أعاد تقرير حديث صادر عن شركة الاستشارات التجارية والتسويقية The Board Consulting “ذا بورد كونسلتينج”، الجدل حول أوضاع السوق العقارية في مصر، بعدما كشف عن تراجع عدد الوحدات السكنية المبيعة خلال الربع الأول من عام 2026 بنسبة 15% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ليصل إجمالي الوحدات المبيعة إلى نحو 15.5 ألف وحدة، فيما انخفضت قيمة المبيعات الإجمالية بنسبة 6.5% لتسجل 271 مليار جنيه مقابل 290 مليار جنيه خلال الربع الأول من 2025.
ولم تمر الأرقام مرور الكرام، إذ أثارت تساؤلات داخل الأوساط الاقتصادية حول ما إذا كان القطاع العقاري بدأ بالفعل الدخول في مرحلة تباطؤ بعد سنوات من النمو، أم أن ما يحدث مجرد انعكاس مباشر للأوضاع الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية، بينما ذهب آخرون إلى التساؤل عما إذا كانت السوق تقترب من تكوين فقاعة عقارية.
وفي الوقت الذي بدت فيه المؤشرات مقلقة للبعض، يرى آخرون أنها تعكس تغيرًا في طبيعة السوق أكثر من كونها مؤشرًا على أزمة هيكلية، وهو ما يفتح الباب أمام قراءات مختلفة لما يحدث داخل واحد من أكبر القطاعات الاقتصادية في مصر.
سوق أكثر نضجًا
يرى المهندس محمد راشد، عضو مجلس إدارة غرفة صناعة التطوير العقاري باتحاد الصناعات المصرية، أن قراءة مؤشرات التراجع تحتاج إلى قدر كبير من التوازن، موضحًا أن السوق العقارية المصرية لا تتحرك باعتبارها سوقًا واحدة، وإنما تضم أسواقًا فرعية تختلف من حيث الشرائح المستهدفة، وطبيعة الطلب، والمواقع الجغرافية، وآليات التمويل.
ويقول في حديثه لـ”القصة” إن استمرار ارتفاع أسعار الفائدة، إلى جانب الزيادات الكبيرة في أسعار مواد البناء خلال السنوات الثلاث الأخيرة، أدى إلى ارتفاع تكلفة التمويل على المطورين والمشترين معًا، فضلًا عن زيادة أسعار الوحدات الجديدة نتيجة ارتفاع تكلفة الحديد والأسمنت ومدخلات التشطيب بعد تقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة.
ويؤكد أن الطلب الحقيقي على السكن لم يتراجع بنفس وتيرة تراجع القوة الشرائية، فمصر لا تزال تشهد زيادة سكانية تتجاوز مليوني نسمة سنويًا، مع تكوين مئات الآلاف من الأسر الجديدة والتوسع العمراني المستمر، وهو ما يجعل الطلب قائمًا لكنه أصبح أكثر انتقائية وأكثر حساسية للأسعار وأنظمة السداد.
المستهلك يغيّر قراره
ويشير راشد إلى أن الأرقام المتداولة بشأن انخفاض مبيعات بعض الشركات بنسبة تتراوح بين 15 و20% تعكس أداء شركات أو مناطق بعينها، ولا يمكن تعميمها على القطاع بالكامل، لافتًا إلى أن عددًا من كبار المطورين لا يزال يحقق مبيعات تعاقدية مرتفعة، وإن كانت بمعدلات نمو أقل من سنوات الطفرة التي أعقبت تحرير سعر الصرف.
ويضيف أن تقارير مؤسسات استشارية دولية مثل JLL وKnight Frank تؤكد أن السوق المصرية ما تزال من أكبر أسواق التطوير العقاري في المنطقة من حيث الطلب المستقبلي، لكنها انتقلت تدريجيًا من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر نضجًا تعتمد على جودة المنتج وكفاءة التمويل أكثر من الاعتماد على ارتفاع الأسعار فقط.
ويعتبر أن التغير الأبرز يتمثل في سلوك المستهلك، إذ أصبح المشتري يقارن بين المشروعات المختلفة، ويدرس الملاءة المالية للمطور، ومعدلات التنفيذ والخدمات وإدارة المشروع بعد التسليم، بينما تراجع نشاط المستثمرين الباحثين عن إعادة البيع السريع، في مقابل زيادة المشترين بغرض السكن أو الاستثمار طويل الأجل.
سباق جذب المشترين
ويرى عضو غرفة التطوير العقاري أن اتجاه عدد متزايد من الشركات إلى طرح برامج سداد تمتد إلى 10 و12 و15 عامًا، مع تقديم خصومات وتقليص مساحات الوحدات، لا يعكس أزمة طلب بقدر ما يعكس تغيرًا في طبيعة السوق واستجابة مباشرة لتراجع القدرة الشرائية.
ويضيف أن تقليص المساحات أصبح توجهًا عالميًا يهدف إلى الحفاظ على القيمة الإجمالية للوحدة ضمن الحدود المقبولة للمشتري، في حين جاءت خطط السداد الطويلة لتعويض محدودية التمويل العقاري في السوق المصرية مقارنة بالأسواق العالمية.
ويطالب راشد بإعادة التوازن بين المطورين والبنوك عبر توسيع برامج التمويل العقاري، وزيادة دور شركات التمويل، والتوسع في أدوات مثل التوريق والصناديق العقارية، إلى جانب تطوير منتجات تتناسب مع الطلب الحقيقي والاعتماد بصورة أكبر على التحول الرقمي وتحليل بيانات العملاء.
هل فقاعة عقارية؟
وعن المخاوف من تكوين فقاعة عقارية، يرى راشد أن هذا التخوف مشروع من الناحية النظرية، لكنه لا ينطبق بالكامل على السوق المصرية، موضحًا أن الفقاعات العقارية ترتبط عادة بالمضاربات والاقتراض المفرط وارتفاع الأسعار بمعزل عن الطلب الحقيقي، بينما يعتمد جزء كبير من السوق المحلية على مدخرات حقيقية أو أنظمة تقسيط مباشرة مع المطورين.
ويحذر في الوقت نفسه من اتساع الفجوة بين أسعار العقارات ومستويات دخول المواطنين، معتبرًا أن استمرار ارتفاع الأسعار بوتيرة تفوق نمو الدخول قد يؤدي إلى تباطؤ أطول في المبيعات، لكنه لا يرجح انهيارًا في الأسعار بسبب استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج.
ويقترح إطلاق جيل جديد من مبادرات التمويل العقاري بفترات سداد تصل إلى 30 عامًا، إلى جانب إصدار مؤشر رسمي لأسعار العقارات، وتفعيل الرقم القومي العقاري، والتوسع في تصدير العقار للأسواق الخارجية، واستخدام الصناديق العقارية والتوريق لتوفير سيولة طويلة الأجل للمطورين.
قراءة أكثر تشاؤمًا
في المقابل، يقدم الدكتور رشاد عبده، رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، قراءة مختلفة للمشهد، معتبرًا أن السوق تعاني اختلالًا واضحًا بين العرض والطلب، بعدما زاد حجم المعروض بالتزامن مع ارتفاع أسعاره إلى مستويات تجاوزت قدرة غالبية المواطنين على الشراء.
ويقول لـ”القصة” إن المطورين اضطروا إلى تقديم خصومات ومدد سداد طويلة بعدما أصبح كثير من المشترين يمتلكون بالفعل وحدات سكنية، بينما خرجت الطبقة المتوسطة، التي تمثل النسبة الأكبر من المجتمع، من دائرة المشترين بسبب الارتفاعات الكبيرة في الأسعار.
ويرى أن استمرار طرح وحدات مرتفعة الثمن، حتى في المشروعات التي يقال إنها موجهة للشباب، يجعلها بعيدة عن قدرات الفئات المستهدفة، مؤكدًا أن كثيرًا من الأسعار المتداولة لا تعكس الواقع الاقتصادي للمواطنين.
الأسعار خارج المتناول
وينتقد عبده سياسات طرح بعض المشروعات السكنية، معتبرًا أن أسعارها أصبحت تضاهي أو تتجاوز أسعار القطاع الخاص، رغم أنها تستهدف فئات يفترض أنها تحتاج إلى دعم أكبر للحصول على سكن مناسب.
ويطالب الحكومة بإعادة النظر في سياسات الإسكان، وتقديم تسهيلات حقيقية للشباب ومحدودي ومتوسطي الدخل، مع توفير وحدات تتناسب مع مستويات دخولهم، معتبرًا أن دعم القدرة الشرائية أصبح ضرورة للحفاظ على نشاط السوق.
وبينما يرى المطورون أن ما يحدث يمثل مرحلة إعادة ترتيب للسوق بعد سنوات من النمو السريع، يعتبر اقتصاديون أن التحدي الحقيقي يكمن في اتساع الفجوة بين أسعار العقارات ومستويات الدخول. وبين الرؤيتين، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح أدوات التمويل والسياسات الحكومية في إعادة تنشيط السوق، أم يستمر التباطؤ خلال الفترة المقبلة؟