أثارت الخطوات التي أعلنت عنها هيئة الدواء المصرية بشأن بدء الإجراءات التنفيذية لتطبيق منظومة حذف أسعار الأدوية من على العبوات، والتحول إلى نظام التسعير الإلكتروني، حالة من الجدل والتساؤلات داخل الأوساط الطبية والصيدلانية، خاصة في ظل المخاوف من تأثير القرار على حق المواطن في معرفة سعر الدواء قبل شرائه، وما إذا كان يمثل مجرد تطوير تقني لمنظومة تداول الدواء، أم يمهد لتغييرات أوسع في سياسة التسعير.
ويأتي القرار في إطار استكمال المنظومة الوطنية لتتبع الدواء، إذ تستعد الهيئة لبدء التطبيق الفعلي للمنظومة اعتبارًا من مطلع أغسطس 2026، على مرحلتين متتاليتين. وتشمل المرحلة الأولى الأدوية المستوردة التي أُدرجت بالفعل ضمن منظومة التتبع الدوائي، على أن تعقبها المرحلة الثانية، والتي تستهدف المصانع والشركات المحلية المنضمة إلى المنظومة تباعًا.
شبهة التلاعب بأسعار الدواء
يرى محمود فؤاد، رئيس جمعية الحق في الدواء، أن الاعتراض لا يتعلق برفض التطوير أو مواكبة التحول الرقمي، وإنما بالمخاوف من استغلال تلك الخطوة في تحريك أسعار الدواء مستقبلاً، تحت شعار التحديث والتكنولوجيا.
وقال فؤاد، في تصريحات خاصة لـ”القصة”: “لسنا ضد التطوير أو التحديث أو مواكبة العالم، لكننا نرى أن هناك شبهة تلاعب حول تحريك أسعار الدواء تحت هذا الغطاء. فالسوق المصرية تختلف عن كثير من الأسواق الأخرى، وأكثر من 90% من الصيدليات تقع في مناطق شعبية، ومعظم المترددين عليها من ربات البيوت وكبار السن والأطفال، وليس من المنطقي افتراض أن كل مواطن يمتلك هاتفًا ذكيًا أو يستطيع استخدام تطبيق أو مسح كود (QR) لمعرفة سعر الدواء، فهذه الآلية قد تكون مناسبة في مطعم أو مقهى، لكنها لا تصلح مع سلعة ترتبط بصحة الإنسان.”
القوانين تكفل إعلان السعر
وأكد رئيس جمعية الحق في الدواء أن القانونين رقمي 163 و181 ينظمان تسعير الدواء باعتباره سلعة خاضعة للتسعير الجبري، وهو ما يجعل إعلان السعر جزءًا أصيلًا من حقوق المستهلك.
وأضاف: “من حق المواطن أن يعرف كل البيانات المتعلقة بالسلعة التي يشتريها، من مواصفاتها وحتى سعرها، ولا يمكن أن يدخل الصيدلية ويحصل على الروشتة ثم يبدأ في البحث عن كود إلكتروني لمعرفة السعر، وبعدها يكتشف أن قيمة العلاج 500 جنيه بينما لا يملك سوى 300 جنيه، فيضطر إلى شراء جزء من العلاج فقط. هذا وضع غير إنساني، وسيخلق أزمات يومية بين المرضى والصيادلة، لأن ليس كل المواطنين لديهم القدرة على استخدام التكنولوجيا أو الوصول إليها.”
مطالبات بالإبقاء على السعر فقط
وأشار فؤاد إلى أن الحل كان يمكن أن يقتصر على حذف باقي البيانات المطبوعة على العبوة، مع الإبقاء على السعر باعتباره المعلومة الأهم بالنسبة للمريض.
وأوضح: “كان يمكن إخفاء جميع البيانات الأخرى إذا كان ذلك يخدم منظومة التتبع، لكن السعر يجب أن يظل ظاهرًا على العبوة، لأن المواطن يحتاج إلى معرفة تكلفة العلاج قبل اتخاذ قرار الشراء، تمامًا كما يطلع على قائمة الأسعار في أي مكان قبل أن يحدد ما يستطيع شراءه وفق إمكانياته.”
مخاوف من تحرير أسعار الأدوية غير الأساسية
وربط رئيس جمعية الحق في الدواء بين حذف السعر المطبوع وما وصفه بأفكار متداولة لتحرير أسعار بعض الأصناف الدوائية، مؤكدًا أن المخاوف تتركز في إمكانية الإبقاء على التسعير الجبري للأدوية الأساسية الخاصة بالأمراض المزمنة، مقابل تحرير أسعار بقية الأدوية.
وقال: “إذا أصبحت الأدوية غير الأساسية خاضعة للسوق الحر، فقد نجد الدواء نفسه يُباع بثلاثة أسعار مختلفة؛ بـ30 جنيهًا أو 50 جنيهًا أو حتى 100 جنيه، وفقًا لسياسة كل شركة أو العلامة التجارية الخاصة بها، وهو ما يحول الدواء إلى سلعة تخضع لمنطق البراندات، رغم أنه ليس قميصًا أو بنطلونًا، وإنما منتج يرتبط بحق الإنسان في العلاج.”
واختتم فؤاد تصريحاته بالتأكيد على أن التخوف الحقيقي لا يتعلق بالتكنولوجيا نفسها، وإنما بإمكانية استخدامها كمدخل لتغيير فلسفة تسعير الدواء، وصولًا إلى تحرير أسعار بعض الأصناف بعيدًا عن الأدوية الأساسية التي تلتزم الدولة بتسعيرها.
في الرسالة التالية سأكمل الجزء الخاص بتصريحات الدكتور ثروت حجاج والدكتور علي عوف والخاتمة، بنفس الأسلوب، من غير حذف أي معلومة.
واقع الأدوية غير المسعرة في السوق
على الجانب الآخر، يرى الدكتور ثروت حجاج، عضو نقابة الصيادلة، أن الجدل الدائر حول حذف الأسعار من عبوات الدواء ينبغي النظر إليه في ضوء واقع السوق، الذي يضم بالفعل عددًا من الأصناف المتداولة دون تسعيرة جبرية مطبوعة.
وقال حجاج، في تصريحات خاصة لـ”القصة”، إن هناك العديد من المنتجات المتداولة داخل الصيدليات لا تحمل أسعارًا معلنة على عبواتها، من بينها ألبان الأطفال، والأدوية المستوردة، والمكملات الغذائية، إلى جانب بعض المستلزمات الطبية والتركيبات الصيدلية، موضحًا أن هذه الأصناف تخضع بطبيعتها لآليات العرض والطلب، ولا يتم التعامل معها بنفس آلية الأدوية المسعرة جبريًا.
آليات السوق لا تعني غياب الرقابة
وأوضح عضو نقابة الصيادلة أن عدم وجود سعر مطبوع على بعض المنتجات لا يعني بالضرورة غياب الضوابط، مؤكدًا أن الصيدلي يظل ملتزمًا بالأسعار المتداولة داخل السوق، ليس فقط التزامًا بالقواعد المنظمة، وإنما أيضًا حفاظًا على ثقة المرضى.
وأضاف: “السوق يفرض آلياته بغض النظر عن وجود سعر مطبوع على العبوة من عدمه، لكن الصيدلي يدرك جيدًا أن أي مغالاة في السعر قد تدفع المريض إلى التوجه لصيدلية أخرى، لذلك يلتزم بالأسعار الواقعية المتداولة حتى لا يخسر عملاءه.”
هيئة الدواء صاحبة الاختصاص
وأكد حجاج أن هيئة الدواء المصرية تظل الجهة الوحيدة المنوط بها تحديد أسعار الأدوية وإلزام الشركات والمستوردين بها، موضحًا أن الصيدلي لا يحدد السعر من تلقاء نفسه، وإنما يلتزم بما يصدر عن الهيئة من قرارات.
وأشار إلى أن هذا الالتزام يحمي طرفي المنظومة؛ فالمريض يحصل على الدواء بالسعر الرسمي، بينما يتجنب الصيدلي أي مساءلة قانونية قد تترتب على مخالفة الأسعار المعتمدة.
أرباح تلتهمها تكلفة إعادة الشراء
ولفت عضو نقابة الصيادلة إلى أن التحدي الأكبر الذي تواجهه الصيدليات حاليًا لا يتعلق فقط بوجود الأسعار أو حذفها، وإنما بالزيادات المتكررة في تكلفة شراء الأدوية والمستلزمات الطبية.
وأوضح أن الصيدلي قد يحقق أرباحًا ظاهرية نتيجة تحريك الأسعار، إلا أن هذه الأرباح تذهب بالكامل تقريبًا إلى إعادة شراء نفس الأصناف بالكميات ذاتها بعد ارتفاع أسعارها، وهو ما يؤدي إلى استنزاف رأس مال الصيدليات ويضع الكثير منها تحت ضغوط مالية متزايدة، خاصة الصغيرة والمتوسطة.
رئيس شعبة الدواء: لا علاقة بين حذف السعر وتحرير التسعير
في المقابل، نفى الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الدواء، وجود أي علاقة بين حذف الأسعار المطبوعة على العبوات وبين تحرير سوق الدواء، مؤكدًا أن هيئة الدواء المصرية لا تزال تفرض التسعير الجبري وتراقب حركة كل عبوة دواء داخل السوق.
وقال عوف، في تصريحات خاصة لـ”القصة”، إن الهيئة تتابع جميع العبوات التي يتم تداولها، وتُلزم الشركات بطباعة الأسعار وفق القرارات الصادرة عنها، مشيرًا إلى أن أي محاولة للتلاعب في الأسعار يتم رصدها فورًا، لتُحال الشركة المخالفة إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
حذف السعر القديم واستبداله بالجديد
وأوضح رئيس شعبة الدواء أن المقصود من حذف الأسعار لا يعني إلغاء التسعير أو ترك السوق دون رقابة، وإنما إزالة السعر القديم عند صدور تسعيرة جديدة واستبداله بالسعر المحدث.
وضرب مثالًا لتقريب الفكرة، قائلًا إن الأمر يشبه ما يحدث عند ارتفاع سعر أي سلعة، مثل كرتونة البيض، إذ يقوم التاجر بإزالة بطاقة السعر القديمة ووضع أخرى جديدة تعكس السعر الحالي، مؤكدًا أن الهدف هو تحديث السعر بما يتوافق مع قرارات التسعير الجديدة، وليس إلغاء التسعير من الأساس.