“سمعت ذات مرة عن قانون يسمى “الإجراءات الجنائية”، ولا أعلم هل رفضوه أم أقروه!” بهذه الجملة يلخص محمد. ع -طالب- العلاقة بين مجلس النواب والمواطنين.
يقول محمد في حديثه لـ “القصة”: لا أعرف شيئًا عن مجلس النواب سوى أنه يضم عددًا كبيرًا من النواب الذين دخلوا البرلمان لتحقيق مطالب الشعب.. ولا نراهم ولا نسمع عنهم شيئًا، رأينا صورهم فقط على اللافتات أيام الانتخابات”.
مع فضّ دور الانعقاد بعد شهور من المناقشات وإقرار القوانين، يبرز السؤال الأكثر إحراجًا تحت القبة: إذا كان البرلمان يُشرّع باسم الشعب، فلماذا يعيش الشعب في وادٍ والقوانين الصادرة في وادٍ آخر؟
المهندس إسلام. ف يقول في حديثه لـ “القصة” “ينعقد البرلمان أو ينفض انعقاده لا أهتم، لإنه لا يوجد ما يدفعني للاهتمام، فلا البرلمان يقدم أي شيء لي، ولا أشعر بتغيير حقيقي في الأزمات التي أحياها، على الرغم من أن البرلمان موجود من أجل حل أزمات الشعب”.
مي. ح، إخصائية اجتماعية، تقول في حديثها لـ “القصة”: “لا أعلم عن أعمال مجلس النواب سوى قانون أثار الكثير من الجدل خلال مناقشته، وكتب البعض عنه عبر صفحات موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أعتقد كان قانون الأحوال الشخصية، وما دون ذلك لا أعلم شيء”.
المفارقة هنا أن هذا القانون الوحيد الذي تسرب اسمه إلى ذاكرة “مي” لم يجد طريقه للإقرار أصلاً، حيث انتهى دور الانعقاد ورحّلت القبة مشروع قانون الأحوال الشخصية إلى أدراج المؤجلات للدور الثاني دون حسم.
حجب البث المباشر للجلسات وغياب التغطيات التلفزيونية الشفافة لم يحرم المواطن فقط من معرفة القوانين التي تُشرّع باسمه، جهل البرلمان – برئيسه ونوابه وقوانينه – غائبًا عن الذاكرة اليومية للمواطنين، تقول مصرية. ع، ربة منزل، في حديثها لـ “القصة”: “معرفش حاجة عن مجلس النواب، زمان كانت الجلسات بتتذاع وكنا نقعد نستناها ونشوفها على التليفزيون وكنا عارفين أسماء النواب، لكن دلوقتي إحنا منعرفش حتى اسم رئيس المجلس ولا حتى أسماء الوزراء، ولا سمعت عن قوانين ولا شوفت أثر”.
وحيد. س يقول في حديثه لـ “القصة”: “النواب عن البلد محدش شافهم من يوم الانتخابات ما خلصت وجلسات البرلمان منعرفش أصلًا بتبقى امتى وفين، كل اللي سمعت عنه لما كانو بيناقشو حذف بطاقات التموين وعرفت ان الوزير محضرش وبعد كدة معرفش حتى وصلو فين”.
لماذا لا يعنيهم ما يُشرع؟
سامي عبدالوهاب، مرشح سابق لمجلس الشعب، وعضو مجلس محلي، يقول في حديثه لـ “القصة”: “مجلس النواب لا يهتم بالمواطن حتى يهتم المواطن به. وقبل السؤال عما نعلمه من قوانين أو موضوعات ناقشها المجلس على مدار الانعقاد علينا أن نسأل أسئلة أخرى: ماذا قدم مجلس النواب للناس أصلا خلال هذا العام؟ ماذا قدم لهم مما يمسهم؟ مشكلات الناس وأزماتها كما هي”.
ويضيف: “هناك مشكلات رئيسية تتعلق بأسعار السلع الأساسية، ومشكلات في المياه والصرف الصحي والمستشفيات والمدارس والتوظيف، كي يشعر المواطن بالمجلس لا بد أن يشعر بتحسن ملموس في حياته، ويجد حلولًا ولو لجزء بسيط من تلك المشكلات المتراكمة التي يتعامل معها بشكل يومي”.
من جانبه، يقول الدكتور عمرو هاشم ربيع، المستشار السياسي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، في حديثه لـ “القصة” إن أزمة عدم شعور المواطنين بالبرلمان وعدم متابعته تتلخص في أن السلطة التنفيذية غير معنية بالشفافية، ولو كانت ترغب في توضيح كل الأمور للناس لكانت خصصت قناة للبرلمان، تغطي جميع جلساته، وتتخص في مناقشات الأمور التي تُطرح بداخله، وساهمت في تسهيل عمل تغطيات صحفية جيدة في مختلف الصحف لكل ما يقوم به المجلس.
ويضيف ربيع، أن أكبر دليل على فقدان السلطة التنفيذية للشفافية، وعدم اهتمامها برأي الجمهور، عدم وجود مضابط مطبوعة للجلسات، مشيرًا إلى أن المضابط كانت تساعد المختصين وغيرهم في متابعة أعمال المجلس، القوانين التي تمت مناقشتها، وآراء النواب فيها، وطلبات الإحاطة وما إلى ذلك.
وتابع: “أنا اليوم لديَّ جميع مضابط برلمانات الرئيس الراحل حسني مبارك، أما الآن فلا أعلم شيء عما يحدث بجلسات مجلس النواب غير ما يريدون نقله لنا. إذا كان الباحث لا يعلم فهل المواطن العادي سيعلم؟”.
وأشار المستشار بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية إلى أن البرلمان هو حياة الناس. ويختص بكل ما يهم حياتهم. لافتا إلى أنه من المفترض أن البرلمان يعمل على كل ما يخص المواطن وما يعانيه في حياته اليومية. والمواطن بالطبع يعلم هذا الأمر جيدا.
قال: “ما دام الناس ماحستش بآداء المجلس بشكل إيجابي، فالبرلمان قطعًا بعيد كل البعد عن الناس ومعاناتهم ومطالبهم”.
وتابع: “للأسف نحن نتأخر ونرجع للخلف بدلا من أن نخطو للأمام. ففي 1866 كانت الحياة البرلمانية محترمة، وكان مجلس شورى النواب أفضل في القوة والآداء من مجالسنا الحالية، فأيام الخديوي إسماعيل كان رأس البلاد لا يستطيع التحرك أو إنفاق الأموال دون رأي مجلس شورى النواب، هذا هو التاريخ الذي لا يمكن لأحد أن يزيفه، فالخديوي كان يستجدي النواب لينفذ ما يريد. وكان النواب يضعون الشعب أولا، أما الآن فلا نعلم ماذا يفعلون أو فيم يفكرون”.