحقيقي يكمن في احتمال توسع نطاق الأهداف العسكرية من مكافحة الإرهاب إلى إعادة رسم موازين النفوذ الإقليمي والدولي، وهو ما قد يفتح الباب أمام تعقيدات قانونية وسياسية أكبر في المرحلة المقبلة.